فيرجينيا وولف: اقرأ أي كتاب كما لو أنك أنت من يكتبه
15 نوفمبر 2025
المقالة التالية ترجمة لمقالة How Should One Read a Book? Read it as if one were writing it لفيرجينيا وولف التي نُشرت على موقع The Yale Review.
___________________________
في هذه المرحلة المتأخرة من تاريخ العالم، يمكن العثور على الكتب في كل غرفة من غرف المنزل تقريبًا، في غرفة الأطفال، وغرفة الجلوس، وغرفة الطعام، وحتى في المطبخ. بل أن بعض البيوت امتلأت بالكتب إلى حد جعلها تستحق أن يُخصص لها مكان مستقل، كغرفة قراءة، أو مكتبة، أو غرفة دراسة.
تخيّلوا أننا الآن في هذه الغرفة، غرفة مُشمسة ذات نوافذ مفتوحة على حديقة، حيث يمكن أن نسمع حفيف الأشجار، وحديث البستاني، ونهيق الحمار، وثرثرة العجائز عند البئر، وكل ما يجري من مظاهر الحياة اليومية وهي تمضي على نحوها العفوي والمضطرب، كما فعلت منذ مئات السنين.
وهكذا بالطريقة المستمرة والعفوية نفسها، تجمّعت الكتب على الرفوف. روايات، وقصائد، وتواريخ، ومذكرات، ومعاجم، وخرائط، وأدلة، وكتب بطباعة قديمة وأخرى حديثة، وكتب بالفرنسية واليونانية واللاتينية، بأشكال وأحجام وقيم مختلفة، بعضها تم شرائها لغرض البحث، وبعضها للتسلية في رحلة قطار، اشتراها أفراد أصحاب طباع مختلفة، جادّون وهازلون، رجال فعل ورجال فكر.
قد يسأل المرء نفسه وهو يتجوّل في غرفة كهذه: كيف أقرأ هذه الكتب كلها؟ ما الطريقة الصحيحة للبدء؟ إنها كثيرة ومتنوعة، ورغبتي في القراءة مُتقلِّبة ومُتقطِّعة. فكيف أستخلص من هذه الكتب أقصى ما يمكن من المتعة؟ وهل ينبغي أن أبحث عن المتعة أم عن الفائدة؟ أم عن شيء آخر تمامًا؟
سأعرض عليكم بعض الأفكار التي خطرت لي في مثل هذا الموقف. ولكن لاحظوا أنني أتسائل مثلكم عن كيفية قراءة الكتب، فيمكننا أن نفكر في القراءة بقدر ما نشاء لكن لا أحد يستطيع أن يسنّ قوانين لها. ففي هذه الغرفة، إن لم يكن في كل مكان، نتنفس هواء الحرية. هنا يتساوى البسيط والمتعلم، والرجل والمرأة.
فالقراءة، بالرغم من سهولتها الظاهرة – إذ لا تتطلب سوى معرفة الحروف الأبجدية – هي في حقيقتها أمر بالغ الصعوبة، حتى لتشك في أن أحدًا يفهمها تمام الفهم. فأن تقول إن باريس عاصمة فرنسا، وإن الملك جون وقّع الماغنا كارتا؛ تلك حقائق يمكن تعليمها. لكن كيف نُعلم الناس أن يقرؤوا "الفردوس المفقود" ويدركوا أنها قصيدة عظيمة؟ أو يقرأوا "تس سليلة دربرفيل" ويروا أنها رواية جيدة؟ كيف نتعلّم نحن أنفسنا فن القراءة؟
ودون أن أدَّعي وضع قوانين لموضوع لم يُقَنَّن بعد، سأقدّم بعض المقترحات لا لتعلم القراءة، بل لتجنّب القراءة السيئة، أو لتحفيزكم على ابتكار أساليب أفضل بأنفسكم.
ما إن نسأل أنفسنا: كيف ينبغي أن نقرأ كتابًا؟ حتى نواجه حقيقة أن الكتب تختلف. فهناك على الرف قصائد، وروايات، وسير ذاتية، وكل منها يختلف عن الآخر كما يختلف النمر عن السلحفاة، والسلحفاة عن الفيل. ومن ثم لابد أن يتبدل موقفنا باستمرار، فكل كتاب يتطلّب منّا نوعًا مختلفًا من الانتباه. ومع أن هذا يبدو بديهيًا، إلا أن الناس يتصرفون غالبًا كما لو أن جميع الكتب من نوع واحد، وكأنه لا يوجد في العالم إلا السلاحف فقط أو النمور فقط.
