نجلاء الفيتوري/ ليبيا

أحبّ يا فيروز تلك الشام التي تغنين، وبغداد التي قلتها مرّةً. أحب ذلك اللبنان الآتي من صوبِ صوتك. قلتِ يمناً مرّةً فعرفت أن جنّة تقع في جنوب البلاد. غنّيتِ مكة فصليت وبكيت، وفي ليلة والكل نائم كنت أجالس القمر، قلتِ بغداد والشعراء والصور. فصرخت يا الله، عانقت المسجل، وفي كلِّ مرةٍ تعيدين بغداد يسيل من أذني دمعٌ رشيق، أحببت بغداد صبابةً كما يافا، كما القدس. تقولين شآم فيحِبّ أن يركض قلبي الشقيّ على الوجوه السعيدة ويغرق فيها، أنا التي لا أحِب الشام أصلًا.

أسمعك ترددين اسم الشام فأغرق في نشوةٍ ونعيم، أذوب كحلزونٍ يقف تحت صنبورِ دموع

أسمعك ترددين اسم الشام فأغرق في نشوةٍ ونعيم، أذوب كحلزونٍ يقف تحت صنبورِ دموع، أودّ لو أطير بالسرعةِ نفسها التي يرحل فيها أولئك الذين نِحبهم، أتصّور دمشق وأنتِ تغنينها: الدال دار الزمان والميم ما تعِب، والشين شتّ حتى وجد، والقاف قسم الزمانِ ألا يعود إِلا وإن وجد وجهًا مليحًا نقابل فيه صورة الله. وها هي الشام إذًا دِمشق أول صفقاتِ هذا الزمان وأربحِها.

اقرأ/ي أيضًا: "بلطجة" حزب الله في الجامعة اللبنانية.. لا لفيروز

هكذا أتخيّل البلاد حين تغنين يا فيروز. لكن لماذا كذبتِ؟ لماذا يا حبيبة وحدتي، يا شبعي. وشعبي القليل، يا أول من أصغيت إليه، وأول حنجرةٍ تكون رفيقتي، أيتها المسكِّن اللطيف العلاج فيه، أيتها العودة والذهاب الكثير، هل تتحمل اليوم حنجرتك كل هذِهِ الأعداد من الأحزان؟ نحن الحزانى يا فيروز، نسكن في تلك الطبقة الفقيرة الواسعة، مساحة صوتك أرضنا، المناخ في تلك الأرض لا يعتدل إلا قليلًا، كلّ الفصولِ تأتي في آنٍ وترحل كما جاءت، بطريقة درامية وبصورةٍ بطيئة تحدث الأشياء هناك. هل تتحمل حنجرتك اليوم كل هذا اليأس؟

شام التي غنيتِ لم تكن كما قلتِ مراتٍ كثيرة! والوطن أيضًا "لا فيه بيوت بحبونا ولا هوّ صغيّر ووسع الدني".. آه يا فيروز، آه ما أوسع ذلك البلد، وما أكبر حجم اليأسِ فيه، وطني الكبير الذي يضيق ويقبض على قلوبنا. بلدي، آه. بلدي الكبير الذي بصقنا وقهرنا، ولم نجد فيه حتى مربعًا صغيرًا نأوي إليه.

نحن أبناء الأكاذيب الكثيرة، كمّ مرّةً علينا أن نصدقكِ، قلتِ مرّةً وصوتك ينهمر كمطرٍ كثير يا فيروز

نحن أبناء الأكاذيب الكثيرة، كمّ مرّةً علينا أن نصدقكِ، قلتِ مرّةً وصوتك ينهمر كمطرٍ كثير: "اللي حامل وراق، شعرا وعشاق القمر مخبيلن لعراسن خواتم، ما بيقدر يحمل ظالم". أرسلت رسالة إلى صديقٍ لبناني وأدرجت فيها ذلك المقطع القصير من أغنية "إسوارة العروس" فرد: "قصدك ما بيقدر يحمل صادق، طالب، ضاحك".. وضحك. فضحكت وعرفت أنّكِ تكذبين.

اقرأ/ي أيضًا: هل أعلنت فيروز انتحارها الفني بأغنية "لمين"؟

اليوم عِيدنا نحن الذين بلا وطن، ولو أنكِ لم تغني، ولو أننا لم نندفع هكذا نحو الوطن، نحو الحياة والحب نحو الأمل، لو أننا عرفنا منذ البداية أننا سنعيش في بلادٍ تتسع لكلِ شيءٍ سوانا، بلادٌ تحمِل الظلم والفقر والفساد والتعب، ولا تحمِل طفلًا صغيرًا مع طائرته الورقيّة. لو أنكِ لم تغني، لكنّا رأينا الشام شامًا، وبيروت كما هي في الحقيقة، كنّا رأينا الدنيا بدون عملياتِ تجميل صوتكِ طبيب أوهامنا. في عيد ميلاد الثورةِ الكبرى، فيروزنا الحزين. أقول أحبك كي يستريح العالم ويسبح في الرغبة الأبديّة، يا أحلى، يا أول كِذبة.. صدقتا بحياتي.

 

اقرأ/ي أيضًا:

عن فيروز.. بلا سبب

فيروز و"الشّراع" المكسور والصحافي المغمور