فنّ المهمشين في دولة الفضيلة.. معارك الإقصاء باسم القانون

فنّ المهمشين في دولة الفضيلة.. معارك الإقصاء باسم القانون

حمو بيكا (فيسبوك)

حين ضيّقت الدولة المصرية الخناق على كل شيء وترهلت بيروقراطيتها وسيطرتها على الفن، إلى حد إقصاء آراء الناس وعدم الاكتراث لما يريدونه، تكوّنت دولة صغيرة داخل الدولة، هي دولة الصعاليك والمهمشين، دولة صغيرة تتمرد على القوالب المعدة سلفًا للفن وأشكاله، تلك الدولة الصغيرة، تكمن كل قوتها في انغماسها داخل بيئتها، واستخدامها لمفردات هذه البيئة، والحديث عن همومها ومشاكلها وأعبائها التي لم تعد الدولة الرسمية بأجهزتها تلتفت لها كثيرًا، بل باتت تتعامل مع أهل هذه المدينة الصغيرة على أنهم غوغاء غير متذوقين للفن، وغير مستحقين للالتفات.

نتيجة التضييق والرقابة، تكوّنت دولة صغيرة داخل الدولةالمصرية ، هي دولة الصعاليك والمهمشين، دولة صغيرة تتمرد على القوالب المعدة سلفًا

على الرغم من استمرار هذه الدولة وأجهزتها في التصدي لكل هفوة ولفتة تصدر من كل ممارس للفن تبدو فيها شبهة اعتراض على الاستبداد من بعيد أو قريب، إلا أنها لم تكتف بالسيطرة داخل حدودها وامتدت أيضًا لتشمل حتى حدود دولة المهمشين المعدمين الصغيرة، الذين يتحركون خارج الدولة وخارج قوالبها وتنظيماتها المدققة والخانقة لأشكال التعبير التي لا تأتي على هواها، وقد واجهت الدولة المدججة بأسلحة الأخلاق الحميدة فناني الهامش بكل وسيلة ممكنة، بالقانون، بالتعالي والقدح والانتقادات، خاصة إذا كان أحد فناني الهامش يغني كلامًا لا يدعم جيشها وشرطتها وأجهزتها التنفيذية، كما يفعل محمد رمضان الذي لا يغني كما يغني عبد الحليم أو أم كلثوم، الأنموذجين الكلاسيكيين للفن الرفيع في خطابات الدولة المصرية، إلا أن له كل عام مسلسل كامل تُعرض حلقاته على شاشات التلفاز في رمضان، وله أغانِ مرصودة في إعلانات تجارية يقبض منها الملايين، لكن رمضان هو أحد الوجوه التي تستخدمها الدولة أيضًا لدعم وجودها الفني.. وهو على هواها.

سلطة القانون.. ممنوع من الغناء

حمو هو تحريف لاسم محمد، اسم متداول ودارج في الأحياء الشعبية في القاهرة، وهو مطرب شعبي للون من الغناء الشعبي يُدعى المهرجانات، ستجد له مريدين ومحبين من جميع فئات الشعب المصري، لتمرس هؤلاء في الكلمة غير المألوفة، والموسيقى الشعبية الدارجة التي تجدها جوار محلات "الكُشري"، الأكلة المصرية الشعبية المعروفة، وإن كنت في القاهرة فقد ظهر حمو بيكا في حي المطرية، الحي الذي يُطلق عليه المصريون جملة مجازية بليغة "مطرية يا دولة"، أي أنها دولة المطرية التي تخافها الحكومة، ربما لكثافة سكانها، وربما لقدرة سكانها على الوقوف في أكثر من مناسبة ضد الحكومة. لكنه يبقى أكبر الأحياء الشعبية في مصر، وأكثرها جدلية.

اقرأ/ي أيضًا: "المهرجانات".. في مدونة الموسيقى المصرية

الجدير بالذكر أن أغاني المهرجانات نشأت خارج ما يمكن تسميته بتنظيم الدولة المصرية، أو "بمعنى أكثر تحديدًا دون حماية من الأُطر القانونية، التي رسختها الدولة على مدار عقود، بهدف تقييد حرية الإبداع. ولم تكترث المؤسسة التشريعية بالعمل على تنقيح القوانين المخالفة لنصوص الدستور، الذي تم إقراره في عام 2014، والذي يكفل حرية الإبداع". كما أوردت مؤسسة حرية الفكر والتعبير في تعليقها عن الموضوع.