فتراهم يغضبون لأن روائيًا جعل الملكة فيكتوريا تعتلى العرش قبل موعدها بستة أشهر، لكنهم يمتدحون شاعرًا لأنه علّمهم أن زهرة البنفسج لها أربع بتلات، وللأقحوان عشر بتلات – تقريبًا –.
لذا لكي توفّر على نفسك الكثير من الوقت والجهد - الذي من الأفضل أن يكرس لأمور أسمى - حاول أن تحدد من البداية ما الذي تتوقعه من الروائي، أو الشاعر، أو كاتب السيرة. فكما أن السلحفاة صلعاء لامعة، والنمر مكسو بفرو أصفر كثيف، كذلك تختلف الكتب، هذا الكتاب أصلع وهذا مكسو بفرو.
ومع ذلك، فالأمر أعقد في المكتبة أكثر مما هو في حديقة الحيوان. إذ تشترك الكتب في أمور كثيرة، فهي دائمًا ما تتجاوز حدودها، وتخلق أنواعًا جديدة من تزاوج غير متوقع فيما بينها. لذا يصعب علينا أن نعرف كيف نقترب من هذه الكتب، وإلى أي نوع ينتمي كل منها.
لكن إن تذكّرنا، ونحن نتجه نحو رف الكتب، أن كل كتاب منها كُتب بقلمٍ حاوَل، بوعي أو من دون وعي، أن يرسم تصميمًا خاصًا به، متجنّبًا هذا، ومتقبّلًا ذاك، ومجازفًا بآخر، وإن استطعنا أن نتبع الكاتب في تجربته من الكلمة الأولى إلى الأخيرة دون أن نفرض عليه تصميمنا الخاص، سنكون قد أمسَكنا بطرف الخيط الصحيح.
لأننا لكي نقرأ كتابًا جيدًا، يجب أن نقرأه كما لو كنّا نحن من يكتبه. فابدأ لا بالجلوس على مقعد القضاة، بل بالوقوف في قفص الاتهام إلى جوار هذا الكاتب المجرم. كن زميله في العمل، وشاركه التهمة. وحتى إن أردت أن تكتفي بقراءة الكتب، فابدأ بالتجربة نفسها التي يخوضها الكاتب، ابدأ بالكتابة.
فالأمر المؤكد هو أنه لا يمكن للمرء أن يكتب قصة بسيطة عادية، أو أن يحاول أن يصف حدثًا بسيطًا كلقاء شحّاذ في الشارع مثلًا، من دون أن يواجه الصعوبات نفسها التي واجهها أعظم الروائيين. ولكي نلم سريعًا بالتصنيفات التي يُصنف الروائيون أنفسهم ضمنها، فلنتخيّل كيف سيصف كل من دانيال ديفو، وجين أوستن، وتوماس هاردي الموقف نفسه، مقابلة شحاذ في الطريق.
كان ديفو أستاذًا في السرد. ومن ثم كان سيحاول أولًا أن يُخضِع قصة الشحاذ لترتيب ونظام واضح: حدث هذا أولًا، ثم ذاك، ثم الآخر. لن يُضيف شيئًا، مهما كان جذابًا، قد يُتعب القارئ بلا داعٍ، أو يشتت انتباهه عما يريد أن يُبلغه إياه. وسيجعلنا نُصدّق، لأنه سيد السرد لا سيدَ الرومانسية أو الكوميديا، أن كل ما جرى كان حقيقيًا تمامًا. ولذلك سيكون بالغ الدقّة، فيخبرنا مثلًا أن هذا الموقف حدث في اليوم الأول من أيلول/سبتمبر، كما فعل في الصفحات الأولى من رواية "روبنسون كروزو".
وبمهارة ودهاء أكبر، سيجعلنا نصل إلى حالة من التصديق التام بإسقاط حقائق صغيرة غير ضرورية عرضًا، مثل قوله: "دعاني أبي في صباحٍ إلى حجرته، حيث كان طريح الفراش بسبب النقرس". فنقرسُ الأب ليس ضروريًا للقصة، لكنه ضروري لحقيقة القصة، لأن من يقول الصدق عادةً يُدرج تفصيلة صغيرة لا علاقة لها بالموضوع من دون قصدٍ.
وفوق ذلك، سيختار جملًا انسيابية مضبوطة، ودقيقة لكن من دون تكلُّف. لأن هدفه أن يُقدِّم الحدث كما هو بلا تحريف من رؤيته الخاصة، وأن يواجه موضوعه مباشرة، ويعرضه من جميع الزوايا من دون الحاجة إلى وصفه بالجمال أو المأساوية. وهكذا يحقق هدفه على أكمل وجه.
