فيسبوك.. سوق المنتجات الرمزية

فيسبوك.. سوق المنتجات الرمزية

سارة قائد/ البحرين

أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي نقل شعار "العالم قرية كونية صغيرة" من حيّز التصور النظري إلى حيّز التطبيق العملي. وذهبت في عبقريتها إلى حد افتتاح السوق الشعبية الأوسع اتساعًا وعمقًا في تاريخ البشرية لتبادل وتسويق منتجات البشر الرمزية؛ الأفكار وأساليب الحكي والتواصل والأعمال الأدبية والفنية، عبر وسيلة فيسبوك التي هيأت كل أسباب النجاح التي قد تمكن السوق من قيامه بوظائفه المتعددة.    

نقلت وسائل التواصل الاجتماعي شعار "العالم قرية كونية صغيرة" من حيّز التصور النظري إلى حيّز التطبيق العملي

فبعد أن كان عمل نجوم الغناء ينتهي بانتهاء إصدار الأغنية أو الألبوم الخاصة بهم، صار عليهم أن يقوموا بمهمة التسويق والترويج لأعمالهم بأنفسهم، متتبعين خطى القول القائل "يتواجد الفنان حيث يتواجد معجبوه" بعد أن اكتشفوا أن جودة العمل لم تعد تكفي، في ظل ظروف المنافسة الشديدة بين أصحاب المنتجات الفنية.

المطربة لطيفة التونسية مثلًا لا تترك حدثًا، صغيرًا أو كبيرًا، دون أن تعمل على توظيفه لتسويق نفسها فنيًا، ابتداءً من الأحداث الرياضية إلى المناسبات الاجتماعية، ففي معرض تسويق نفسها عبر النافذة الوطنية، قامت بعرض صورتها وهي تقبل العلم التونسي في عيد الاستقلال، و على الرغم من فشلها في حصد عدد اللايكات الذي كانت تتوقعه، رفضت الإقرار بعدم تقبل الجمهور لفكرة حشر نفسها في معترك التجاذبات السياسية وأصرت على تدوير الصورة من جديد أملًا بنتيجة أفضل.

زميلتها اللبنانية دومينيك حوراني لا تكل ولا تمل من تسويق نفسها، بوسائل أكثر حميمية، عبر دفع معجبيها لاستحسان تسريحة شعرها مرة، والتعبير عن الشعور الذي عايشوه وهم يختلسون النظر إلى مفاتن جسدها مرة أخرى. أما الفنانة الفلسطينية ريم البنّا فتعمل على أسر قلوب معجبيها عبر الصور التي تلتقطها لورود حديقة منزلها تارة، والطبيعة المدهشة في فضاء مدينة الناصرة حيث تقيم تارة أخرى. وتتعمد أن تفتتح صورها بنص قصير من بنات أفكارها كي تزيد من قوة تأثيرها المفترض في نفوس معجبيها، دون أن تهمل بالطبع استثمار صراعها المرير مع السرطان في تمتين علاقتها مع جمهورها.

الأساليب التي يلجأ إليها الفنانون في تسويق منتجاتهم قد لا تروق للبعض، كونها في بعض الأحيان تصل إلى درجة من التملق والسطحية مثل عبارة "أنا أحب الذين يحبونني وأحترم الذين يحترموني ولا أبالي بالحاسدين". كما تتعمد المزج  بين شخصية الفنان اليومية وعمله الفني، فما العلاقة المفترضة بين لون التسريحة المغنية واللحن الموسيقي؟ أو بين ألوان غرفة نومها وصوتها؟ 

ما العلاقة المفترضة بين لون التسريحة المغنية واللحن الموسيقي؟ أو بين ألوان غرفة نومها وصوتها؟ 

من زاوية أخرى، أليس من حق الفنان وفق قواعد التسويق الاجتماعي أن يكون قريبًا من معجبيه؟ ألم تزل وسائل التواصل الحديثة الصورة النمطية للفنان المحتجب والمتعالي عن جمهوره، وأظهرته كواحد من أصحاب المهن الذين يؤدون خدمة اجتماعية للآخرين ذات طابع جمالي، قد تلاقي استحسان المتلقين أو شجبهم؟

في فيسبوك، استعاد الشعراء زمام المبادرة في تفعيل حضورهم الكثيف في المشهد الثقافي، بعد تسيد الرواية طيلة الفترة الماضية، وقلة المساحات الورقية المخصصة لنشر قصائدهم في وسائل الإعلام المقروءة، وخضوعهم لاعتبارات الذوق الشخصي لمحرري الصفحات الثقافية، ونمط الوعي الاجتماعي السائد الذي يقوم بدور الرقيب السلطوي على المنتجات الفنية ويحاكمها من منظور الحرام والحلال. من الطبيعي أن يكون الشعراء أكثر الناس بحثًا عن تسويق منتجاتهم، ذلك أن الشعر لا يستقي حضوره وفعاليته إلا من العلاقة الحميمية بين الشاعر وجمهوره. الشاعر الذي يطمح إلى الانتشار هو الذي يجيد استخدام لغة شعرية بسيطة ومدهشة في آن. أما أؤلئك الذين ما زالوا يصرون على استعمال لغة متعالية على متلقيهم فحالهم حال من ينتج  بضاعة غير قابلة للتداول والاستهلاك.

