فوضى أحزاب موريتانيا.. تعددية غير ديمقراطية

فوضى أحزاب موريتانيا.. تعددية غير ديمقراطية

تتميز الحياة الحزبية في موريتانيا بالفوضى العارمة (Getty)

كمعظم الدول العربية، تتميز الحياة الحزبية الموريتانية بظاهرة فوضى الأحزاب، حيث وصل عدد الأحزاب المسجّلة رسميًا والمعترف بها حكوميًا إلى 105 أحزاب. معظمها أحزاب طفيلية، يسعى مؤسّسوها إلى اغتنام مكاسب سياسية سريعة في أزمنة الانتخابات. لكن وزارة الداخلية الموريتانية أصدرت، في الخامس من آذار/مارس 2019، قرارًا بحلّ 76 حزبًا سياسيًا منها، بناء على قانون الأحزاب الجديد الذي ينصّ على "حلّ أي حزب سياسي لم يُشارك في استحقاقين بلديين متتاليين، أو حصل فيهما على نسبةٍ أقلّ من 1% من الأصوات" ليتقلّص بذلك عدد الأحزاب السياسية في موريتانيا إلى 29 حزبًا سياسيًا.

يتشكل الحزب الحاكم في موريتانيا حول أي رئيس جديد، لإعادة توزيع الغنيمة السياسية، في الفترة التي يتولى فيها حكم البلاد، وبمجرّد ذهابه يفقد الحزب الحاكم معناه وقيمته

ليس الحزب الحاكم في موريتانيا، طبعًا من الأحزاب التي شملها قرار الحل، لكنّه تعرّض لنوع آخر من التصفية حسب مراقبين للمشهد السياسي الموريتاني، في مؤتمره الثاني الذي عُقد في العاصمة نواكشوط، لإعلان دعم ترشيح وزير الدفاع الموريتاني الجنرال محمد ولد الغزواني، في الانتخابات الرئاسية المزمع تنظيمها في السادس عشر من حزيران/يونيو 2019. حيث لم يُعلِن المرشّح المحسوب على النظام ترشّحه عبر حزب النظام، كما لم ينجح الحزب في إجراء انتخاباته الداخلية، واكتفى بتكليف لجنة لتسييره حتى ينتهي السباق الرئاسي، للبتّ بعدها في مصيره.

اقرأ/ي أيضًا: تعديلات ولد عبدالعزيز الدستورية.. الشارع الموريتاني يرفض عبث الرئيس

ينقلنا هذا المشهد للحديث عن ظاهرة أحزاب الدولة أو أحزاب النظام، التي تُطوى صفحتها، بطي مرحلة الرئيس الذي جاء بها أو جاءت معه. وتأثير ذلك في تشويه الوعي السياسي الوطني حول الأحزاب وأدوارها في الديمقراطية.

يتشكل الحزب الحاكم في موريتانيا حول أي رئيس جديد، لإعادة توزيع الغنيمة السياسية، في الفترة التي يتولى فيها حكم البلاد. وبمجرّد ذهابه يفقد الحزب الحاكم معناه وقيمته في تحقيق توازن المصالح وتوزيعها، لأنّه مكوّن أساسًا من موظّفي الدولة والوجهاء التقليديين وقواعدهم الشعبية في دواخل البلاد.

ولذلك فتسميته بحزب الدولة هي تسمية مجازية، يمكن القول بأن أحزاب السلطة في موريتانيا فقدتها بعد تفكيك حزب الشعب الموريتاني، الذي حكم بواسطته الرئيس المختار ولد دادّاه الفترة ما بين عامي 1961 و1978. فأحزاب الدولة، وهي ظاهرة غير ديمقراطية بالمرة، تتّسم بزعم تمثيل الأمّة، ما يجعلها تلتبس تمامًا مع الدولة، كما تتّسم بزعم تربية وترقية المواطنين، ووضع التصورات والخطط للدولة. وهو ما يجعلها في حالة أسبقية على الدولة نفسها.

حزب الشعب الموريتاني

 شهد مؤتمر الوحدة في الخامس والعشرين من كانون الأول/ديسمبر 1961، تأسيس حزب الشعب الموريتاني، الذي توحّدت فيه القوى السياسية المختلفة، من أجل خلق موريتانيا جديدة. لكن النزعة السلطوية سرعان ما تسرّبت إلى الحزب الجماهيري، فبدأت عملية التّنكّر للديمقراطية الحزبية التي أُقرّت في مؤتمر التأسيس وفي مؤتمر 1963 ومؤتمر كيهيدي التاريخي 1964، بل وعادت الحسابات القبليّة والجهويّة لتُهيمن على الحزب. وبذلك فشل في التعالي على النزعات الخصوصية وفي بناء أمّة. بل وكشفت الظروف التي تمّ فيها حلّه سنة 1978، عن ضعف تأثيره الحقيقي على السكان، فاختفت هيئاته بسرعة فائقة، ولم تحصل أية تظاهرة مساندة في البلد للنظام الذي أُطيح به.

