فوز ترامب كانتصار للتمرّد

فوز ترامب كانتصار للتمرّد

تحذير على البيت الأبيض لـ دينو/ الأرجنتين

كيف صعد ترامب لسدّة الحكم في أقوى دول العالم؟ أو كيف بات مثالًا نموذجيًا لمقولة غاندي "في البداية يتجاهلونك ثم يسخرون منك ثم يحاربونك ثم تنتصر"؟، ربما البحث عن الإجابة ستسيل كثيرًا من الحبر لن ينتهي حتى بعد نهاية عهدة ترامب، وهي إجابة ستتمثل قطعًا ورقات بحث وربما أطروحات في العلوم السياسية، وتحديدًا في مبحث الأفكار السياسية، وكذلك علم الاجتماع الانتخابي وغيرها من العلوم.

يمكن قراءة صعود ترامب من عدة منطلقات وزوايا ولكن هناك زاوية وفرضية يجب الاهتمام بها، قد يمثل ترامب التجسيد الأكثر تأكيدًا لها، وهي التي تتعلّق بكسر المشهد السياسي التقليدي وتجاوز الفاعلين الكلاسيكيين لفاعلين جدد يمثلون بالنهاية اختراقًا لما يهوى البعض بتسميته المؤسسة الرسمية سواء داخل الأحزاب الرئيسية أو داخل المشهد الحزبي برمّته.

منذ الحرب العالمية الثانية، يحكم أمريكا وأوروبا اختزالًا وفق نموذج الطيف السياسي العالمي أحزابًا تنتمي عمومًا إلى تيارين واسعين. التيار الأول هو تيار يمين الوسط كالحزب الجمهوري في أمريكا، والتيار الديجولي في فرنسا، وحزب المحافظين في بريطانيا، والإتحاد الديمقراطي المسيحي في ألمانيا، وحزب الشعب في أسبانيا، وهي عمومًا توصف ضمن التيار المسيحي التقدمي أو المحافظ الليبرالي.

مثّل صعود ترامب الاختراق والنموذج الأكثر تمثيلًا للانفلات، على ما يمكن تسميته بالنظام التقليدي من جهة اليمين

أما التيار الثاني فهو تيار يسار الوسط كالحزب الديمقراطي في أمريكا، والحزب الاشتراكي في فرنسا وألمانيا وأسبانيا، وحزب العمال في بريطانيا، وهي أحزاب اشتراكية ملبرلة أو عمالية معولمة.

اقرأ/ي أيضًا: انتصار ترامب.. صفعة في وجه العقلانية السياسية

لم يكن الناخب الأمريكي أو الأوروبي طيلة عقود إلا أمام الخيار بين هذا التيار أو ذاك، كانا يلعبان الكراسي الموسيقية في كل انتخابات، وظلت الأحزاب والحركات السياسية الأخرى التي يهرع العديد لوصف أغلبها بالمتطرفة، بعيدة عن مجال المنافسة.

بيد أنه في العقد الأخير، بدأت تيارات من داخل التيارات والأحزاب الكلاسيكية ترتفع أصواتها بعيدة عن الخط التقليدي. في هذا الجانب، مثّل صعود ترامب الاختراق والنموذج الأكثر تمثيلًا للانفلات، على ما يمكن تسميته بالنظام التقليدي من جهة اليمين. فترامب هو سليل حركة الشاي داخل الحزب الجمهوري، ولم يحظ بدعم من المؤسسة الرسمية للحزب، بل يكاد لم يوجد مرشح في تاريخ الانتخابات الأمريكية، أعلنت قيادات رفيعة في حزبه أنها ستصوّت للمنافس.

وفي الواقع لم يكن ترامب الاستثناء الوحيد لهذا "الانفلات" عن الخط التقليدي سواء في أمريكا وأوروبا في العقد الأخير. فبخصوص التيار الأقرب للوصف اليساري في خريطة الطيف السياسي، يوجد كوربن "اليساري الراديكالي" الذي صعد مؤخرًا كزعيم لحزب العمال البريطاني، وقبله وصل حزب "يساري متشدد" للحكم في اليونان، كما تفوق حزب يساري شبابي في إسبانيا، ولعله يمكن استذكار ظاهرة مرشح أقصى اليسار ميلونشون المشاكس في الانتخابات الرئاسية الفرنسية الأخيرة.

بل لعلّ المثال الأكثر نموذجية هو بيرني ساندرز المرشح التمهيدي في الحزب الديمقراطي الذي شكل ظاهرة، وهو الذي يقود الخط الأكثر يسارية في تاريخ الحزب، وهو التيار الواعد داخله اليوم.

أما بخصوص التيار اليميني، فقد حققت الأحزاب القومية الفاشية نجاحات باهرة في أوروبا في السنوات الأخيرة، وعاد ما يسمى بالنازيين الجدد في ألمانيا وباتت تلقى أطروحاتهم رواجًا في المجتمع خاصة بعد موجات الهجرة وتنامي الكراهية ضد المهاجرين.

اقرأ/ي أيضًا: ترامب الواضح... ترامب الجميل

وفي فرنسا، يجيء مثال ماري لوبان التي من المنتظر أن تكون منافسة جدية في انتخابات ماي القادم. وفي أمريكا، مثلت حركة الشاي تجاوزًا للخط التقليدي للحزب الجمهوري نفسه، ونائب ترامب هو أحد رواد هذه الحركة.

لماذا بات المواطنون ينتخبون غير الكلاسيكيين يمينًا أو يسارًا؟ وكيف أصبح "المنفلتون" و"المتمردون" فاعلون رئيسيون؟

لماذا بات المواطنون ينتخبون غير الكلاسيكيين سواء يمينًا أو يسارًا؟ وكيف أصبح "المنفلتون" و"المتمردون" فاعلون رئيسيون وليس مجرّد أصوات هامشية لا صدى لها؟ هل هي "ثورة" على النظام السياسي أو "كفر" بالسياسيين الكلاسيكيين؟ لماذا سئم المواطن ذلك السياسي الذي ينمق كلامه ويسعى لترتيبه بعناية كما سخر ترامب نفسه منهم؟ هل يمكن أن نطرح الديمقراطية التمثيلية كآلية للحكم في قفص الاتهام؟ هل هو عقم الطبقة السياسية أم تجديدًا لها؟

هذه الأسئلة التي يجب أن نبحث جميعًا عن أجوبتها، وأن نفكر فيها ونتجادل حولها، لنفهم نحن العرب ما يحدث في العالم من حولنا، ذلك لأنه لازالنا منذ أمد في طور المتقبل والمتلقي الذي يجب عليه على الأقل أن يفهم كيف يتحرك الفاعل وكيف يراه.

يجب علينا جميعًا أن نكف على السخرية أو يجب فعلًا أن نسخر، لكن من "السائد"، وما يظهر ثابتًا لا يتحرّك حتى نكاد نقدّسه، ولعله في ذلك بعض درس. ويجب أن نتزلزل مع الزلازل من حولنا، علّنا نجد مساحات أفضل للتحرّك، فيكون ذلك أفضل من الخمود بين أحشائها.

إنه التمرّد المثير المحفّز لنواصل المسيرة في هذا العالم القبيح والرتيب. نحن بحاجة للإثارة كي لا نموت أحياء ونحن ندّعي الحركة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

حين أخرجت أمريكا إصبعها الوسطى للعالم

مصارع إلى الحلبة السياسية!