لكن لا ينبغي لنا أن نخلط، ولو للحظة، بين هدف جين أوستن وهدف ديفو. فلو صادفت أوستن امرأة متسوّلة، لا شكّ أنها كانت ستهتم بقصتها، لكنها كانت ستدرك على الفور أن الموقف كله لا بد أن يُعاد تشكيله بما يناسب غايتها الفنية. فالشوارع، والهواء الطلق، والمغامرات لا تعني لها شيئًا من الناحية الفنية. ما يشغلها حقًا هو الشخصية.
ومن ثم كانت ستحوِّل المتسوِّلة فورًا إلى رجل ميسور الحال من الطبقة الوسطى العليا، يجلس مسترخيًا أمام مدفأته. وبدلًا من أن تندفع إلى القصة مباشرةً بأسلوب ديفو الصادق والمباشر، كانت ستكتب فقرات قليلة تمهيدية، دقيقة ومنسوجة بمهارة، تلخّص الظروف وترسم ملامح هذه الشخصية التي تريد أن تُعَرِّفنا بها.
فتقول مثلًا في رواية "إيما": "كان الزواج، باعتباره مبدأ للتغيير، أمرًا مزعجًا دائمًا للسيد وودهوس." ثم ترى أوستن أنه من المناسب أن نسمع السيد وودهوس نفسه يؤكد كلامها قائلًا: "مسكينة الآنسة تايلور. ليتَها كانت بيننا من جديد. يا له من أمر مؤسف أن السيد ويستون فكّر في الزواج منها".
وحين يتكلم السيد وودهوس بما يكفي ليكشف لنا عن نفسه من الداخل، ترى أوستن أنه قد حان الوقت لنراه من خلال عيني ابنته، فنراها تقول له: "لقد وجدتَ لهانا تلك الوظيفة الجيدة. لم يفكر بها أحد حتى ذكرتَها أنت". وهكذا نرى إيما وهي تُدَلِّلـه وتُجاريه.
وفي النهاية تقدم لنا أوستن صورة مركّبة من ثلاث زوايا في وقت واحد: كما يرى الرجل نفسه، وكما تراه ابنته، وكما تراه تلك العين الخفية الباهرة، عين جين أوستن نفسها. وتلتقي هذه الرؤى الثلاث في صورة واحدة متكاملة، تسمح لنا بالتجوّل بين شخصياتها بحرية، من دون شعور بتوجيه من الكاتبة.
أما الآن، فلنتخيّل أن توماس هاردي اختار الموقف نفسه، لقاء متسوّل في الشارع، هنا سنلاحظ تغيّرين كبيرين. فالشارع سيتحوّل إلى أرضٍ قاحلة شاسعة ومهيبة، وسيتخذ الرجل أو المرأة هيئةً مهيبة غامضة، كأنهما تمثال ضخم من حجر. وفوق ذلك، فإن علاقة هذا الإنسان لن تكون بالبشر الآخرين، بل بالأرض البور، وبالإنسان بوصفه واضع القوانين، وبالقوى التي تتحكّم في مصير البشر.
هكذا تتبدّل زاوية الرؤية بالكامل. فكل الصفات الرائعة في "روبنسون كروزو"، وفي "إيما"، ستختفي تمامًا هنا. لن نجد التصوير المباشر الحرفي الذي يتميز به ديفو، ولا ذلك النقاء الدقيق في أسلوب جين أوستن. بل إننا إذا حاولنا قراءة هاردي بعد قراءتنا لهذين الكاتبين العظيمين، فقد نرى في البداية أنه ميلودرامي أو غير واقعي مقارنةً بهما.
لكن علينا أن نتذكّر أن للنفس البشرية وجهان على الأقل: وجهًا مضيئًا، وآخر مظلمًا. يظهر الجانب المضيء وسط الجماعة، ويظهر الجانب المظلم في العزلة. وكلاهما واقعي ومهم بالقدر نفسه. لكن الكاتب دائمًا ما يُظهر وجهًا واحدًا أكثر من الآخر. وهاردي كان يركز على الجانب المظلم، ومن ثم لا نرى شخصياته تحت الضوء، ولا نراها واضحة في غرف الجلوس، بل نراها في احتكاك مباشر مع المروج والأغنام والسماء والنجوم، في مواجهة مباشرة مع الآلهة.
على العكس من شخصيات جين أوستن، التي لو كانت حقيقية في غرف الصالون، لما وجدناها أصلًا على صخرة ستونهنج. أما شخصيات هاردي، فنراها ضعيفة ومُرتبكة في الغرف المغلقة، لكنها ضخمة الأطراف وقوية تحت السماء المفتوحة. ولبلوغ غايته، لا يكتب هارفي بحرفية ومباشرة ديفو، ولا بدقة ورهافة أوستن، فأسلوب هاردي معقّد، ومتشابك، ومثقَل بالاستعارات.
