فيضانات آسفي تكشف هشاشة البنية التحتية وإهمال المسؤولين
16 ديسمبر 2025
لم يكن عصر الأحد، الرابع عشر من كانون الأول/ديسمبر 2025، مجرد توقيت عابر في ذاكرة آسفي، بل كان موعدًا مع فاجعة حولت المدينة التي طال انتظارها للمطر إلى مأتم مفتوح. في لحظات خاطفة، تحولت الشوارع التي كانت تضج بالحياة إلى مسرح للموت والرعب. عاش السكان ساعات عصيبة وثقيلة، تتأرجح بين صدمة الفقد ومحاولات للتشبث بالحياة.
في قلب المدينة العتيقة وحي "باب الشعبة"، حيث تنبض ذاكرة آسفي، تحولت الأزقة الضيقة فجأة إلى مصائد مائية قاتلة. حوصرت عائلات بأكملها داخل منازلها التي اجتاحتها السيول بلا استئذان، واختلطت صرخات الاستغاثة بهدير المياه الجارفة، في مشهد مأساوي وقف فيه المواطنون عاجزين أمام قوة العاصفة، وسط تأخر مؤلم لليد المنقذة في اللحظات الأولى التي كانت تفصل بين الحياة والموت.
هذه الكارثة، التي جاءت بعد سنوات عجاف من الجفاف، لم تخلف دمارًا ماديًا فحسب، بل حفرت جرحًا غائرًا في قلب كل بيت بالمدينة وبالمغرب عمومًا. أزهق الطوفان المباغت وفق الأرقام الرسمية 37 شخصًا، مع توقعات بزيادة العدد، ليسوا مجرد أرقام، بل آباء وأمهات وأطفال كانت لهم أحلام وحكايات قطعتها السيول في أسوأ كارثة جوية يشهدها المغرب منذ عقد من الزمن.
وفي أروقة مستشفى محمد الخامس، تستمر فصول المأساة بصمت، حيث يصارع 14 ناجيًا آلامهم الجسدية والنفسية، حاملين في ذاكرتهم هول ما رأوه. وبينما يتلقون العلاج، تحبس المدينة أنفاسها قلقًا على اثنين منهم يرقدان في العناية المركزة، يتشبثان بخيط الحياة الرفيع، في وقت تحاول فيه آسفي لملمة جراحها وتوديع شهدائها بقلوب يعتصرها الألم.
في حي "باب الشعبة" بالمدينة العتيقة، تحولت الأزقة الضيقة فجأة إلى مصائد مائية، حيث حوصرت عائلات داخل منازلها واجتاحتها السيول، واختلطت صرخات الاستغاثة بهدير المياه الجارفة، وسط تأخر فرق الإنقاذ في اللحظات الحاسمة
آسفي وحيدة في العاصفة
ينقل الناشط الحقوقي محمد آيت برو، الذي عاين الفاجعة عن كثب من قلب المدينة القديمة، في حديثه لـ"ألترا صوت"، صورة سوداوية للوضع، واصفًا المشهد بمرارة بالغة حيث اختلطت صرخات الاستغاثة بعجز المواطنين المحاصرين. ويؤكد آيت برو أن التدخل الرسمي للسلطات سجل غيابًا ملحوظًا في الساعات الأولى الحاسمة، تاركًا سكان الأحياء العتيقة يواجهون مصيرهم بأنفسهم، في وقت كانت الحاجة فيه ماسة لفرق الإنقاذ وعناصر الأمن، ليس فقط لإجلاء العالقين، بل أيضًا لحماية ممتلكات السكان ومنازلهم التي غمرتها المياه في غفلة من الجميع.
وفي ظل هذا الفراغ المؤسساتي، يشير آيت برو إلى أن ما خفف من وطأة الكارثة هو الحس التضامني العالي الذي أبان عنه المواطنون، الذين سارعوا إلى نجدة بعضهم البعض وتوفير المأوى والمأكل للمتضررين. وقد لعب المتطوعون دورًا بطوليًا في عمليات الإجلاء، حاملين الأطفال ومساعدين كبار السن على الخروج من الأزقة الضيقة والمناطق المنخفضة التي تحولت في وقت قياسي إلى برك مائية عميقة أغرقت المنازل والمحلات التجارية، في مشهد يجسد تلاحم الشعب في مواجهة الأزمات.
ويحذر الناشط الحقوقي من أن الخطر لا يزال قائمًا، وأن الوضع لم يستقر بعد في ظل التوقعات الجوية التي تنذر بمنخفضات قوية وتساقطات عاصفية خلال الساعات القادمة. هذا الوضع المقلق يزيد من مخاوف الساكنة، التي تعيش حالة من الترقب، خاصة أن البنية التحتية للمدينة القديمة أثبتت هشاشتها الكاملة أمام السيول، مما يستدعي تدخلاً عاجلًا لتأمين الأرواح قبل الممتلكات في الجولات المطرية المرتقبة.
