النظام المصري يصدر نفسه بأنه غير آبه برأي الخارج فيه (Getty)

انخفض سقف الطموح تمامًا، من الإفراج عن كل السجناء السياسيين، إلى تحسين ظروف حبسهم، إلى فقط إدخال الأدوية والملابس إليهم، ثم أخيرا مجرد الحصول على خطاب منهم يطمئن أسرهم أنهم في صحة جيدة ولم يتعرضوا لأذى، لكن حتى هذا المطلب شديد البساطة لم يتم الاستجابة إليه، ليس هذا فقط، بل وألقي القبض على من طالب به.

يبالغ النظام في إظهار عدم اضطراره لمنح أي تنازل مهما كان تافهًا، ويدعي دومًا عدم اهتمامه برأي الخارج فيه

كان يمكن ألا تكون هناك مشكلة أصلًا إذا سُمح لعلاء عبد الفتاح بكتابة خطاب واحد من كلمتين: "أنا بخير"، ساعتها ما كانت الأم الستنينية والأستاذة الجامعية المرموقة ليلى سويف لتضطر لافتراش الأرض أمام السجن لأيام، وما كانت هناك حاجة لإرسال بلطجية يضربون أسرتها ويسرقونها، وما وصل الأمر لاحقًا لاختطاف شقيقته الصغرى سناء وحبسها، وما صاحبت كل خطوة مما سبق كل الضجة الداخلية والخارجية التي حدثت في وقت يحتاج فيه النظام لتحسين صورته أكثر من أي وقت مضى لخوض معارك مصيرية حقيقية عند منابع النيل وعلى حدودنا في الشرق والغرب.

اقرأ/ي أيضًا: الصحافة.. جريمة!

الآن تحتفي مصر بشكل كبير بموقف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من تدخل تركيا في ليبيا. ترحب به الدوائر الرسمية وتبرزه الدوائر الإعلامية المصرية باعتباره الموقف الأكثر وضوحًا وعنفًا في الأزمة والأكثر توافقًا مع الموقف المصري. قبل ثلاث سنوات تقريبا رد الرئيس السيسي بعنف على ماكرون في مؤتمر صحفي جمعه بالقاهرة حين تحدث الأخير عن مسائل تخص حقوق الإنسان في مصر، فأكد أنه أمر داخلي وأن معايير حقوق الإنسان في مصر تختلف عنها في أوروبا، ثم فتح الإعلام التابع للدولة النار على الحقوقيين الذين التقوا الرئيس الفرنسي خلال زيارته.

بنفس المنطق، من حق الليبيين الآن اعتبار تصريحات ماكرون المعادية للتدخل التركي تدخلًا في الشأن الداخلي، وأن من حق الحكومة الليبية المعترف بها أن تصوغ تحالفاتها كما شاءت دون تدخلات خارجية، وأن مفهوم الأمن القومي في ليبيا مختلف عنه في أوروبا!

يبالغ النظام في إظهار عدم اضطراره لمنح أي تنازل مهما كان تافهًا، ويدعي دومًا عدم اهتمامه برأي الخارج فيه، ثم يهرع إلى روسيا وأمريكا والاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي للضغط على إثيوبيا وتركيا لتسمح الأولى بجريان منتظم للنيل وتخرج الثانية من ليبيا، وهناك طريقان، إما أنك جزء من هذا العالم فتلتزم بأعرافه وقوانينه وتحترم ملاحظاته ورأيه فيك، أو أن تغلق الباب على نفسك لا تطلب من هذا العالم شيئًا ولا تمنحه شيئًا (كوريا الشمالية نموذجا)، لكن أن تأخذ حاجاتك من النموذج الأول والتزاماتك من النموذج الثاني، فهذا محض أحلام!

***

عندما ظهر فيروس كورونا كمجهول غامض وكانت الإصابات به متركزة في مكان واحد وبالمئات، تابع الناس أخباره بترقب وخوف حقيقي، وعندما أصبحت أرقام الإصابات بالآلاف أغلقت المطارات ولزم الناس بيوتهم ونفدت كل وسائل الوقاية وأصبح الناس ينتظرون النشرة اليومية بالأرقام وكأنها نتيجة امتحان مصيري. الآن، وقد أصبحت الإصابات بالملايين والوفيات بمئات الآلاف خفت الاهتمام وتراجع الخوف لأدنى مستوياته وبدأ الجميع يمارسون حياتهم اليومية بشكل طبيعي تمامًا وكأن الفيروس اختفى.

لم يختف الفيروس، ما اختفى هو الخوف منه، وكذلك القمع. يفقد القمع قدرته على التخويف إذا استُخدم بشكل مستمر دون توقف ودون داع، الناس دائمًا تخشى المجهول وتتعايش مع ما تعرفه مهما كان قبيحًا ومهما كان مخيفًا في السابق.

كما أصبح المصابون بكورونا أرقامًا في النشرات اليومية، أصبح المعتقلون أرقامًا في التقارير الحقوقية، لا عدد المصابين الضخم بات مخيفًا ولا رقم المعتقلين الكبير بات رادعًا. الأصل أن يكون أي ناشط سياسي في مصر الآن محبوسًا أو حُبس في السابق. أمر حزين وبائس لكنه لم يعد مخيفًا، تعايش النشطاء معه كما تعايشت أسرهم مع طوابير الزيارة، فما الأدوات التي يختزنها النظام لمرحلة لاحقة؟

الشجاعة الآن ليست في أن تحبس كل من تراهم خصومك، لكن أن تأخذ خطوة إلى الخلف فتقيم ما فعلته في السنوات الخمس الأخيرة، هل حبس الجميع وتغييب أي صوت معارض في السياسة والإعلام حل مشكلة واحدة؟ أوقف الإرهاب؟ هدم سد النهضة؟ حافظ على الحدود؟ رفع دخول الناس؟ أنهى المشكلات الاقتصادية؟ جعل الاستثمار يتدفق؟ قضى حتى على المعارضة؟

الشجاعة أن تجرب سياسة مختلفة ربما تأتي بنتائج مختلفة، لأن الاستمرار على هذا النهج دون كلل أو توقف أو راحة منهك للجميع وخطر على الوطن.

 

اقرأ/ي أيضًا:

عملاء أمريكا في أمريكا

الشنطة فيها عمالة غير منتظمة!