أدى إدراك الشعراء لأهمية المتلقي إلى توسيع دائرة قارئيهم الافتراضيين، فزادوا من حجم تقديم طلبات الصداقة لأشخاص قد يشاركونهم المنتج الثقافي عينه، أو أشخاص قد يجدون فيهم قراء أو متذوقين افتراضين. كما أولوا اهتمامًا أكبر لمتابعة التعليقات سواء من خلال الرد على التحية بتحية أخرى، أو من خلال الدخول في نقاش مثمر مع متذوقيهم. ذلك أن نافذة التعليق دعوة ضمنية للكتابة على هامش النص، تمنح كلًا من القارئ والكاتب المساهمة في خلق النص من جديد عبر قراءة إيحاءاته المتعددة.

الأمر الذي يجعل من تسويق المنتجات الفكرية عملية منظمة بامتياز، تبدأ حتى قبل لحظة الخلق الشعري وتتكثف لحظة طرحه على الجدار الالكتروني، وتستمر فيما بعد لتتبع الأثر الذي يتركه النص على متلقيه. ولكن هل حاول الشعراء الاستثمار في تقنية الفيديو لتحويل بعض نصوصهم الشعرية إلى نصوص ملقاة تحمل في ثناياها كل دفء الإلقاء الحميم، حيث العودة إلى سحر القول الشفاهي الذي لديه قدرة النفاذ إلى وجدان الناس بكل يسر وسلاسة؟

يحتج البعض على أن فيسبوك سمح لكل من هبّ ودب باقتحام الساحة الشعرية، وتمكن البعض من تسويق التفاهة والابتذال، مع أنهم لا يمتلكون الرؤية الفنية المناسبة. افتقار البعض منهم للصدق الفني الذي معياره الأساسي التجربة الفردية، فكيف لنا أن نصدق شاعرًا يتحدث عن الجسد متعويًا ولم تتعد تجربته اليومية الأفكار المتداولة عن الجسد، أو شاعرة تتحدث عن الطابع الشبقي وهي تتعمد إغفاء صورتها الشخصية وراء لوحة تشكيلية. ألا تبدو المقاربة الشعرية لأولئك نوعًا من التسويق الشخصي والاشتهاءات المتخيلة أكثر منه تسويقًا لمنتج أو قول؟ لكن أليس من الأفضل أن نترك تقييم الأفضل والأكثر مردودية جماليًا ومعرفيًا للمتسوقين أنفسهم بدلًا من أن ننصب أنفسنا قيمين على مدخلات السوق الفكرية ومخرجاتها؟

حاجة البشر العميقة للاجتماع في السوق، بقصد تبادل المنتجات الرمزية، تنبع من رغبتهم الدائمة في تأكيد التميز والفاعلية

نجح بعض مدوني فيسبوك في كسر احتكار السلطات السياسية لحق القول في الدولة ذات الطابع الاستبدادي، بل تمكنوا من منافسة إمبراطورياتهم الإعلامية التي تخندقوا وراءها طيلة عشرات السنين لإخفاء ضحالة إنجازاتهم الاقتصادية والسياسية، عبر جرأتهم في الكشف عن الفساد الممارس وعرضه جهارًا نهارًا أمام أعين الفاسدين والمفسدين، من خلال استخدام تقنية الصور الفوتوغرافية والفيديوهات التي فاقت قوتها التوصيلية أي قوة إعلامية أخرى. الفيديوهات تجمع في داخلها كل عناصر التسويق الجيد، من حيث التقاطها في قلب الحدث، تميزها بالعفوية التي تزيد من قوة تأثيرها الشعورية، وقدرتها التلصصية على رصد الوقائع والأحداث في غفلة عن مرتكبيها.

ذهابًا مع قول الفيلسوف الفرنسي ديكارات "أن العقل أعدل الناس قسمة بين الناس"، من حيث قدرتهم على التمييز بين الخطأ والصواب الأخلاقيين ،أي بين المباح والممنوع في الحقل الاجتماعي؛ فإن الناس متساوون بالرغبة في تحقيق ذواتهم عبر تأكيد حضورهم وفعاليتهم بغض النظر عن مستوى المنتج الذي ينتجونه وطريقة التسويق التي يتبعونها، سواء كانت تلك المنتجات تتعلق بخبر عائلي، أو صورة فوتوغرافية، أو فيديو منزلي، أو تعليق على بوست، أو مشاركة لمقطع موسيقي. حاجة البشر العميقة للاجتماع في السوق بقصد تبادل المنتجات الرمزية تنبع من رغبتهم الدائمة في تأكيد التميز والفاعلية الخاصة بكل منهم.

اقرأ/ي أيضًا:

مآلات العنف الداعشي

الفلسطيني السوري.. ذاتٌ تتشظى