منافذ البحر أُغلقت والوادي غيّر مساره
في سياق تحديد المسؤوليات عن الكارثة التي حلت بحاضرة المحيط، وجه محمد زنون، عضو المجلس الجماعي لآسفي، أصابع الاتهام بشكل مباشر إلى "لجنة اليقظة" التي يترأسها قانونيًا عامل الإقليم. وفي تصريحه لـ"ألترا صوت"، اعتبر زنون أن "هذه الهيئة تتحمل المسؤولية الأولى عن الفاجعة لعدم اتخاذها الإجراءات الاحترازية الضرورية"، مشيرًا إلى أن اللجنة، التي دأبت العادة على انعقادها مرتين سنويًا لاستباق موسم الأمطار، تخلفت عن موعدها هذا العام، مما ترك المدينة مكشوفة أمام المخاطر.
وينتقل المتحدث ذاته لتشريح الأسباب التقنية والميدانية للكارثة، موضحًا أن المسؤولين تجاهلوا الخصوصية الطبوغرافية لآسفي التي يخترقها "وادي أسيف". وأكد زنون أن تنظيف مجرى الوادي من النفايات والأتربة قبل حلول موسم التساقطات كان إجراءً روتينيًا لضمان انسيابية المياه، إلا أن إهمال هذه العملية الحيوية هذا العام أدى إلى اختناق المجرى، مما أجبر السيول الجارفة على تغيير مسارها بعنف نحو "مصب الشعبة"، متسببة في طوفان غير مسبوق.
وفي معطى مهم، كشف المستشار الجماعي أن الأشغال الجارية بالمدينة ساهمت في إغلاق المنافذ الطبيعية التي كانت تسمح بتصريف المياه نحو البحر. هذا "السد غير المتعمد" أدى إلى احتباس السيول وارتفاع منسوب المياه بشكل قياسي، وصل إلى ستة أمتار، لتحولت الشوارع إلى أحواض مغلقة أغرقت المحلات التجارية والمنازل، وحوّلت الأمطار من نعمة إلى نقمة أودت بحياة المواطنين وممتلكاتهم. ويخلص زنون في ختام تصريحه إلى أن ما وقع هو "نكبة" حقيقية نتيجة تقصير مشترك.
طوفان آسفي يغلق المدارس
وعلى صعيد الخسائر المادية التي طالت قطاع التعليم، كشف المدير الإقليمي لوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة بآسفي، العلامي القريشي، عن تضرر ثلاث مؤسسات تعليمية مبدئيًا. وأوضح المسؤول الإقليمي أن السيول العارمة غمرت مدرسة ابتدائية بالكامل، بينما لحقت أضرار هيكلية بأسوار مدرسة ابتدائية أخرى وثانوية تأهيلية، مؤكّدًا عدم تسجيل أي خسائر بشرية في صفوف الأسرة التعليمية أو التلاميذ جراء هذه الواقعة.
وأمام هذا الوضع الكارثي، واستباقًا لأي مخاطر محتملة قد تنجم عن سوء الأحوال الجوية المرتقبة، أعلنت المديرية الإقليمية رسميًا تعليق الدراسة بجميع المؤسسات التعليمية، العمومية والخصوصية، في كافة أرجاء الإقليم. وسيشمل هذا القرار أيام الاثنين والثلاثاء والأربعاء (15، 16، و17 كانون الأول/ديسمبر 2025)، وذلك في إطار الحرص الشديد على سلامة المتعلمين والأطر الإدارية والتربوية، وتجنيبهم مخاطر التنقل في ظل بنية تحتية منهكة ومخاطر قائمة تقتضي أقصى درجات الحيطة والحذر.
ولم يقتصر دمار ما بات يوصف بـ"الأحد الأسود" على المؤسسات التعليمية، بل شل شريان الحياة في المدينة بأكملها، حيث تسببت السيول في إرباك كبير لحركة السير وإغراق عدد من الأحياء والشوارع الرئيسية. وقد وجد السكان أنفسهم في مواجهة مباشرة للطوفان، وسط تحذيرات من استمرار التقلبات المناخية، مما يضع المدينة أمام تحدٍّ حقيقي لتجاوز مخلفات هذه الكارثة التي كشفت هشاشة البنية التحتية بعد أول اختبار حقيقي لها.
القضاء يدخل خط 'المحاسبة'
في خطوة تهدف إلى ترتيب الجزاءات القانونية وتحديد المسؤوليات، أعلن الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بآسفي عن فتح بحث قضائي عاجل، عُهد به إلى مصالح الشرطة القضائية. ويأتي هذا التحرك الرسمي على خلفية السيول الفيضانية الجارفة التي اجتاحت الإقليم مساء الأحد 14 كانون الأول/ديسمبر 2025، بغرض الكشف عن الظروف والملابسات الحقيقية التي أدت إلى وقوع هذا الحادث الأليم، والوقوف على الأسباب المباشرة وغير المباشرة التي فاقمت حجم الكارثة.