عندما تصف جين أوستن السلوكيات الاجتماعية، يصف هو الطبيعة. وعندما تكون أوستن واقعية، يكون هو رومانسيًا حالمًا. ولأن كليهما فنان عظيم، بالرغم من اختلافهما، يظل كل منهما وفيًا للقوانين الخاصة لرؤيته، ولا يخلطان بين نوعين من الحقيقة في كتاب واحد، كما يفعل الكتّاب الأقل شأنًا.
ومع ذلك، نتمنى أحيانًا لو كانوا أقلّ صرامة. فكثيرًا ما نسمع شكاوى تقول إن جين أوستن واقعية أكثر من اللازم، وإن توماس هاردي ميلودرامي أكثر من اللازم. لذا علينا أن نُذكِّر أنفسنا بضرورة الاقتراب من كل كاتب بطريقة مختلفة لننال منه كل ما يستطيع أن يمنحنا إياه.
وعلينا أن نتذكر كذلك أن إحدى صفات العظمة أنها تُخضِع السماء والأرض والطبيعة البشرية لرؤيتها الخاصة. وبسبب هذه البراعة والخصوصية الصارمة يفرض علينا الكتّاب العظماء، جهدًا بطوليًّا لكي نقرأ أعمالهم قراءة صحيحة، فإنهم يطوّعوننا ويكسروننا. ومن يقرأ جين أوستن ثم ينتقل إلى هاردي، أو من ينتقل من بيكوك إلى ترولوب، أو من سكوت إلى ميريديث، أو من ريتشاردسون إلى كبلنغ، يشعر بأنه يُنتزع من مكان ويُلقى في آخر.
كما أن لكل إنسان ميلًا فطريًا نحو اتجاه أدبي ما دون آخر، فقد ينسجم شخص مع رؤية هاردي أكثر من رؤية أوستن، ومن ثم ينساب بسهولة مع تيار رؤيته ويشهد أعماق عبقريته. لكنه ينفر من جين أوستن، ويجر نفسه مترنحًا من صفحة إلى أخرى في صحراء رواياتها.
أحيانًا يكون هذا التنافر الطبيعي بيننا وبين بعض الكتب شديدًا إلى درجة يصعب تجاوزها، لكن تظل التجربة دائمًا جديرة بالمحاولة. فهذه الكتب الصعبة بعيدة المنال، التي تُقابلنا بخشونة وجفاء في البداية، كثيرًا ما تمنحنا في النهاية أطيب الثمار. والغريب في تكوين العقل الإنساني، أنه قد ينفر من بعض الكتب في وقت ما، وفي وقت آخر يراها ضرورية ولذيذة.
وإن صحّ أن الكتب تختلف اختلافًا عميقًا، وأن قراءتها على نحوٍ سليم تتطلَّب منا أن نحني خيالنا بقوة في اتجاه، ثم في اتجاه آخر، فهذا يعني أن القراءة من أشقّ وأرهق المهن.
نعم، كثيرًا ما تنقلب الصفحات أمامنا بسرعة ونبدو من فرط اندماجنا كأننا نعيش في الكتاب لا نحمله بين أيدينا. لكن كلّما اشتدّ الحماس، زاد الخطر الذي يتهددنا من الإفراط في القراءة. وهذا الإفراط أعراضه معروفة، فجأة يغدو الكتاب مملًّا كالماء الراكد، وثقيلًا كالحديد، ما يجعلنا نتثاءب ونتمطّى ولا نستطيع التركيز. وحتى أسمى مقاطع شكسبير وميلتون تصبح لا تُطاق. فنهمس لأنفسنا: "هل كيتس من فقد عقله، أم أنا؟" سؤال موجع لكنه سؤال ما كان ليُطرح أصلًا لو أدركنا كم يُشكل "فن عدم القراءة" جزءًا جوهريًّا من "فن القراءة".
علينا أن نتذكّر أن للنفس البشرية وجهان على الأقل: وجهًا مضيئًا، وآخر مظلمًا. يظهر الجانب المضيء وسط الجماعة، ويظهر الجانب المظلم في العزلة
فأفضل وسيلة لإحياء طاقتك الإبداعية هي بأن تكون قادرًا على قراءة الكتب من دون قراءتها فعلًا، أن تتجوّل وتتسكّع، وتؤجّل الحُكم، وتتمشَّى بخفة في أزقة الحروف وشوارعها الجانبية. إن السير الذاتية والمذكّرات، وكل الكتب "الهجينة" التي تتكوّن في معظمها من حقائق، تُعيد إلينا القدرة على قراءة الكتب الحقيقية، أي الكتب الخيالية الخالصة. كما أن هذه الكتب الهجينة تثري عقولنا وتنمّي معارفنا، وهذا مهم، لكن إذا كنّا نتحدث عن القراءة من أجل المتعة - لا من أجل تأمين معاش ما - فإن قدرة هذه الكتب على إحياء خيالنا وتنشيط إبداعنا هي الخاصية الأكثر قيمة وأهمية.
