فوضى النصوص
2 سبتمبر 2026
كان همنغواي، وهو يُحاوِر صديقَه هوتشنر (A. E. Hotchner) قبل انتحاره، مشغولًا بالقصصِ التي لم يكتبها، وأجابَ عن سُؤالِ هوتشنر عن سبب رغبته في الموت: "ماذا بظنّك يحدثُ لكاتبٍ أصبح عمره اثنيْن وستين عامًا وأدرَكَ أنّه لا يستطيع كتابةَ القِصص والكتبِ التي وعد نفسه بأنّه سينجزها، أو أيّ شيء ممّا وعد نفسه أن يقوم به في الأيام الخوالي؟". وتقول مايا أنجلو بعدم وجود كربٍ أعظم من أن تحمل في داخلك قصةً لم تُروَ. وكلاهما مُحِقّ. ولن آخذَ كلامَ مايا ببُعدٍ أيديولوجي، وإنما ببُعدٍ إنسانيٍّ بحت؛ فكلّ قصةٍ أو فكرةٍ لقصةٍ راودتني ولم أكتبها، أشعرُ بها تُلاحقني في صحوي وفي نومي، بل أكاد أذهب أبعد من ذلك بالتخيّل: كل شخصيةٍ لم أقُلها تلاحقني، أشعر بها تؤنّبني لأنّي لم أُعطها حقّها في الوجود.
كلُّ هذه الشخصياتِ التي لا يُكتب لها أن تنزلَ على الورق، أراها تصيرُ شخصياتٍ داخلَ رأسي، تُهاجمني، بل تتملّكني حدَّ التلبّس. لستُ غزير الكتابة؛ لاقتناعي المَرَضي بأني لن أكتب إلا ما يُثير الدّهشة، وبأني لن أكتبَ إلا ما ينزِل متفجّرًا، أو هكذا كنت أظن. إلّا أن الكتابة لا تخرجُ مني كذلك إلا لِمامًا. تخرج الكتابةُ مني انسلالًا. تنسلّ مثل خيطِ ماءٍ صغير يتدلّى من نهرٍ على حافة جبل، ولكنّي لا أُعطي لهذا السيلِ الفرصةَ لأن يتحوّلَ إلى قوّةٍ تُغيّر مجراه، لأن يتحوّلَ إلى شلّالٍ عارِم؛ لأنّي أخاف أن تتحطّمَ سدودي. لديَّ خوفٌ من النصوص الطويلة.
كلُّ نصٍّ أخذتُ في كتابتهِ كان يحمل في طيّاته أن يكونَ روايةً، أو قصيدةً، أو خاطرة، ولكنّه كلّه يُحرَم من فرصة التحوّل إلى شكله الحقيقي. يَنقطعُ نفَسي، أخافُ مِمّا أكتب، بل وأحيانًا أغارُ من أن أكتبَ نصًّا كان في داخلي وأن يراه غيري، مثلَ أُمٍّ تخافُ على ابنها كثيرًا، إلى حدِّ قتلِه اختناقًا.
أشرعُ في كتابة نصّ، أُقرِّرُ منذ البداية أنه يحتمل ألفَ صفحة، أبدأُ بالانسلال. تكونُ البدايةُ مضبوطةً للغاية، ثم يأخذُ عقلي بفقدان السيطرة، كأنَّ خطوطَ الحدث تهرب منّي. أشعرُ بفوضى تعتريني لا أعرفُ كيف أُلملمُها. تتسلَّلُ هذه الفوضى إلى واقعي، ويصيرُ لزامًا عليَّ الانتهاءُ من الكتابة. أجبُنُ ربّما، أخشى أن يهربَ منّي تكثيف الحدث، فأُسارعُ إلى وضعِ نهايةٍ للشخصيات. أقتلُها، أو هكذا أظنّ. وينتهي النصّ بقصةٍ قصيرةٍ أو قصيرة جدًّا. هل ينقطع نفَسي؟ لا أعتقد، ففيَّ روحٌ أطولُ من نهر النّيل. يقول الشاعر الفرنسي بول فاليري في مقالته عن قصيدته المقبرة البحرية (Le Cimetière marin): "العمل الفني لا يكتمل، بل يُهجر". أواصلُ الهجرَ لنصوصي وكأنّني أبٌ ظالمٌ يترك وراءه في كل مدينة ابنًا، وبين الفينة والأخرى، يكون لزامًا عليَّ أن أواجه أبناء الحرام جماعاتٍ أو فرادى، وكثيرًا ما يطغون عليَّ عددًا.
في مسلسل سُكنى منزل التلّ، يقولون إنّ الأحلامَ هي ما يطفحُ عن الواقع. أن نتخيَّلَ أنفسَنا قِدرًا قد يمتلئ في أحيانٍ، وقد يفرغُ في أحيانٍ أخرى. وعندما يمتلئ، ولا يجدُ لنفسهِ مخرجًا، يخرجُ عبر الحلم، أي إنّ الحلمَ هو فيضٌ من الواقع، فيضٌ من المُعاش. تفسيرٌ فرويديّ إلى حدٍّ ما، فكلّ ما لا يخرجُ وعيًا يخرجُ من دون وعي أو في اللّاوعي، وما لا يخرجُ مني قصةً يخرجُ مني انفجارًا، ولكنه بالضرورة نصٌّ بل انفجار داخلي: أن أفقدَ التحكّمَ في كل ما يدور من حولي، وأن تُحقّقَ أشدّ مخاوفي: أن أتحوّلَ إلى ردّة فعل.
هكذا هي الكتابةُ بالنسبةِ لي، إن لم تكن فعلًا واعيًا تصيرُ ردَّ فعل، قد يخرجُ وقتئذٍ نصًّا رديئًا، أو قد أتحوَّلُ كلّي إلى بضاعةٍ مُزجاة، لا تُحتمَل ولا تُحتمل. أكادُ أجنّ أحيانًا من فرطِ تعدّدِ الأصوات في داخلي. أتذكّرُ أوّلَ قصةٍ كتبتُها حين كنتُ في السادسة من عُمري. هل يُعقلُ أنّي استعملتُ القصصَ مهربًا من وقتها؟ أتذكّرُ كلَّ القصص التي نسجتُها وقتئذٍ وحتى الآن. لا أنسى أيّ شخصيةٍ اخترعتُها، وما أعرفهُ تمامًا هو أنّ كلّ قصةٍ لم أكتبها هي قصةٌ كُتب عليَّ أن أعيشَ مأساتَها لاحقًا، وكأنّ عليَّ أن أعيشَ المأساةَ تجنّبًا لكتابتها. تخيَّلْ أنه كانت لديَّ قصةٌ عن الإبادة في غزة قبل أعوامٍ ولم أكتبها. شعرتُ بالذنب. هل أنا مسؤولٌ عمّا لم أكتبه؟