فوز آبي أحمد يربك حسابات القاهرة: سد النهضة والبحر الأحمر في قلب القلق المصري
24 يونيو 2026
حقق حزب الازدهار الحاكم في إثيوبيا، بزعامة رئيس الوزراء آبي أحمد، فوزًا واسعًا في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، بعدما حصد نحو 438 مقعدًا من أصل 501، بما يعادل قرابة 90% من مقاعد البرلمان، في اقتراع جرى وسط استبعاد إقليم تيغراي وبعض مناطق إقليم أمهرة من التصويت، على خلفية الأوضاع الأمنية المضطربة هناك.
وبهذه النتيجة، التي تقترب إلى حد كبير من حصيلة الحزب في انتخابات عام 2021، يكرّس آبي أحمد وحزبه هيمنتهما على المشهد السياسي الإثيوبي لأربع سنوات مقبلة، متجاوزين ما طُرح خلال الفترة الماضية بشأن صعود التيارات المعارضة وتراجع شعبية حزب الازدهار في الداخل.
ولا شك أن مخرجات هذه الانتخابات، سواء من حيث تجديد الثقة في آبي أحمد أو من حيث حجم الفوز الكبير الذي حققه حزبه، لم تمر مرور الكرام في القاهرة، التي تابعت الاستحقاق الإثيوبي بترقب واضح، انطلاقًا من قناعة بأن نتائج الانتخابات ستنعكس بصورة مباشرة على طبيعة الموقف الإثيوبي خلال المرحلة المقبلة تجاه عدد من الملفات الحساسة التي تنظر إليها مصر باعتبارها خطوطًا حمراء تمس أمنها القومي، فما الذي يقلق القاهرة من هذا الفوز؟
أولا ماذا يعني هذا الانتصار؟
يعني هذا الانتصار، وبهذه النسبة الكبيرة، أن آبي أحمد سيواصل الإمساك بزمام المشهد السياسي في إثيوبيا خلال السنوات المقبلة، بما يضمن استمرار النهج ذاته والسياسات نفسها التي تبناها خلال الأعوام الماضية، وهي سياسات راهن البعض على أن الشارع الإثيوبي قد ينقلب عليها، قبل أن تأتي نتائج الانتخابات لتبدد تلك الرهانات وتؤكد قدرة الحزب الحاكم على الحفاظ على موقعه داخل المعادلة السياسية.
يبقى ملف سد النهضة في مقدمة الهواجس المصرية إزاء فوز آبي أحمد، ليس فقط باعتباره الملف الأكثر حساسية في العلاقات بين القاهرة وأديس أبابا، بل لأنه تحول في الخطاب الإثيوبي الداخلي إلى مشروع قومي شديد الرمزية
كما تكشف هذه النتيجة أن المعارضة الإثيوبية، التي عوّل عليها خصوم آبي أحمد داخليًا وخارجيًا، لم تكن بالمستوى التنظيمي أو السياسي القادر على إنهاء حقبته أو إحداث تحول حقيقي في موازين القوى، بل إن السنوات الثلاث الأخيرة شهدت تعزيزًا لموقعه السياسي، مدفوعًا بتنامي علاقاته مع بعض القوى الإقليمية التي وفرت له قدرًا من الدعم السياسي والاقتصادي، وأسهمت في تثبيت نظامه في مواجهة التحديات الداخلية المعقدة التي عرفتها البلاد.
وبناءً على هذه المخرجات، يدخل آبي أحمد وحزبه وتياره السياسي مرحلة جديدة من الحكم، مستندين إلى غطاء داخلي واسع يمنحهم هامشًا أكبر للاستمرار في السياسات القائمة، حتى تلك التي أثارت خلافات داخلية وخارجية، وهو ما يعني، في الحد الأدنى، بقاء الوضع على ما هو عليه، وربما انتقاله إلى مزيد من التشدد في الملفات التي تبناها رئيس الوزراء الإثيوبي خلال المرحلة السابقة.
سد النهضة.. هاجس القاهرة الأكبر
يبقى ملف سد النهضة في مقدمة الهواجس المصرية إزاء فوز آبي أحمد، ليس فقط باعتباره الملف الأكثر حساسية في العلاقات بين القاهرة وأديس أبابا، بل لأنه تحول في الخطاب الإثيوبي الداخلي إلى مشروع قومي شديد الرمزية، وظّفه رئيس الوزراء الإثيوبي لتعزيز شعبيته وتقديم نفسه بوصفه الزعيم القادر على تحدي الضغوط الإقليمية والدولية دفاعًا عن حق بلاده في التنمية.
ومن ثم، فإن هذا التوظيف السياسي والدعائي للمشروع يجعل من الصعب، بعد هذا الفوز الكبير، أن يتراجع آبي أحمد عن مواقفه السابقة أو يبدي مرونة جوهرية في التعاطي مع المطالب المصرية والسودانية المتعلقة باتفاق قانوني ملزم بشأن تشغيل السد وإدارته.