ومع ذلك، يجب أن نعرف دومًا ما الذي نريده منها. فنحن نلجأ إليها بحثًا عن الراحة، والتسلية والغرابة، وعن شرارة توقظ طاقتنا الإبداعية الخاملة. فهي تمنحنا الفرصة لنغادر برجنا العاري الصارم، ونخرج إلى الشارع لنتأمل الحياة خلف النوافذ المفتوحة. فبعد التركيز والعزلة اللازمة لقراءة هذه الكتب، يأتي الهواء الطلق، ومشهد البشر المنغمسين في أنشطة لا تُحصى، ليأسرنا بسحرٍ لا يوصف.
تخيل معي، نوافذ البيوت مفتوحة، والستائر مرفوعة. يمكن للمرء هنا أن يرى كل ما يجري داخل المنزل من دون أن يعلم أهل البيت أنهم يُرَاقبون. يمكنه أن يراهم جالسين حول مائدة العشاء، يتحدثون، ويقرؤون، أو يلعبون. أحيانًا يبدو أنهم يتشاجرون ولكن على ماذا؟ أو يضحكون، ولكن ما النكتة؟
في القبو، يقرأ الطاهي الصحيفة بصوت مرتفع، بينما تُحمِّص الخادمة قطعة خبز، ثم تدخل خادمة المطبخ ويبدؤون جميعًا بالتحدث في الوقت نفسه، ولكن عمّ يتحدثون؟ في الطابق الأعلى، ترتدي فتاة ثوبها استعدادًا لحضور حفلة. ولكن إلى أين هي ذاهبة؟ وهناك سيدة مسنّة تجلس عند نافذة غرفتها ممسكة بقطعة من الصوف، وبجانبها ببغاء أخضر جميل في قفص. ولكن بمَ تفكّر؟ كل هذه الحياة تجمعت معًا بطريقة ما، ولا بد من وجود سبب ورائها ونوع من الارتباط والتماسك، وسنكون محظوظين إن تمكنَّا من إدراكه.
السِّيَر الذاتية فقط هي التي تجيب عن هذه الأسئلة الكثيرة التي تملأ أذهاننا ونحن نقف في الخارج، على الرصيف، نطلّ من النافذة المفتوحة. ولا شيء، في الواقع، أكثر إثارة من أن يتجوّل المرء بين تلك المخازن الهائلة من الحقائق، فيخلق منها حياة رجال ونساء، ويصنع عقولهم المُعقَّدة وبيوتهم من هذا الكم الهائل من الفوضى والغموض المبعثر هنا وهناك. إذ نُعطَى إبرة خياطة، وجمجمة، ومقصًا، وحزمة من السونيتات، ثم علينا أن نخلق، وأن نركِّب، وأن نجمع بين هذه الأشياء المتنافرة.
هناك أيضًا سحر في الحقائق ذاتها، إحساس خاص ينبع من معرفتنا بأن رجالًا ونساءً حقيقيين عاشوا هذه الأشياء وتحمّلوا هذه الآلام. إحساس لا يتجاوزه إلا أعظم الروائيين. إذ تؤثر فينا قصة الكابتن سكوت، الذي مات جوعًا وتجمدًا في الثلج، بعمق لا يقل عن أي قصة مغامرات كتبها كونراد أو ديفو، لكنها تؤثر فينا بطريقة مختلفة.
فالسيرة تختلف عن الرواية، ولا يمكننا أن نطلب من كاتب السيرة أن يمنحنا المتعة نفسها التي يمنحها الروائي. فما إن يقول الكاتب: "وُلد جون جونز في الساعة الخامسة والنصف من صباح يوم الثالث عشر من آب/أغسطس عام 1862"، يكون قد ألزم نفسه وركز عدسته على الحقيقة، فإذا بدأ بعد ذلك بالتحليق في الخيال، اختلَّ المنظور، وشككنا في صدقه، وضاعت ثقتنا في نزاهته ككاتب.
