"فيروس كورونا".. لهذه الأسباب انتشر الوباء في إيطاليا

لا يزال سبب الانتشار الكبير لفيروس كورونا في إيطاليا غامضًا (أ.ف.ب)

هناك غناء على الشرفات، ينزل بهدوء على ساحات فارغة. هناك خوف في المنازل، وملل طويل. متى تعود الحياة إلى طبيعتها في إيطاليا؟ الإجابة تقريبًا مستحيلة. هذا إذا افترضنا، أن الحياة الطبيعية، كانت "طبيعية" قبل كانون الثاني/يناير 2020. فما يعتقد الناس أنه مظاهر الحياة الطبيعية، ليس كذلك فعلًا. السياحة والصخب والازدحام والحياة القاسية والسريعة، توقفت فجأة، عندما أجبر الوباء الناس، للعودة إلى ما يشبه ما كانت حياتهم عليه قبل "العولمة". لا يلغي ذلك أن إيطاليا كانت صاخبة دائمًا، وأن خطاب معاداة العولمة مشروط بنبذ النزعات القومية من تماديها، ولكن كل هذا مؤجل. قبل ذلك، هناك أسئلة تحتاج إلى إجابات.

هناك غناء على الشرفات، ينزل بهدوء على ساحات فارغة. هناك خوف في المنازل، وملل طويل. متى تعود الحياة إلى طبيعتها في إيطاليا؟ الإجابة تقريبًا مستحيلة. هذا إذا افترضنا، أن الحياة الطبيعية، كانت "طبيعية" قبل كانون الثاني/يناير 2020

لماذا إيطاليا؟ كيف حدث كل هذا؟

بعد مراجعته لسجلات المصابين بالوباء، والتطور الكرونولوجي لانتشاره في إيطاليا، يرى ماسيمو غالي أستاذ مادة الأمراض المعدية في جامعة ميلانو، أن الفترة الفعلية التي تفشى خلالها الفيروس هي أواخر كانون الثاني/يناير الفائت. نتحدث عن شهر ونصف إلى الوراء. برأيه، أي محاولة لفهم هذا العدد الكبير من الإصابات في لومبارديا، يجب أن يبدأ من هنا. نتحدث عن بداية الانتشار وعن "طبيعته"، وليس عن سرعة الانتشار، لأن فهم المرحلة الثانية ليس ممكنًا من دون فهم المرحلة الأولى. التمييز بين المسألتين أساسي أيضًا من الناحية المنهجية. حسب غالي، الإجراءات التي اتبعت، في ذلك الوقت، كانت لتحديد "طبيعة" الانتشار وليس من أجل "الاحتواء". في ذلك الوقت، لم تكن الحالات المسجّلة بمثابة "انتشار"، بل تم التعامل معها على أنها "مجرد إصابات". في تلك المرحلة، كان تقفي أثر هذه الحالات وأصولها ممكنًا، خاصةً في لومبارديا، وهي المحافظة الأكثر تضررًا. الآن، تقريبًا صار الأمر مستحيلًا.

اقرأ/ي أيضًا: السفر والطعام والجنس والحمل.. أهم 7 أسئلة عن كورونا والحياة اليومية

يعتقد غالي أن "المريض رقم صفر"، كائنًا من كان، لم يكن لديه عوارض واضحة، تدل إلى إصابته بوباء. كان بإمكانه التنقل ومتابعة حياته بشكل طبيعي. لم يكن يعرف أنه مصاب. وفي هذه الأثناء، وفي المرحلة الأولى، كان الفيروس ينتشر، لأن "المريض صفر"، وحتى وإن كان يعاني من عوارض خفيفة، فإنه، مثل غالبية الإيطاليين في ذلك الوقت، لم يكن يشعر بالحاجة إلى الانعزال. وبعدها، ظهرت الإصابات. باستخدام تعبير غالي، ما حدث هو "حريق". ومن سمات الحرائق الانتشار والتمدد. اكتشف الإيطاليون الحريق بعد التهامه "الطابق الأول"، وهم بهذا المعنى، خسروا الكثير من الوقت. لأن سلسلة الذين انتقلت إليهم العدوى من "المريض صفر"، تصرفت تقريبًا بذات الطريقة.

تأخروا حتى يكتشفوا الحريق، فلم ينتظرهم. بسبب نظامهم الصحي، وبسبب معدلات الحياة المرتفعة نسبيًا، وبسبب ميلهم إلى التعامل مع الكوارث بطريقة "ارتجالية"، في البداية فضّل الإيطاليون التصديق أنهم يواجهون زكامًا تقليديًا، ولا سيما وأن العوارض تتشابه.