حمو بيكا له مقاطع مصورة لأغانيه على اليوتيوب، تصل نسب مشاهداتها إلى الملايين، لكن الدولة المصرية وضعته، هو تحديدًا، على مشانق المنع والمحاكمة والتضييق، وإذا عُرف السبب بطل العجب، لكن لا بد من البداية من فهم السياق القانوني لهذه القصة.

وفّر الدستور المصري ضمانات من خلال حزمة من الحقوق و الحريات، من بينها حرية التعبير والإبداع الفني، المكفولة وفق المادة 67 التي تنص على أن: "حرية الإبداع الفني والأدبي مكفولة، وتلتزم الدولة بالنهوض بالفنون والآداب، ورعاية المبدعين وحماية إبداعاتهم، وتوفير وسائل التشجيع اللازمة لذلك. ولا يجوز رفع أو تحريك الدعاوى لوقف أو مصادرة الأعمال الفنية والأدبية والفكرية، أو ضد مبدعيها، إلا عن طريق النيابة العامة، ولا توقع عقوبة سالبة للحرية في الجرائم التي ترتكب بسبب علانية المنتج الفني أو الأدبي أو الفكري".

نشأت أغاني المهرجانات خارج ما يمكن تسميته بتنظيم الدولة المصرية، أو "بمعنى أكثر تحديدًا دون حماية من الأُطر القانونية

المشكلة في هذا التعريف هو ما تلجأ له السلطة المصرية في كل مرة حين تمنع عملًا فنيًا ليس على هواها، فهي لا تقدم تعريفًا واضحًا للإبداع وتحتفظ لنفسها بسر هذا التعريف الغامض، وبناءً عليه تجيز عملًا أو تمنعه. ولكي تجيز الدولة عملًا إبداعيًا كأغنية مثلًا فإنه يجب أن تمر هذه الأغنية وهذا "المصنف" الفني بعدة مراحل أولها " قابة الموسيقيين"، التي يشترط القانون على الفنان أن يكون مقيدًا بها أو حاصلًا على تصريح مزاولة لمرة واحدة، ويكون هذا التصريح قابلًا للتجديد. كما يلزم القانون أيضًا بالحصول على تصريح من جهاز الرقابة على المصنفات الفنية، وهو الجهة الوحيدة المسؤولة بشكل قانوني عن المحتوى أو كلمات الأغاني في هذه الحالة.

اقرأ/ي أيضًا: "عبسلام".. زمن الثقافة المصرية

تنص المادة 178 من قانون العقوبات المصري رقم 58 لسنة 1937 على: "يُعاقَب بالحبس مدة لا تزيد على سنتين وبغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه، ولا تزيد على عشرة آلاف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من نشر أو صنع أو حاز بقصد الاتجار أو التوزيع أو الإيجار أو اللصق أو العرض مطبوعات أو مخطوطات أو رسومات أو إعلانات أو صورًا محفورة أو منقوشة أو رسومًا يدوية أو فوتوغرافية أو إشارات رمزية، أو غير ذلك.. من الأشياء أو الصور العامة إذا كانت خادشة للحياء العام".

ما يعني أن كثيرًا من المطربين غير الخاضعين لسلطة الدولة مثل حمو بيكا أو غيرهم، ممن يمثلون بيئاتهم ومجتمعاتهم الصغيرة داخل الدولة الكبيرة، معرضون للملاحقة بتهمة خدش الحياء أو رغم مخالفة ذلك للدستور المصري الذي يكفل حرية التعبير، وهو ما يعني أيضًا أن أي فنان لا يمكنه تأليف مقطوعة موسيقية، أو العزف أو    تأليف كلمات أغاني دون أن يمر بالمحطتين الأساستين لذلك بشكل رسمي نقابة الموسيقيين وجهاز الرقابة على المصنفات الفنية ثانيًا، وإلا أصبحت معرضًا للحبس لمدة 3 أشهر، وفقًا للقانون رقم 35 لسنة 1978 المنظِّم للنقابات الفنية. إضافة إلى ذلك، ثمة تهديد آخر وهو الحبس لمدة سنتين، وفقًا للقانون رقم 430 لسنة 1995 بشأن تنظيم الرقابة، بسبب ممارسة عمل فني سمعي، بدون الحصول على تصريح من وزارة الثقافة متمثلة في إدارة الرقابة على المصنفات الفنية.