وبالمثل، يمكننا القول إن الحقيقة تُفسد الخيال. فلو أن وليام م. ثاكرِي مثلًا، أدرج في روايته "سوق الغرور" تقريرًا حقيقيًا من الصحف عن "معركة ووترلو"، لدُمِّر نسيج الرواية كله كما يدمر الحجر الفقاعة. ومع ذلك، لا شك في أن هذه الكتب الهجينة التي تجمع الحقيقة بالخيال، تؤدي دورًا عظيمًا في إراحة الذهن وإنعاش الخيال.
إن فكرة بناء حياة كاملة من أدوات خياطة وجمجمة ومقصٍّ وسونيتات توقظ فينا شغف الخلق، وتثير رغبتنا في أن يُنجَز هذا العمل بقوةٍ وجمال على يد كاتب مثل فلوبير أو تولستوي. فمهما كانت الحقائق مثيرة، فإنها تظل شكلًا أدنى من أشكال الخيال، ومع الوقت نفقد صبرنا أمام ضعفها وتشتتها، وعلى ما تتضمنه من تنازلات ومراوغات، وجملٍ غير متقنة، ومن ثم نشتاق لإعادة إحياء أنفسنا بالقوة والصدق اللذين يميزان الخيال.
إن المرء يحتاج إلى احتياطي هائل من القدرة على التخيل لمواجهة منحدرات الشعر. ففي عالم الشعر، لا نجد تلك المقدمات التدريجية، ولا تلك الملامح المُشابهة للحياة اليومية المألوفة التي يستخدمها الروائي ليغوينا بالدخول إلى عالمه الخيالي. كل شيء هنا عنيف، ومتناقض، وغير مترابط.
ومع ذلك توجد أسباب كثيرة تضعنا في تلك الحالة الذهنية التي يصبح فيها الشعر ضرورة لا غنى عنها، مثل قراءة الكتب الرديئة، أو مشاغل الحياة اليومية، أو الصدمات التي يصيبها بنا الجمال من حين لآخر، أو الدوافع الغامضة الصادرة من عقولنا وأجسادنا.
فرؤية زهرة الزعفران في الحديقة قد تُعيد إلى أذهاننا فجأة ذكرى كل أيام الربيع التي عشناها. وفي تلك اللحظة نتوق إلى الكليّ لا الجزئيّ، إلى المعنى العام لا التفاصيل، ونرغب في إظهار الجانب المعتم من عقولنا، والاتصال بالصمت والوحدة والرجال والنساء كلهم، لا بهذا الشخص أو تلك. عندها تصبح الاستعارات أبلغ من التصريحات المباشرة.
لذا، لكي نقرأ الشعر قراءة صحيحة، يجب أن نكون في حالة ذهنية متهوّرة، ومتطرفة، وكريمة، خالية من كثير من وسائل الدعم والراحة التي تقدمها لنا سائر الفنون الأدبية. فالشعر هنا يعتمد على التطرف والغموض والإفراط بدلًا من الإيهام أو قوة التخيل. فالصورة الشعرية غالبًا ما تكون مختلفة تمامًا عن الشيء الذي تُمثله، ومن ثم نحتاج إلى استخدام طاقتنا العقلية كلها لفهم العلاقة، مثلًا، بين تغريد العندليب، والصور والأفكار التي يوقظها ذلك التغريد في أذهاننا.
وهكذا تبدو قراءة الشعر أشبه بحالة من النشوة، حيث تحرّك القافية والوزن والصوت الذهن كما يحرّك الخمر والرقص الجسد، فنمضي في القراءة، مستخدمين حواسنا لا عقلنا، في حالةٍ من النشوة. ومع ذلك، فإن هذه النشوة والمتعة، تعتمد على دقة الصورة وصدقها، وكونها انعكاسًا لواقعنا الداخلي. نعم قد تبدو بعض أشعار شكسبير وكيتس بعيدة ومُبالغ فيها، إلا أنها، في لحظة القراءة، تبدو ذروة الفكر، وتعبيره النهائي.
ومن العبث محاولة تحليل هذا الأمر بعقلانية أو بوعي تام. فكل من قرأ قصيدةً واستمتع بها، بالتأكيد مر بلحظة من الإدراك، أو التذكر المفاجئ، لأننا نشعر أحيانًا كما لو أننا كنا على وشك أن نقول ما يقوله شكسبير الآن، أو قلناه بالفعل في حياة سابقة، وهذا ما يمنح الشعر سموَّه وقوته.
وهذه القراءة تصاحبها، سواء بوعي أو بغير وعي، أقصى درجات الانتباه واليقظة الذهنية لكل القدرات، المنطقية والخيالية على حدٍ سواء. فنحن دائمًا نتحقق من صدق الشاعر، ونُجري مقارنة سريعة، على قدر استطاعتنا، بين الجمال الذي يُبدعه في الخارج والجمال الذي ندركه داخلنا. وأبسطنا شأنًا يملك تلك القدرة على المقارنة. فأبسط الناس، إذا أحب القراءة، استطاع أن يجد بداخله ما يتناغم مع ما يمنحه إياه الشاعر أو الروائي.