متى شعر الإيطاليون بالخطورة؟

مثل معظم بلدان العالم، وليس فقط في إيطاليا، "الرأي العام" صار أكثر رغبة بالتحدث في القضايا الملحة، وفي إبداء الآراء والارتجال، بالاستناد إلى خلفية علمية بدرجة "صفر" أحيانًا، وذلك بتشجيع من وسائل التواصل والطفرة التكنولوجية. انسحبت هذه المعايير على فيروس كورونا، ما صعّب إمكانية تحديد خطورته. لم يقتنع الإيطاليون إلا بعد تفشيه في "منطقة حمراء"، وبعد بداية الموت. بشيء من النوستالجيا، يمكن القول إنه يصعب كثيرًا تخيّل ساحة الدومو، أمام الكاتدرائية في ميلانو، فارغة تمامًا. لكن، بكثير من العقلانية، ربما تجب مسألة الفراغ، لتفسير عدم رغبة الإيطاليين أكثر من غيرهم بالتصديق.

صحيح أن الاقتصاد الإيطالي يمتلك سمات صناعية، وأن البضاعة الإيطالية هي بضاعة ذات سمعة جيدة، لكن قدرته التنافسية تراجعت كثيرًا. لا يحب الإيطاليون مشاهدة الساحة فارغة، ليس لأنهم محبّون للضجيج، إنما لأن جزءًا كبيرًا من الحياة هناك تتكل على هذا الضجيج. ولا نتحدث عن معامل البورجوازية الصناعية في شمال إيطاليا وأسرها التقليدية، ولا عن صناعة الموضة المكلفة في ميلانو. نتحدث عن محطات انتقال الفيروس، مثل المطاعم وشبكات القطارات والسان سيرو وأماكن الحياة المعولمة المسجاة ببرواز لومباديا المُذهّب. السياحة وما تفرزه من أنماط اقتصادية. لا يمكن أن تجد ذلك في مكان آخر من العالم أكثر مما تجده في ميلانو. في نابولي، كما يقول روبرتو سافيانو، ستجد الكامورا، وستجد أيضًا الصينيين. رغم ذلك، تفشى الوباء الآتي من آسيا في الشمال الصناعي، والسياحي أيضًا، بدرجة كبيرة.

ما هي التفسيرات الطبية للتفشي في لومبارديا؟

باولو بونانني لديه رأي آخر. يرى أستاذ النظافة في جامعة البندقية، وعضو الجمعية الإيطالية للنظافة والطب الوقائي والصحة العامة، أن مراحل وصول العدوى تحتاج إلى إعادة بناء. وحالما فعلنا ذلك، سنستطيع أن نفهم. هناك كثير من الإيطاليين عانوا مشكلات في التنفس، خلال الأيام الأولى، لكنها حالات لم تسجّل كما ينبغي. يعتقد بوناني، أن الاكتفاء بالحالات المسجلة في سبالانزي يشكّل ثغرة. شخصان فقط جاءا من الصين، في منتصف كانون الثاني/يناير. لكن، الجملة الصحيحة، هي شخصان فقط عرفت أو "اعترفت" السُلطات الرسمية بوصولهما، لأن العوارض القاسية ظهرت عليهما.

العودة إلى سجلات القادمين الآخرين، قبل هذه الفترة، ازدادت تعقيدًا، لأن الوباء كان يمشي إلى الأمام، بين البحث في السجلات يعود إلى الوراء. بوناني، وعلى عكس كثير من العلماء الإيطاليين، يعتقد أن الإصابات الحادة بالالتهابات الرئوية في منطقة لودي، كان يجب أن تقرع جرسًا ما: لا يوجد ناشر واحد أو ناشرين للفيروس. نسبة التردد (Frequency) في هذه الحالات عالية جدًا، والانتقال قد يحدث في وقت قصير. لكن، هل يمكن ربط العدد الكبير من الإصابات في إيطاليا أيضًا بحقيقة إجراء المزيد من الفحوصات، وإعلان النتائج؟

في مقابلة مع الكورييري ديلا سيرا، يشير فابريزيو بريلياسكو، وهو متخصص في الفيروسات، إلى أن الإيطاليين عرفوا بوجود الجليد، عندما وصل الثلج إلى رؤوسهم. ولا يعني هذا تعرفهم إلى الإصابة الأولى في كورونا، بل بالضبط عندما تعرفوا إلى الإصابة الخطرة الأولى. قبل ذلك، لم يكن الجليد جليدًا، ولا الثلج ثلجًا. وبدأت محاولات تقفي أثر المريض الأول، والأشخاص المحتملين، تمامًا مثل ما يفعل بقية العالم اليوم. فيما فضّلت بلدان كثيرة الحجر منذ البداية على حملة الأعراض، تساهلت إيطاليا. لكن من الناحية الطبية، يشير عالم الجرثوميات في جامعة ميلانو إلى أن انتشار المرض في الشمال الإيطالي، تزامن مع انتشار نوعين من الإنفلونزا في الشمال (N3N2,H1N1)، وهذان النوعان يؤثران أيضًا على الجهاز التنفسي.