نفس الأمر حصل مع هياكل تهذيب الجماهير، التي أنشأها نظام محمد خونه ولد هيداله، بعد تنحيته عن الحكم في الثاني عشر من ديسمبر 1984، عبر انقلاب عسكري قاده العقيد معاوية ولد الطايع.

الحزب الجمهوري الديمقراطي الاجتماعي

 تأسس سنة 1991 عندما عادت التعددية الحزبية لموريتانيا. تشكّل حول الرئيس معاوية ولد الطائع وضمّ وجهاء القبائل وقطاعًا عريضًا من منتسبي الوظيفة العمومية، وسُخّرت له إمكانيات الدولة للتعبئة والوصول إلى الجمهور الموريتاني حيثما كان داخل البلاد.

مثّل الحزب الجمهوري النموذج الأبرز لأحزاب الغنيمة السياسية القائمة على مقايضة الولاء السياسي بالمصالح الماديّة والرمزية. لكنّ هذا الحزب الكبير انهار بمجرّد انهيار النظام والرئيس الذي التف حوله، قبل أن يعود للمشاركة في الحياة السياسية كحزب ثانوي، وانتهى به المطاف إلى الحل القانوني بسبب عجزه عن الحصول على نسبة 1 في المئة من أصوات الموريتانيين في آخر استحقاقين انتخابيين، لينضم إلى كومة الأحزاب الملغية.

حزب السلطة في مرحلة الانتقال الديمقراطي

شهدت مرحلة الانتقال الديمقراطي، على قصرها نيسان/إبريل 2007 – آب/أغسطس 2008، انتعاشًا للحياة السياسية الموريتانية، عبر السماح للإسلاميين بتشكيل حزب سياسي، هو حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية "تواصل"، وتشريك المعارضة السياسية في الحكم، ورفع سقف الحريات السياسية والإعلامية والحقوقية.

تأسس حزب العهد الوطني للديمقراطية والتنمية "عادل" كمشروع لحزبٍ حاكم، من نخب بيروقراطية أراد من خلالها الرئيس المدني حينها تحصين نفسه سياسيًا، في وجه الكتلة النيابية الموجودة في مجلس النواب ومجلس الشيوخ، المحسوبة على جنرالات الجيش، بقيادة سيدي محمّد ولد محّمد الرئيس الحالي لحزب الاتحاد من أجل الجمهورية الحاكم.

لم يُراكم حزب عادل تجربة تسمح له بالتحول إلى حزب الدولة، بسبب الرفض الذي جابه به الرئيس سيدي ولد الشيخ عبد الله رغبة المؤسسة العسكرية في إدارة العمل الحكومي من وراء ستار. ومع وقوع انقلاب السادس من آب/أغسطس 2008، اضمحلّ الحزب، وانسحبت منه الكتلة القوية المحسوبة على الجنرالات، ليتحول الحزب إلى أحد أحزاب المعارضة بعد رفض رئيسه الوزير يحي ولد أحمد الوقف للانقلاب.

ميعت ظاهرة حزب السلطة في موريتانيا الحياة السياسية، وربطت فكرة الحزب لدى المواطن العادي بالانتهازية السياسية، مما دفع إلى عزوف المواطنين عن الانتماء الحزبي

حزب الاتحاد من أجل الجمهورية.. تركوه معلقًا

يواجه الحزب الذي تأسس منذ عشر سنوات، انفرد فيها بالحكم، مصيرًا مجهولًا بعد إعلان رئيسه استقالَته، وتكليف لجنة بتسيير عمله لحين انتهاء انتخابات الرئاسة الموريتانية.

اقرأ/ي أيضًا: ناشطون محرومون من الحرية والعلاج في موريتانيا

ثمّة سيناريوهان لمستقبل الحزب: أوّلهما يتمثّل في الإبقاء عليه، من خلال ترؤس محمد ولد عبد العزيز له، بعد نهاية مأموريته الرئاسية منتصف هذا العام، ويعزّز هذا السيناريو فرضيةَ تحكّم ولد عبد العزيز في ولد الغزواني، ورغبته في البقاء في المشهد السياسي، واحتمال عودته للقصر الرّمادي مرشّحًا بعد انتهاء العهدة الأولى لولد الغزواني. أما السيناريو الثاني، فيتمثّل في طيّ صفحة الحزب، وتأسيس حزب حاكم آخر يعكس التوازنات التي سيخوض بها الجنرال ولد الغزواني فترة حكمه، إذا وصل للحكم. ويعني هذا السيناريو، إن حصل، نجاح ولد الغزواني في تجاوز عقدة الرفيق الوصي، التي تطوّقه منذ أن لمع اسمه.

ميعت ظاهرة حزب السلطة في موريتانيا الحياة السياسية، وربطت فكرة الحزب لدى المواطن العادي بالانتهازية السياسية، مما دفع إلى عزوف المواطنين عن الانتماء الحزبي، والاكتفاء بالانتساب الذي يقود إلى منفعة وغنيمة سياسية مالية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

موريتانيا بخير يا سيدي الرئيس

الأزمة السياسية في موريتانيا والحوار المرتقب