فعلى الرغم من الضغوط التي مارستها القاهرة والخرطوم، إلى جانب مسارات الوساطة التي قادها الاتحاد الأفريقي وبعض القوى الدولية، مضت أديس أبابا في مسارها دون استجابة حقيقية للمخاوف المصرية، وأصر آبي أحمد على استكمال بناء السد وصولًا إلى اكتماله وافتتاحه رسميًا في أيلول/سبتمبر الماضي، وبذلك لم يعد السد مجرد مشروع تنموي في حسابات القيادة الإثيوبية، بل بات أحد أعمدة الشرعية السياسية لآبي أحمد، وربما إحدى أهم أوراقه في تثبيت صورته داخليًا.
وكانت القاهرة تراهن، أو على الأقل تأمل، أن تفضي الانتخابات الإثيوبية إلى تغيير في موازين القوى الداخلية، بما قد يفتح الباب أمام قيادة أكثر استعدادًا للتفاهم أو أكثر مرونة في مقاربة ملف السد، غير أن فوز آبي أحمد وحزبه بهذه النتيجة الواسعة يعني، عمليًا، استمرار النهج ذاته، وبقاء أديس أبابا على موقفها المتشدد في مواجهة المقاربة المصرية، الأمر الذي يجعل مستقبل سد النهضة أحد أبرز مصادر القلق لدى صانع القرار في القاهرة.
القرن الافريقي .. صداع في رأس الأمن القومي المصري
لم يتوقف القلق المصري من مخرجات الانتخابات الإثيوبية عند حدود ملف سد النهضة فحسب، بل امتد إلى ملف لا يقل خطورة وحساسية، يتعلق بالتحركات الإثيوبية المتصاعدة في القرن الأفريقي، وما تحمله من احتمالات تحويل تلك المنطقة إلى ساحة مفتوحة لأجندات دولية وإقليمية متشابكة، في مقدمتها الأجندة الإسرائيلية، في ظل فتح أديس أبابا المجال أمام تل أبيب لتعزيز حضورها في واحدة من أكثر المناطق أهمية من الناحية اللوجستية والاستراتيجية لمصر وللعديد من الدول العربية والإقليمية.
وتنظر القاهرة بقلق خاص إلى مساعي حكومة آبي أحمد للحصول على منفذ مباشر على البحر الأحمر أو خليج عدن، في محاولة للخروج من القيود الجيوسياسية والاقتصادية التي تفرضها وضعية إثيوبيا كدولة حبيسة، غير أن هذا الطموح الإثيوبي يصطدم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بالمقاربة الأمنية المصرية التي ترى في أي تمدد إثيوبي نحو البحر الأحمر تحولًا استراتيجيًا بالغ الحساسية، قد ينعكس على توازنات الأمن الإقليمي ومصالح مصر الحيوية.
فمنذ توقيع إثيوبيا مذكرة تفاهم مع أرض الصومال مطلع عام 2024، بما يتيح لها إمكانية الوصول إلى شريط ساحلي واستخدامه لأغراض بحرية وتجارية، دخلت المنطقة في موجة جديدة من التوتر، فمن وجهة النظر المصرية لا يمكن فصل هذه التحركات عن محاولات إعادة تشكيل ميزان القوى في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، ولا عن النزاع الممتد مع أديس أبابا حول سد النهضة.
ولا تتعامل مصر مع محاولة أديس أبابا الحصول على منفذ بحري باعتبارها تحركًا اقتصاديًا بحتًا، كما تروج الرواية الإثيوبية، بل تنظر إليها بوصفها خطوة تحمل أبعادًا عسكرية وسياسية محتملة، يمكن توظيفها مستقبلًا كورقة ضغط في بيئة إقليمية شديدة الحساسية، وهو ما يفسر تحرك القاهرة خلال الفترة الماضية لإعادة ترتيب أوراقها في القرن الأفريقي، عبر تعزيز تقاربها مع كل من إريتريا والصومال، في محاولة لموازنة الطموح الإثيوبي واحتواء تداعياته.
ومع استمرار آبي أحمد في منصبه لسنوات مقبلة، تتزايد المخاوف المصرية من بقاء السياسات الإثيوبية على نهجها الحالي، سواء في ملف سد النهضة أو في مساعي التمدد داخل القرن الأفريقي والبحث عن موطئ قدم على البحر الأحمر، ومن ثم، فإن القاهرة لا ترى في هذا الفوز مجرد استحقاق داخلي إثيوبي، بل تنظر إليه باعتباره مؤشرًا على استمرار مقاربة إقليمية قد تضع الأمن القومي المصري أمام تحديات متصاعدة من عمقه الأفريقي والبحري معًا.