فيصل القاسم.. اهدأ يا رجل!

فيصل القاسم.. اهدأ يا رجل!

يُلحظ غياب فلسطين والقضية الفلسطينية عن أجندات القاسم (فيسبوك)

تعتمد نسب مشاهدة برامج الشاشة الفضية على عدة عوامل ترتبط بما يوفره المحتوى والشكل للجمهور، من بينها الإثارة، سواء في جوهر الموضوعات أو شكل معالجتها. لكن بمتابعة برنامح "الاتجاه المعاكس" مع الإعلامي فيصل القاسم عبر شاشة الجزيرة، يمكن الذهاب إلى ما هو بعد الإثارة والتشويق فيما يتعلق بحسم نسب المشاهدة، ويمكن حشر الكثير ضمن هذا الـ"ما بعد"، فالضجيج متوافر وبكثافة، الاشتباك بين الضيوف كذلك، ولا يُنسى التطييف، أو الوقوف عند الشحن الطائفي واحداً من أبرز سمات ما تنطق به حلقات البرنامج منذ فترة ليست هينة.

عند ذكر فيصل القاسم لا يُنسى التطييف، أو الوقوف عند الشحن الطائفي عبر برنامجه

حملت إحدى حلقات البرنامج يوم 3 أيار/مايو 2015 السؤال الآتي: "هل تعتقد أن العلويين في سوريا جنوا على أنفسهم؟"، لتثير الكثير من الجلبة والانتقادات التي تجاوزت الانتقاد والسخرية حتى إلى الشتائم والتهديد والوعيد، كما الدفاع عن البرنامج وعن شخص مقدمه من قبل فريق آخر، عبر وسائل التواصل الاجتماعي بشكل أساسي. ولا يلام منتقدو البرنامج أو مناصروه على اعتماد شخص القاسم ضمن تقييمهم البرنامج، هذا أنه لا يؤدي دور المحاور الصحفي الحيادي، بقدر ما ينحو اتجاهاَ معاكساَ، كأنه يترجم "وحدة الذات والموضوع" من موسوعة الوجودية. هذا ما تتكفل متابعة لمحات من الحلقة آنفة الذكر، والتي ترافقت مع اقتراب مقاتلي المعارضة المسلحة من الساحل السوري الزاخر بالقرى العلوية، بالتأكيد عليه.

لطالما امتاز عرض القاسم بغياب الحوار الحقيقي، فلا يمكن تلمس تفاصيل آراء ضيوفه، نظرا لتغليب الضجيج والمناكفة وكيل السُباب. وبما أنه يعتمد على وجوه معروفة عبر وسائل إعلام أخرى، أو عبر تكرار حضورها في غير حلقة لديه، فإن هذا يتيح معرفة عن أي فريق وأي توجه يدافع الضيف، وتكاد تكون لحظة التعريف بالضيوف بداية كل حلقة النقطة الأخيرة لالتقاط ما يمكن أن يسمع أو تفهم فحواه، ذلك أن ما بعدها يزخر بصراخ وتراشق بالماء، وما تيسر من أدوات يوفرها القاسم على طاولة برنامجه، متناسياَ أن من بين ما جاءت ضده ثورات الربيع العربي، التي يتمترس وراء بعض مقولاتها مدافعاً، هذا الشكل من التسطيح للقضايا الجوهرية في الإعلام، والابتعاد عن جوهر الصراعات القائمة في البلدان العربية لحساب البلاغة الخطابية المقعرة، فتجويد اللغة وتفصيحها لا يحيل بالضرورة إلى جودة المقولة، ناهيك عن أن آخر ما قد يحتاجه العرب اليوم، هو نسخة أخرى من برامج الشاشات الرسمية تدّعي عرض وجهات النظر والحوار الديمقراطي.

ومما يضيف إلى العبث عبثاً، أن جل الهجوم  الذي يشن على حفلات القاسم المطعمة بالطائفية، يأتي من طرف إعلام محور لا يغيب ممثلوه وسدنته عن البرنامج، ولا يتوانى هؤلاء في الإغراق وابتداع الشعوذات الطائفية عبر "الاتجاه المعاكس"، لتخرج أصوات من خندق "الممانعة" لطالما تسترت بخطاب حماية الأقليات والطوائف لتعزيز الشرخ بينها، مؤكدة رفضها وامتعاضها مما يقدمه الرجل كل ثلاثاء، سائرين على درب إطفاء الحريق بإشعال حريق آخر، وآخرون يريدون "استرداد مسيحية المشرق الذي تعرض للغزو العربي الإسلامي" وفق ما صرح به المحامي اللبناني جوزيف أبو فاضل عن أحلامه وطموحاته كأحد المصطفين في خندق الممانعة "حتى الآخر". فلا عجب أن يشل الحوار الوطني في ليبيا واليمن وسوريا، وتتعطل المصالحة الفلسطينية مراراَ وتكراراَ، إن كان النموذج الحواري المقدم للعرب هو "الاتجاه المعاكس".

تجويد اللغة وتفصيحها لا يحيل بالضرورة إلى جودة المقولة

منذ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، ولسان حال القاسم منشغل بثنائية السنة والشيعة على حساب ثنائية من مع الغزو ومن ضده، من مع وحدة العراق ومن مع تقسيمه كانتونات طائفية، لتأتي الثورة السورية وتعمق هذا الانشغال، ليضاف إلى قائمة صاحب منهجية اشتعال المشتعل العلويين من ثم "الموحدون الدروز وبقية الأقليات في سوريا.. إلى أين؟" وفق عنوان حلقة 16 حزيران/يونيو 2015.

من الضروري التساؤل أين البعد العربي في البرنامج الذي يدعي الانهمام بأسئلة العرب وقضاياهم؟! بتتبع ما تم بثه خلال  النصف الأول من 2015، يلحظ غياب فلسطين والقضية الفلسطينية عن أجندات صاحب "اهدأ يا رجل"، بعد أن كانت فلسطين أهم ما  بنيت عليه سمعة البرنامج وانتشاره في السنوات الأولى. وباستثناء حلقة يتيمة عن مخيم اليرموك، غلب عليها الحديث الطائفي أكثر من تناول مسألة اللاجئين الفلسطينيين في المخيم، يوم 12 أيار/مايو، لم يسمع ذكر لفلسطين إلا من بوابة المناكفة مع الممانعة، التي بدورها طالما امتطت فلسطين أيضاً لإخراس أي أصوات لا تروقها مدعية حضور فلسطين قبل النوم وبعده على وسادتها، أما باقي العرب فكان لهم من الطيب المعاكس نصيب حلقتان يمنيتان يومي 27 كانون الثاني/ يناير و17 شباط/فبراير، أو عن اليمن، وحلقة عن ليبيا يوم 24 شباط/فبراير، لم تخلو، بطبيعة الحال، من الغمز الطائفي.