بهذا القول، بالطبع، انكشف السر. فهذا الإقرار بقدرتنا على المقارنة والتمييز يقودنا إلى نقطة أبعد: إن القراءة ليست مجرد تعاطف وفهم، بل هي أيضًا نقدٌ وحُكم. حتى الآن، كان جهدنا منصبًا على قراءة الكتب كما يكتبها مؤلِّفوها، في محاولة للفهم والتقدير والتفسير والتعاطف. لكن الآن حين نغلق الكتاب، على القارئ أن يغادر مقعد المتهم ليصعد إلى مقعد القاضي. عليه أن يكفّ عن كونه صديقًا للكاتب، ليصبح حَكَمًا. وهذه ليست استعارة بلاغية.
فالعقل، كما يبدو - وأقول يبدو لأن كل ما يحدث في العقل يكتنفه الغموض - يمر بمرحلتين أثناء القراءة. يمكن أن نسمّي الأولى "القراءة الفعلية"، والثانية "ما بعد القراءة". خلال القراءة الفعلية، ونحن نمسك الكتاب بين أيدينا، تنهال علينا المقاطعات والمشتتات بلا انقطاع. وتتكوَّن انطباعات جديدة تمحو أو تُكَمِّل القديمة، ويُعلَّق الحكم، لأننا لا نعرف ما ينتظرنا في الصفحة التالية. ثم تتعاقب الدهشة، والإعجاب، والملل، والاهتمام بسرعة تجعلنا، حين نصل إلى النهاية، في حالة ارتباك تام.
هل الكتاب جيّد؟ أم سيء؟ أي نوع من الكتب هو؟ وما مدى جودته؟ إن فعل القراءة وشعور القراءة يثيران غبارًا كثيفًا يمنعنا من رؤية الإجابات بوضوح. فإذا سُئلنا عن رأينا، نعجز عن إبدائه، إذ ننسى بعض أجزاء من الكتاب وتبرز أجزاء أخرى على نحو مبالغ فيه. وهنا ربما يكون من الأفضل أن نفعل شيئًا آخر، نتمشّى، أو نتحدث، أو نحفر في الأرض، أو نستمع إلى الموسيقى. فيختفي الكتاب الذي بذلنا في قراءته جهدًا ووقتًا تمامًا عن وعينا.
ثم فجأة، ونحن نلتقط حلزونًا من وردة، أو نربط حذاءنا، أو نفعل شيئًا بعيدًا كل البعد عن القراءة، يطفو الكتاب كاملًا على سطح الوعي. وكأنّ عمليةً ما اكتملت دون أن ندري. ونجد التفاصيل المتفرقة التي قرأناها تتجمع الآن في أماكنها الصحيحة. ويتخذ الكتاب شكلًا محددًا، قد يكون قصرًا، أو حظيرة بقر، أو أطلالًا قوطية، حسب طبيعة الكتاب. عندها فقط يمكننا أن نرى الكتاب ككلٍّ واحد، مختلف تمامًا في تأثيره عن الأجزاء المنفصلة التي تلقيناها أثناء القراءة.
إنّ تناغم وتناسق هذا الكُل، أو اضطرابه وتشويهه، يمكن أن يثير فينا الإعجاب أو النفور، بشكل مستقل عن متعة كل تفصيل على حدة. والآن بينما نحمل صورته الكاملة في أذهاننا، يصبح من الضروري أن نُكوِّن رأيًا حول قيمة الكتاب، لأنّ المتعة العظيمة التي نحصل عليها من عملية القراءة الفعلية رغم أهميتها القصوى، ليست بعمق ولا بدوام المتعة التي نحصل عليها بعد العملية الثانية، حين نحتفظ في عقولنا بالكتاب واضحًا، وثابتًا، وكاملًا بقدر استطاعتنا.
ولكن كيف لنا أن نحسم أيًا من هذه الأسئلة؟ كيف نعرف إن كان الكتاب جيدًا أم رديئًا؟ وإلى أيّ حد هو كذلك؟ لن نجد عونًا كبيرًا من الخارج، فالنقّاد كُثُر، والنقد وفير، لكن العقول تختلف اختلافًا عميقًا إلى درجة تمنع أيّ تطابقٍ حقيقي في التفاصيل. ولا شيء أكثر كارثية من أن يتبنى شخص رأي شخص آخر.