صعب هذا الانتشار الأمر بتزامنه مع تفشي الكورونا، على الكثيرين، لتحديد العوارض، كما أخّر الميل إلى تقدير حجم تفشي الفيروس المستجد، لتشابه أعراضه مع الإنفلونزا الموسمية. هناك وجهة نظر طبية أخرى، تقوم على افتراضات، وليس على حقائق، تقول إن البرد يسهم في انتقال الفيروس، لأنه يبقى على المسطحات لوقت أطول، وهذا قد يفسّر انتشاره في الشمال البارد، بنسبٍ أعلى من الجنوب الدافئ نسبيًا.

هل سيحدث الأمر نفسه في بقية الدول الأوروبية؟

أوروبيًا، حسب المنحى الذي يدل إلى حركة تفشي الفيروس، وصلت فرنسا إلى النقطة التي وصلت إليها إيطاليا قبل عشرة أيام. لكن، ليس شرطًا أن يتفشى الفيروس بالطريقة نفسها، وليس شرطًا أن يتعامل النظام الصحي في فرنسا مع الأزمة بذات الطريقة. وهذا نقاش يحتاج إلى تفصيل أيضًا. منذ سنوات، والاستابلشمنت في إيطاليا تقريبًا ينحدر. وقد يكون ذات دلالة، أن ينهار الجسر في جنوى، وأن ينحرف القطار في تورينو، وأن تهمل آراء الجيولوجيين في لاكويلا، وأن ينتهي اليسار، وأن يفرز اليمين أكثر نسخاته ابتذالًا.

اقرأ/ي أيضًا: 6 تدابير وقائية أساسية ضد فيروس كورونا الجديد

 لا يعني ذلك أن فرنسا، التي تكتسب العلاقة فيها بين الدولة والمستشفيات سمات رعائية حيث تدير الدولة النظام الصحي بصورة مباشرة، ستكون بمنأى عن مصير إيطاليا. وفيما ركزت "كورييري ديلا سيرا" على الجوانب الطبية، وعلى كيفية مواجهة الأزمة، نشرت "ايل جورنالي" اليمينية، تقريرًا سجّلت فيه الإعجاب بإجراءات روسيا "القوية". أما "لا ريبوبليكا"، الوسطية، فتعكس وجهة نظر إيطاليا عامة، تتململ تاريخيًا من طبيعة النظام السياسي الإيطالي وطريقة تعامله مع الأزمات، لكنها وجهت نقدًا شديدًا إلى استخفاف الفرنسيين بالوباء. ذكّرتهم أن إيطاليا كانت مختبرًا. وكذلك، ذكرت الفرنسيين بنتائج الإفراط في التفاؤل، عندما اعتقدوا أن سحابة تشرنوبيل لن تتجاوز الحدود. الأيام المقبلة ستكون حاسمة، لتحديد قدرة الأنظمة الصحية الأوروبية على مواجهة كورونا.

لا تبدو العوامل الطبية كافية لتفسير الانتشار، رغم أنها تبقى المرجع الأساسي والأول للفهم. لكن هناك جوانب سوسيولوجية واقتصادية، ستستدعي لاحقًا دراسات كثيرة

بعد كل شيء، لا تبدو العوامل الطبية كافية لتفسير الانتشار، رغم أنها تبقى المرجع الأساسي والأول للفهم. لكن هناك جوانب سوسيولوجية واقتصادية، ستستدعي لاحقًا دراسات كثيرة. منها، الفردانية المقدّسة في الديموقراطيات الغربية، على عكس التدابير التي يجب أن تكون صارمة أحيانًا، وليس فقط في حالات كورونا. ومنها، عدد التجهيزات الطبية أيضًا، والقدرة على التصنيع والاكتفاء ومواجهة الأزمات. ومنها أيضًا، العلاقة بين القطاعين العام والخاص، وتفلت الأخير من أي رقابة، وميله الطبيعي إلى الكسب على حساب أي شيء آخر. وهناك الدولة، وقدرتها على إدارة القطاعات. كل هذه العوامل أدت إلى التفشي، هذا قبل أن نتحدث عن مستقبل الاتحاد الأوروبي. لكن ذلك نقاش آخر.

 

اقرأ/ي أيضًا:

فيروس كورونا.. خطر حقيقي أم هلع غير مبرر؟

كيف تدخل في "العزل الذاتي" لمواجهة فيروس كورونا؟