حمو بيكا.. لماذا يُمنع هو تحديدًا؟

الحجج التي ساقتها الدولة الرسمية لمنع الرجل، تشي باذواجية المعايير لدى الدولة تجاهه، تدخلت الدولة بشكل رسمي لمنع ست حفلات له في مناطق مختلفة من البلاد، امتدت أزمة حمو بيكا إلى البرلمان المصري، حيث أحيلت طلبات إحاطة من نوابٍ إلى لجنة الثقافة والإعلام بمجلس النواب، بشأن ما أسموه "ظاهرة إفساد الذوق العام والإسفاف والابتذال في الأغاني الشعبية وتأثير ذلك على المجتمع" بحسب ما نشرته تقارير صحفية. كما تقدم أحد المحامين بإنذار على يد محضر ضد هاني شاكر بشخصه وبصفته نقيب المهن الموسيقية يطالبه بعدم السماح بمنح تصاريح للعمل الموسيقي لكل من حمو بيكا ومجدي شطة (غريمه الأساسي"، مطربي المهرجانات، وذكر في الإنذار رقم 20811 سنة 2018، أن منح شاكر تلك التصاريح يعد إخلالًا بواجبات وظيفته، ويؤدي إلى إفساد الذوق العام.

وعلى الرغم من ادعاء نقابة الموسيقيين عدم حصول بيكا على تصاريح لإقامة حفل، فإن جريدة صوت الأمة نشرت صور إيصالات دفع نقدي وقَّع عليها بيكا لصالح نقابة المهن الموسيقية بقيمة (مائة دولار تقريبًا) 1500 جنيه و3000 جنيه (مائتي دولار) نظير إقامة حفلين في أواخر 2018، أي أنها حصلت منه الرسوم ومنحته تصاريح وهمية.

شنت الدولة حربًا شعواء لمنع حمو بيكا من الظهور في فيلم، حيث تدخلت نقابة المهن الفنية بقيادة لوقف تعاقد شركة السبكي للإنتاج الفني مع بيكا

كما شنت الدولة حربًا شعواء لمنع بيكا من الظهور في فيلم، حيث تدخلت نقابة المهن الفنية بقيادة أشرف زكي لوقف تعاقد شركة السبكي للإنتاج الفني مع حمو بيكا. وفور إعلان الشركة عبر حسابها على موقع فيسبوك عن تعاقدها مع بيكا لأداء دور في فيلمها الجديد، أرسلت نقابة المهن التمثيلية خطابًا شديد اللهجة إلى الشركة، حذرت فيه الشركة من التعاون مع مطرب المهرجانات حمو بيكا، وقالت إنها لن تسمح بتواجد بيكا في عالم التمثيل، بل وهددت الرقابة كجهة بأن تمنع الشركة كلها من ممارسة أي نشاط فني وإغلاقها.

اقرأ/ي أيضًا: كايروكي وحمو بيكا.. من يغني للشارع المصري؟

الجدير بالذكر أن بيكا خضع لاختبارات نقابة المهن الموسيقية في شباط/فبراير 2019، إلا أنها رفضت منحه أي تصريح للغناء، وأخرجت الدولة الموسيقار حلمي بكر لينتقد حمو بيكا في أحد البرامج، قائلًا عنه حمو بيكا مش محتاج نقابة ده محتاج البوليس". وأضاف أن من تقدموا للقيد بنقابة الموسيقيين تم رفضهم ليس لأن أصواتهم سيئة لان كلماتهم "قبيحة" على حد قوله.