وقد استنفرت هذه الكارثة الطبيعية مختلف الأجهزة الرسمية، التي سارعت إلى إصدار بلاغات توضيحية تضع الرأي العام في صورة الوضع الراهن، مؤكدة أن فداحة الخسائر تستوجب تحقيقًا شفافًا لمعرفة ما إذا كان هناك تقصير ساهم في تضخيم حجم المأساة.
وتواصل السلطات العمومية، مدعومة بعناصر الوقاية المدنية والقوات العمومية، عملياتها المكثفة، التي تتركز حاليًا على التمشيط الواسع للمناطق المنكوبة، والبحث عن مفقودين محتملين تحت الأوحال، فضلاً عن تقديم خدمات الإسعاف والدعم النفسي والمادي للساكنة المتضررة التي وجدت نفسها بلا مأوى في مواجهة آثار الفيضان.
ومن الناحية القانونية والدستورية، يبرز الدكتور كمال مدكور لـ"ألترا صوت" أن "الدستور المغربي، ولا سيما الفصول 40 و93 و136، يقر بوضوح مسؤولية الدولة عن الأضرار الناتجة عن إهمال مرافقها، وهو ما تؤكده العديد من السوابق القضائية. وعليه، فإن الدولة ملزمة بجبر الضرر والتعويض المادي للضحايا عن الخسائر في الأرواح والممتلكات
هل تدفع الحكومة فاتورة الإهمال؟
أكد الباحث في السياسات العمومية بجامعة محمد الخامس، سليمان صدقي، في حديث لـ"ألترا صوت"، أن "هذه الواقعة تعيد إلى الواجهة إشكالية التعويض عن الكوارث الطبيعية ودور صندوق التضامن الذي غاب تأثيره في فيضانات الجنوب الشرقي سابقًا". ويرى صدقي أن فتح النيابة العامة لبحث قضائي هو خطوة أولى ضرورية، لكن الواجب يقتضي إقرارًا حكوميًا رسميًا بكون ما حدث "كارثة طبيعية" لتفعيل مساطر التعويض، لا سيما أن الدولة تتحمل قسطًا وافرًا من المسؤولية لسماحها بالبناء والاستقرار في مناطق مهددة بالفيضان عبر تراخيص رسمية.
وفي تحليله لأوجه القصور، أوضح الباحث في السياسات العمومية أن التفاعل الحكومي مع الأزمة يتسم بالضعف والبطء، واصفًا إياه بسياسة "الهروب إلى الأمام" التي تتجاهل حجم الكارثة، مشيرًا إلى أنه لولا التدخل العفوي للشباب المتطوعين لكانت الحصيلة أثقل بكثير. ويشدّد صدقي على أن الفيضانات "ليست مجرد قضاء وقدر محتوم، بل هي في جزء كبير منها نتيجة لغياب الإجراءات الاستباقية كصيانة البالوعات والمجاري المائية، مما يستدعي من الحكومة والبلديات تحمل مسؤولياتها الوقائية قبل وقوع المحظور، بدلًا من ترك المواطنين عرضة لابتزاز بعض السماسرة وممتهني "الديباناج" الذين استغلوا المأساة لمراكمة الأرباح".
ومن الناحية القانونية والدستورية، يبرز الدكتور كمال مدكور لـ"ألترا صوت" أن "الدستور المغربي، ولا سيما الفصول 40 و93 و136، يقر بوضوح مسؤولية الدولة عن الأضرار الناتجة عن إهمال مرافقها، وهو ما تؤكده العديد من السوابق القضائية. وعليه، فإن الدولة ملزمة بجبر الضرر والتعويض المادي للضحايا عن الخسائر في الأرواح والممتلكات، بغض النظر عن المساطر البيروقراطية لصندوق الكوارث، خاصة أن شريحة واسعة من المتضررين قد لا تملك القدرة المالية أو المعرفية لسلوك مساطر التقاضي لانتزاع حقوقها المشروعة".
ويختم الدكتور مدكور تصريحه بالدعوة إلى تفعيل المبدأ الدستوري القاضي بربط المسؤولية بالمحاسبة، مطالبًا بفتح تحقيق فوري ومعمق لتحديد الجهات التي قصرت في اتخاذ التدابير الوقائية في بلد يستعد لاحتضان تظاهرات عالمية كبرى. ويؤكد صدقي أن الأولوية الآن يجب أن تنصب على المساءلة الحقيقية وضمان تعويضات عادلة ومستعجلة للمنكوبين، لتجاوز منطق الحلول الترقيعية وسياسة "النعامة" التي تواجه بها المؤسسات الرسمية مثل هذه الأزمات المتكررة.







