فيسبوك والسياسة القذرة.. خادم مطيع للأوامر الإسرائيلية والأمريكية

فيسبوك والسياسة القذرة.. خادم مطيع للأوامر الإسرائيلية والأمريكية

دخل فيسبوك اللعبة السياسية كطرف غير نزيه بانصياعه للأوامر الإسرائيلية والأمريكية (رويترز)

تُعلمنا السياسة من وقت لآخر أن القوة هي كل شيء، وأن موازين القوى هي كلمة السر في عالم يكيل بميكيالين، بل مكاييل. لكن ما الجديد في هذه القصة القديمة؟

تفرض الحكومة الإسرائيلية والإدارة الأمريكية شروطها على فيسبوك في غلق حسابات أو حذف منشورات مناوئة لهما!

يتمثل الجديد في تدخل الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية، بكل ثقلهما، لمنع المنشورات التي ليست على هواهما على فيسبوك، أو لاعتقال ناشط يُدوّن على منصة اجتماعية، فاتحةً الباب على مصراعيه للتحريض ضد الفلسطينيين، بتدخلاتهما للضغط على إدارة فيسبوك لإغلاق حسابات صحفيين أو نشطاء مخالفين لآرائهم، أو حتى لإغلاق حسابات زعماء وقادة دول ليسوا من بين أصدقائهما!

إسرائيل تفرض شروطها على فيسبوك

في أيلول/سبتمبر من العام 2016، كشف موقع ذا إنترسيبت عن تفاصيل اجتماعات عقدت بين ممثلين عن فيسبوك من جهة، وبين أكثر الوجوه تعنتًا في الحكومة الإسرائيلية من جهة أخرى، وهو وزيرة العدل الإسرائيلية أيليت شكد.

اقرأ/ي أيضًا: ممتنعون عن النشر في فيسبوك

وأيليت شكد مُهندسة، وعضوة في الكنيست الإسرائيلي، ومعروفة بتأييدها الكبير والمتطرف لبناء المستوطنات ورفضها لأي حلول سلام تمنع قيام دولة يهودية على كامل الأراضي المحتلة، وصاحبة تاريخ من التصريحات العنصرية والمتطرفة بحق الفلسطينيين، لدرجة أنها وصفت أطفال غزة، أثناء عدوان 2014، في منشور لها على فيسبوك، بـ"الأفاعِي الصغيرة". عُيّنت أيليت شكد وزيرة للعدل في الحكومة الإسرائيلية قبل نحو ثلاثة أعوام.

وفيما يبدو انطلاقًا من تطرفها العلني، أوكلت لها مهمة فرض الشروط على ممثلي فيسبوك، وإجبارهم على الامتثال لأوامر الحكومة الإسرائيلية بغلق الحسابات التي تراها "مُحرّضة" على دولة الاحتلال، مُهددة فيسبوك بأنه في حال لم تمتثل إدارته لشروطها طواعية، فإنها ستعمل على سن قوانين تفرض ذلك على فيسبوك في إسرائيل على الأقل، وغرامات مالية، ومن باب التصعيد هددت بمقاطعة فيسبوك في إسرائيل تمامًا.

إدارة فيسبوك تمتثل للأوامر!

نتائج هذه الاجتماعات أضحت حقيقة واضحة، حيث نشرت صحيفة هآرتس الإسرئيلية بعد وقت قصير من الاجتماع، عنوانًا مثيرًا للاهتمام: "فيسبوك يرضخ لـ95% من طلبات إسرائيل لإغلاق حسابات تحريضية". وهو ما حدث بالفعل وأكده موقع ذا إنترسيبت في مقاله الطويل عن القصة المنشور قبل أيام، أنه تم تقديم 158 طلبًا لإغلاق حسابات مناوئة للاحتلال تعتبرها إسرائيل "تحريضية"، خلال أربعة أشهر، واستجابت إدارة فيسبوك لذلك بالفعل. وفي حين تضع إسرائيل حسابات الفلسطينيين تحت المجهر، تُؤكد نتائج نشرها ذا إنترسيبت، أن 96% من الفلسطينيين يستخدمون فيسبوك لمتابعة الأخبار فقط.

إحدى التبعات الأساسية لهذا الاجتماع، هو ما أعلنه موقع المركز الفلسطيني للإعلام، عن إغلاق حسابات إدارييه، ونشرت إندبندنت ذلك: "ما لا يقل عن 10 من حساباتهم (المركز الفلسطيني للإعلام) الإدارية لصفحتي فيسبوك العربية والإنجليزية، والتي يتابعها أكثر من مليوني شخص، أُغلقت، وتم تعليق سبعة منهم بشكل دائم، والتي يقال إنه تم تعليقها  نتيجة لتدابير جديدة وُضعت في أعقاب اجتماع  ممثلي فيسبوك مع الإدارة الإسرائيلية".

وفي آذار/مارس 2016، أغلق فيسبوك صفحة حركة فتح الفلسطينية والتي يتابعها الملايين أيضًا، بسبب صورة قديمة نشرتها الصفحة لياسر عرفات وهو يحمل بندقية. العجيب أن إسرائيل ترتعب من هذه الأشياء بالفعل!

وغيرها عشرات المواقع الإعلامية التي حجب فيسبوك صفحاتها خلال عام 2016، تحديدًا في أعقاب الاجتماع بين ممثليه وبين أيليت شكد ممثلة الإدارة الإسرائيلية.

