فوضى أبحاث الذكاء الاصطناعي.. غزارة الإنتاج تهدد جودة العلم
8 ديسمبر 2025
تشهد أبحاث الذكاء الاصطناعي أزمة متصاعدة في جودة المحتوى العلمي، وسط تحذيرات أكاديميين من تحوّل هذا المجال الحيوي إلى "سوق مزدحم" بالأوراق البحثية منخفضة الجودة، في ظاهرة باتت تُعرف بين الباحثين باسم "طوفان السطحية العلمية" (AI slop).
وحسب تقرير لصحيفة "الغارديان"، برزت هذه الأزمة إلى الواجهة بعد الجدل الذي أثاره شاب أميركي يُدعى كيفن تشو، الذي أعلن عن تأليفه أكثر من 100 ورقة بحثية في الذكاء الاصطناعي خلال عام واحد، منها 89 ورقة مُدرجة للعرض في مؤتمر عالمي بارز في تعلم الآلة. وتشمل أبحاثه موضوعات متعددة مثل تتبع الرعاة الرحل في أفريقيا جنوب الصحراء باستخدام الذكاء الاصطناعي، وتشخيص آفات جلدية، وترجمة لهجات إندونيسية.
انتقادات حادة من أكاديميين بارزين
ووصف البروفسور هاني فريد، أستاذ علوم الحاسوب في جامعة كاليفورنيا بيركلي، هذه الأوراق بأنها "كارثة"، مشيرًا إلى أن جزءًا كبيرًا منها يعتمد على ما يُعرف بـ"البرمجة الحدسية عبر الذكاء الاصطناعي"، في إشارة إلى الاعتماد المكثف على أدوات الذكاء الاصطناعي لإنشاء الأكواد والأبحاث بسرعة، دون تحقيق العمق العلمي المطلوب.
وأثار منشور لفريد على منصة "لينكد إن" نقاشًا واسعًا بين الباحثين، كشف عن وجود حالات مشابهة لباحثين ينشرون عشرات الأوراق سنويًا، وسط ضغوط أكاديمية تدفع الشباب نحو الكم على حساب النوع.
مؤتمرات مرهقة ونظام مراجعة تحت الضغط
وحسب تقرير الغارديان، تعاني مؤتمرات الذكاء الاصطناعي الكبرى، وعلى رأسها مؤتمر NeurIPS، من تضخم هائل في عدد الأوراق المقدمة. فقد استقبل المؤتمر أكثر من 21 ألف ورقة هذا العام، مقارنة بأقل من 10 آلاف في عام 2020. أما مؤتمر ICLR، فقد سجل زيادة بنسبة 70% في عدد المشاركات خلال عام واحد فقط.
تشهد أبحاث الذكاء الاصطناعي أزمة متصاعدة في جودة المحتوى العلمي، وسط تحذيرات أكاديميين من تحوّل هذا المجال الحيوي إلى "سوق مزدحم" بالأوراق البحثية منخفضة الجودة
هذا التدفق الهائل جعل عملية التحكيم العلمي أقل صرامة من المجالات العلمية الأخرى كالكيمياء والطب، إذ تعتمد المؤتمرات غالبًا على طلاب دكتوراه ومراجعين شباب لتقييم عشرات الأوراق خلال فترات قصيرة، ما أدى إلى تراجع متوسط التقييمات وظهور شكوك حول استخدام أوراق مولدة أو محررة بالذكاء الاصطناعي.
من جهته، أكد كيفن تشو أن الأوراق نتاج عمل جماعي عبر شركته التعليمية التي تُدعى Algoverse، والتي تقدم برامج إرشادية مدفوعة لطلاب الثانوية والجامعات. وأوضح أنه يشرف على تصميم المنهجيات وقراءة المسودات النهائية، فيما تستعين الفرق بالأدوات التقنية الشائعة مثل مدققات اللغة ومديري المراجع، وأحيانًا نماذج لغوية لتحسين الصياغة.
ورغم ذلك، يرى منتقدون أن هذا التبرير لا يفسر كيف يمكن لشخص واحد أن يضع اسمه على أكثر من 100 ورقة في عام واحد بمساهمة علمية حقيقية.
أزمة أعمق من مجرد أوراق مزيفة
لا تقتصر المشكلة على حالة فردية، بل تمتد إلى ما هو أوسع، حيث باتت منصات مثل arXiv مليئة بأبحاث غير محكمة تُقدَّم للجمهور على أنها "علمية"، فيما استخدمت بعض المؤتمرات بالفعل الذكاء الاصطناعي لمراجعة الأوراق، ما أدى إلى تقارير تحكيم مليئة باستشهادات وهمية وملاحظات نمطية. ويرى خبراء أن هذا الواقع خلق فجوة عميقة بين الإنتاج العلمي الحقيقي والضجيج المحيط به، حتى إن المختصين أنفسهم باتوا عاجزين عن متابعة ما يُنشر فعليًا.
ويحذر البروفيسور فريد طلابه اليوم من دخول مجال أبحاث الذكاء الاصطناعي في الوقت الراهن، بسبب "الهوس الجماعي" الذي أصاب هذا الحقل العلمي، مؤكدًا أن من يعمل بجد ويقدّم أبحاثًا متأنية أصبح في وضع أضعف من أولئك الذين يراكمون أوراقًا سريعة وضعيفة الجودة. ويضيف: "من السهل اليوم أن تزيد عدد منشوراتك إذا أردت فقط اللعب على الكمية، لكن من يريد عملًا علميًا حقيقيًا أصبح في موقف الدفاع".