والعجيب في هذا المقام أن يتحدث حلمي بكر الذي يقدس ام كلثوم وحليم، أن ينسى أن حليم نفسه أشاد بالمغني الشعبي أحمد عدوية الذي لم يكن يغني لجبران خليل جبران، وإنما كان يغني "السح الدح أمبو" وهي أغنية شعبية حفظها الكبير قبل الصغير في مصر، ولم يفسر أحد لماذا يُترك محمد رمضان ليغني أغاني من نوعية "نمبر وان" و"مافيا".

النموذج الذي قدمه بيكا يختلف عن نموذج الفنان محمد رمضان، الذي استطاع أن يوفق أوضاعه بشكل ما، ويخلق ظهيرًا من الجمهور للدفاع عنه، كما سعى إلى التماهي مع السلطة الحالية، إلى حد أنه أنتج أغنية عام 2018 تحية للقوات المسلحة خلال احتفالات نصر أكتوبر بعنوان: جيشنا صعب.

أما السبب الذي إذا عُرف بطل العجب منه، هو أن بيكا، يُعلن عدائه بصوت عالِ للمنظومة الأمنية غير مكترث بأحد " ولا يكاد يخلو مهرجان واحد مما أداه بيكا من جملة واحدة على الأقل تدين أداء الشرطة، ومحاولتها ترسيخ ثقافة "الإرشاد" في المناطق الشعبية (يُقصد بالإرشاد الإشارة إلى عمل المدنيين مع ضباط أقسام الشرطة لإبلاغهم بمعلومات عن المواطنين في مناطق سكنهم).

يتجاهل بيكا المنظومة الشكلية القانونية للدولة المصرية الحارسة للفضيلة، دون مواربة أو خوف، ويشير في كل مناسبة إلى انتمائه للطبقة المعدمة في مصر، التي لا تملك إلا الانحياز لبيئتها، وهو لا يدعي أنه بطل وإنما يقدم نفسه على أنه الواقع الحقيقي للشارع الذي يغني منه، أما الجدلي فهو انحياز الدولة لغيره، ممن يشبهونه إلى حد بعيد، وحمايتهم قانونياً والسماح لهم بالغناء والتمثيل.

يستمر بيكا في تقديم نفسه للناس من خلال "البراح الرقمي" حيث يقوم بتحميل مقاطع غنائية له على اليوتيوب بشكل كثيف ومستمر متجاهلاً المعارك الرسمية التي تحيط به، وقد حصل من اليوتيوب على الدرع الفضي بسبب وصول عدد متابعي قناته الرسمية على الموقع إلى مليوني متابع.

يتجاهل بيكا المنظومة الشكلية القانونية للدولة المصرية الحارسة للفضيلة، دون مواربة أو خوف، ويشير في كل مناسبة إلى انتمائه للطبقة المعدمة في مصر

في تراثنا المصري، كان من المعتاد أن يتم تقديم الشعبي على أنه جزء من المرحلة الحالية، هناك كثير من الأغاني الشعبية بمصر، ألفها كبار الشعراء، لا تعبر إلا عن بيئتها مثل أغنية "يابو اللبايش يا قصب" التي ألفها عبد الرحمن الأبنودي و لحنها بليغ حمدي، والتي غناها كورال من الأطفال في فيلم "شيء من الخوف"، وهي الأغنية التي كانت في مشهد العُرس.

اقرأ/ي أيضًا: "توك توك".. بعيدًا عن السينما النظيفة

لعل المشهد المرتبك لا يتحمل قصة وجود الثنائيات المعتادة في هذا النوع من المعارك، فهنا لا توجد ثنائية السلطة والفن، لأن السلطة هنا تخوض صراعًا شخصيًا مع فن ينتقدها، ولا مانع لديها من تقديم نفس هذا الفن بمعاييره ومفرداته ولكن من خلال فنان يمجدها ويمدحها، وهي بذلك تخلق مساحة لمعارك غير مهمة، استثنى الشارع منها نفسه، بتحيزه الطبيعي لذوقه المعتاد ضد السلطة ووفقًا لمزاجه وهواه.

اقرأ/ي أيضًا:

رامز جلال ومحمد رمضان.. هل حقًا الجمهور "عايز كده"؟

محمد رمضان.. ممثل ومخرج ومؤلف ومصلّح ساعات!