الكيل بمكيالين.. هل يلقى التحريض ضد الفلسطينيين نفس الرقابة؟

في المقابل، يتواصل العنف والتحريض الإسرائيلي ضد الفلسطينيين والعرب، على مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصًا فيسبوك، دون رقابة أو اتخاذ أي تدابير مماثلة من قبل إدارة فيسبوك.

في مقابل خضوعها للأوامر الإسرائيلية وإغلاق صفحات فلسطينية تتجاهل إدارة فيسبوك التحريض الذي تمارسه صفحات إسرائيلية ضد الفلسطينيين

على سبيل المثال لا الحصر، وفي أثناء  احتدام العدوان على قطاع غزة في 2014، انتشرت حملات تحريضية إسرائيلية على فيسبوك وتويتر، تطالب بعقاب جماعي للفلسطينيين، لدرجة أن بعض الحسابات بدأت في نشر صور ومعلومات وبيانات عن فلسطينيين بينهم طلاب بالجامعة، لاستهدافهم.

اقرأ/ي أيضًا: فيسبوك يدخل الحرب إلى جانب الاحتلال الإسرائيلي

وفي وقت سابق، أكدت مؤسسة بيرل كاتز نيلوسن في دراسة نشرت الجزيرة محتواها، عن أن هناك تصاعدًا في خطاب التحريض بين المتحدثين بالعبرية على مواقع التواصل الاجتماعي بنسبة تصل إلى 20% خلال عام 2015، وأن ما نسبته 40% من التعليقات تدعو إلى عنف جسدي صريح ضد الفلسطينيين.

ووفقًا لهذه الدراسة، فإن هناك 122 ألف مستخدم، استخدموا كلمات واضحة مثل " قتل" و"حرق"، فيما وُجدت أنّ المتلقين الأساسيين للعبارات التحريضية وخطابات الكراهية على مواقع التواصل الاجتماعي، هم العرب. 

وذكر ذا إنترسيبت في متن مقاله سابق الذكر، أنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، استخدم بنفسه مواقع التواصل الاجتماعي كأداة تحريضية. مع ذلك لم يجتمع ممثلو فيسبوك بالقادة الفلسطينيين لمناقشة الأمر، رغم ما تثيره هذه الممارسات من أذى أكبر على الفلسطينيين تحت سلطة الاحتلال الإسرائيلي.

فيسبوك والأوامر العُليا.. ماذا لو انقلبت الأوضاع؟

يسعى فيسبوك للاعتراف رسميًا بتلقيه الأوامر المباشرة من حكومة الولايات المتحدة الأمريكية. ولعل ما يلقي الظلال على ما سبق ذكره، أن إدارة فيسبوك قامت بحذف حساب الرئيس الشيشاني رمضان قديروف، المعروف بحكمه الشمولي وقمه للحريات وانتهاكاته للحقوق، فضلًا عن تبعيته المباشرة لفلاديمير بوتين.

لكن ديكتاتورية رمضان قديروف لا علاقة لها بإيقاف حسابه على فيسبوك، فوفقًا لما صرح به متحدث باسم إدارة فيسبوك لصحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، فإن حذف الحساب سببه وضع اسم رمضان قديروف على قوائم العقوبات الأمريكية، و"الشركة (فيسبوك) ملزمة بالانصياع للأوامر"، على حد تعبير ممثل فيسبوك.

وفي الوقت الذي أُغلق فيه حساب رمضان قديروف، يبقى حساب نيكولاس مادورور، الرئيس الفنزويلي الموضوع على قوائم العقوبات الأمريكية أيضًا. ما يثير الشكوك في المنطق المطروح لاستراتيجية العقاب التي بررتها فيسبوك. ومع اعتراف فيسبوك بـ"الانصياع للأوامر"، يدفع ذلك للاعتقاد بأنّ أمرًا مباشرًا، لا علاقة مباشرة له بقوائم العقوبات الأمريكية، هو الذي دفع لإيقاف حساب رمضان قديروف.

لكن ماذا لو انقلبت الأوضاع؟ ماذا لو أن الحكومة الإيرانية مثلًا أو حكومة أخرى بخلاف الأمريكية أو الإسرائيلية، خاطبت فيسبوك لإغلاق حساب تشاك شومر مثلًا، زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ الأمريكي، والذي دعم ترامب في خطواته لإعلان القدس عاصمة للاحتلال الإسرائيلي، بالمخالف للأعراف والقوانين الدولية.. هل تستجيب إدارة فيسبوك لذلك؟

اعترفت إدارة فيسبوك بانصياعها لأوامر الإدارة الأمريكية بغلق حساب رئيس الشيشان رمضان قديروف

هل تجرؤ إدارة فيسبوك على اتخاذ إجراءات مماثلة تجاه السياسيين والصحفيين الأمريكيين والإسرائيليين الذين استخدموا منصاتها، لبث خطابات كراهية وعنصرية؟ لعل الإجابة معروفة حتى الآن على الأقل، وهي: لا!

 

اقرأ/ي أيضًا:

بعد التشكيك به... "فيسبوك" يرفض اتهامه بدعم ترامب

فيسبوك.. الدولة الأكثر خطرًا في عين إسرائيل