حين نريد أن نحكم على عملٍ بعينه، فإن أفضل ما نفعله ليس قراءة النقد، بل إدراك انطباعنا الشخصي بأقصى درجة من الوضوح، ثم مقارنته بالأحكام التي كوّناها تدريجيًا عبر الزمن. فهناك، في خزانة عقولنا، تصطف صور الكتب التي قرأناها كلها، كما نعلّق ثيابنا بعد الانتهاء منها.
فإذا انتهينا، مثلًا، من قراءة "كلاريسا هارلو" فلنرَ كيف تبدو إذا وضعناها إلى جانب "آنا كارنينا". وعلى الفور، تتضح ملامح الروايتين وتبرز كل منهما الأخرى كما يبرز القمر ملامح بيتٍ بمداخنه وأسطحه المائلة. إذ تتجلى فورًا تناقض خصائص كتابة ريتشاردسون من إطناب، وغموض في مقابل مُبَاشَرة تولستوي وإيجازه. فما سبب هذا الاختلاف في الأسلوب؟ وكيف تختلف مشاعرنا في لحظات الذروة من الروايتين؟ وما الذي يجب أن ننسبه إلى القرن الثامن عشر، وما الذي يرجع إلى روسيا والمترجم؟
إن الأسئلة التي تتولَّد من هذه المقارنات لا تُحصى، وتتشعّب بلا نهاية، وكثير منها يبدو غير ذي صلة مباشرة. ومع ذلك، فمن خلال طرحها وملاحقة إجاباتها، بقدر ما نستطيع، سنصل إلى مقياسنا الخاص للقيمة الأدبية، وبفضله سنقرر في النهاية نوع الكتاب الذي قرأناه، وقيمته.
وعندما نلتزم بانطباعنا الشخصي، ونُكوِّن حكمنا بصدق واستقلال، عندئذٍ فقط نستطيع أن نستفيد بحق من أحكام كبار النقّاد، مثل درايدن وجونسون وغيرهما. فحين نكون قادرين على الدفاع عن آرائنا الخاصة، نستفيد أكثر من آرائهم.
والآن لنلخّص النقاط التي بلغناها في هذا المقال، هل وجدنا إجابةً عن سؤالنا، كيف ينبغي لنا أن نقرأ كتابًا؟ من الواضح أنه لا توجد إجابةٌ واحدة تصلح للجميع، لكن ربما يمكن تقديم بعض الاقتراحات.
فأولًا، القارئ الجيّد هو من يمنح الكاتب فائدة الشكّ، ويساعده بخياله كله، ويتبعه عن قُرب، ويفسّر كتاباته بأقصى ما يملك من ذكاء وفهم. ثم بعد ذلك، عليه أن يحكم بأقصى درجات الصرامة، مُتذكرًا أن لكل كتاب الحق في أن يُقارن بأفضل ما في نوعه.
وعلى القارئ أن يكون مُغامرًا، وواسع الأفق في اختياره، ومُخلصًا لذوقه وغرائزه، لكنّه في الوقت نفسه يجب أن يكون مستعدًا لأن يضع في اعتباره أذواق الآخرين. تلك هي الخطوط العريضة التي يمكن أن يطوعها أي شخص على طريقته وذوقه وفي وقته المناسب. القراءة على هذا النحو تجعل الكتاب يحترمون القارئ حقًّا. فمن خلال أمثال هؤلاء القرّاء تولد الروائع، وتُستقبل إلى هذا العالم.
وإذا سَأَلَنا الأخلاقيون وأصحاب القيم الصارمة كيف نبرّر حبنا للقراءة، فيمكننا أن نعتذر بحجةٍ كهذه. لكن، إن كنا صادقين مع أنفسنا، فنحن نعرف أننا لسنا بحاجة إلى أي عذر. فصحيح أننا لا نجني من القراءة شيئًا سوى المتعة، وصحيح أن أكثرنا حكمة عجز عن تحديد ماهية هذه المتعة. ولكن هذه المتعة تكفينا، حتى وإن بدت غامضة ومجهولة وعديمة النفع.
فهي متعة عجيبة، ومعقدة، تغذي عقل كل من يتذوقها، وتؤثر فينا إلى درجة أننا لن نندهش، إن اكتشفنا في يوم الحساب حين تُكشف الأسرار، أن السبب في ارتقائنا من حال الحيوان إلى حال الإنسان، وفي خروجنا من الكهوف، وتركنا للأقواس والسهام، وجلوسنا حول النار للتحدث والمرح، وفي إحساننا إلى الفقراء، ومساعدتنا للمرضى، وبنائنا الطرق والمنازل، وتشييدنا مجتمعًا من الفوضى، لم يكن سوى أننا أحببنا القراءة.







