12-ديسمبر-2020

المفكر الفلسطيني - الأردني فهمي جدعان (1940)

"طائر التمّ: حكايات جنى الخطى والأيام"، هو العنوان الذي اختاره المفكر الفلسطيني – الأردني فهمي جدعان (1940)، لسيرته الذاتية الصادرة حديثًا عن "الدار الأهلية" في العاصمة الأردنية عمان، جامعةً بين دفتيها حصيلة أكثر من سبعة عقودٍ من الزمن، رواها أستاذ الفلسفة والفكر الإسلامي بلغةٍ أدبية رأى أنها، على عكس الخطاب الفلسفي، قادرة على الكشف عن الكينونة الإنسانية وأغوار الوجود وحيله.

استهل مؤلف "مرافعة المستقبلات العربية الممكنة" سيرته الذاتية بالحديث عن نكبة عام 1948، باعتبارها حدثًا مفصليًا مؤسسًا في حياته الشخصية، كما في حياة ملايين الفلسطينيين، وحكاية مركزية يجب أن تروى عبرها وانطلاقًا منها بقية الحكايات، بالإضافة إلى أنها الجزئية التي تمكنه من مزج الهم الشخصي، بمعناه الضيق، بالهواجس الجماعية التي تمنح عملية توثيقه لما عايشه واختبره على مدى سبعين عامًا، بُعدًا أكثر اتساعًا يمكّن السيرة من تجاوز الشكل التقليدي للمذكرات الفردية، خصوصًا وأنها تنطلق في الأساس من أحداث وتحولات جماعية ومفصلية مختلفة، تعتبر المسؤولة عن صياغة تفاصيلها.

تقدم سيرة فهمي جدعان سجلًا عامًا للذات الجمعية الفلسطينية من جهة، وترصد أيضًا حركة الوعي الفلسطيني المقاوم الذي تنل منه النكبة من جهةٍ أخرى

يبدأ فهمي جدعان رواية سيرته بالعودة إلى طفولته، المرحلة الزمنية التي أنتجت داخله، بحسب تعبيره، "الأنا" الهش والقَلِق والمغيب، ودفعته أيضًا نحو خلق قاع نرجسية مقاتلة، تحمل أعراض الخوف والقلق، وتطلب تقدير الذات والدخول في دائرة الإبصار والمرئي، بهدف مواجهة تلك الأنا وما تحمله، إذ يؤكد في هذا السياق أن الشخص غالبًا ما يكون نتاج طفولته، على الأقل في جوانب معينة.

اقرأ/ي أيضًا: وجيه غالي في يومياته: "لماذا لا أكف عن هذا الإذلال؟"

وإلى جانب طفولته، تحضر قرية المفكر الفلسطيني، عين الغزال، داخل سيرته بوصفها مسرحًا لأحداث تلك الطفولة من جهة، والمكان الذي صاغ، بابتعاده القسري عنه وتهجيره منه، شيئًا من شخصيته من جهةٍ أخرى. فالقرية التي هاجمتها الميليشيات الصهيونية ليلة الـ 22 من أيار/ مايو 1948، غادرها جدعان صغيرًا ممسكًا بيد أمه نحو المجهول، واصفًا ذلك المشهد الذي لا يزال راسخًا في ذاكرته بقوله: "كان الظلام دامسًا والطريق أمامنا غائضة الملامح.. كنت أرتعد وأضطرب اضطرابًا عنيفًا وأمي تشد على يدي أو تضغط على رأسي وتحتضنني بين الحين والآخر لتهدئ من روعي.. وظللت أسير بقدميّ الحافيتين اللتين أصبح الدم يتفجر من الجروح التي أصابتهما".

احتفظ فهمي جدعان بهذا المشهد في ذاكرته أكثر من 70 عامًا، ولعل أكثر ما ترسّخ منه في وجدانه، هو الخوف الذي اختبره بصحبة عائلته ومن رافقهما في رحلة التهجير تلك، ذلك الذي لا يزال مرافقًا له حتّى هذه اللحظة. يقول: "فأنا إلى اليوم أمر بتجربة الخوف في كثير من المسائل والأمور.. حتى في العمل الإداري كنت أجنح إلى السلم واجتناب القرارات العنيفة القاسية وفي كتاباتي الفكرية المبكرة كنت أجتنب الدخول في معارك فكرية".

مغادرة القرية تلاها مغادرة البلاد بأكملها نحو الأردن، ومنها إلى العاصمة السورية دمشق، حيث استقر جدعان برفقة والدته وأخته وعمته في مخيم الأليانس، بالقرب من حي اليهود. هناك، تغيرت أحوال العائلة المهجرة، واختبرت لأول مرة العيش داخل خيمة وصفها جدعان بأنها: "عالم ذو معنى وذو حدود.. حين تأتي إليها من المدينة، تأتي إلى الفراغ، إلى غياب الأفق تسيجك بغطاء ذي لهب لا يطاق في الصيف، وتزنرك بثوب كله خروق تنهال منها المياه وتضربها وتقلع أخدودها كالأعاصير في الشتاء".

ويضيف صاحب "المحنة: بحث في جدلية الديني والسياسي في الإسلام" أن الخيمة، في تعريفها الأدق: "عالم منقوص يفتقر إلى معنى الوجود.. يفرض في ضلوعك الوجع وانكسار الروح، الخيمة كائن بلا حراسة، لا قيم، لا معيل.. للخيمة بابان، بل فتحتان، إحداهما تأخذك إلى العدم والثانية تأخذك إلى الوجود".

استهل فهمي جدعان سيرته الذاتية بالحديث عن نكبة عام 1948 باعتبارها حدثًا مفصليًا في حياته وحياة ملايين الفلسطينيين

اقرأ/ي أيضًا: فرجينيا وولف في سيرتها.. أسئلة الزمن والموت

وباستعادته للخيمة، يأتي جدعان على ذكر تفاصيل وحكايات متعلقة بها، منها حكاية شقيقته التي يتذكرها واقفة أمامها يوميًا لتراقبه، بينما تبكي، وهو يسلك طريقه نحو المدرسة، إذ إن الظروف المادية البائسة للعائلة الفلسطينية الصغيرة المهجرة، لم تسمح بإدخالهما معًا إلى المدرسة التي شكلت مدخلًا رئيسيًا لجدعان نحو عالمه الفكري، ذلك الذي وصل إليه بعد رحلة طويلة عبَر فيها أمكنة عدة، وصادف خلالها شخصيات فكرية وسياسية وأدبية مختلفة، استعادها في كتابه هذا عبر أسلوب يجمع بين الأدب والفلسفة.

تأتي أهمية سيرة فهمي جدعان من كونها تقدّم سجلًا عامًا للذات الجمعية الفلسطينية من جهة، وترصد أيضًا حركة الوعي الفلسطيني المقاوم الذي لم تنَل منه النكبة، بحسب الكاتب والشاعر الفلسطيني زهير أبو شايب، من جهةٍ أخرى. في المقابل، رأى الكاتب والناقد الفلسطيني فيصل درّاج أن السيرة تابعت تحولات عالم عربي طويل الاحتضار، ورصدت أقدار لاجئ يلبي ارادته ولا ينصاع لأحد.

 

اقرأ/ي أيضًا:

كتاب "إما نحن وإما هم".. سيرة عبد القادر الحسيني

سورين كيركغارد في سيرته: "أنا فيلسوف الفرد"