فنلندا.. التعليم قبل الماء أحيانًا

فنلندا.. التعليم قبل الماء أحيانًا

التعليم يعد من أهم قطاعات الدولة في فنلندا (كيريل كاشمر)

عندما سألت وزيرة التعليم الفنلندية تولا هاتانين، عن كيفية إحداث نهضة شاملة ببلادها ووضع بلادها في مكان متقدم على خارطة المنافسة العالمية، قالت: "إنها مسألة بقاء، وليس لها من سبيل غير الاستثمار في التعليم والتدريب". ربما لا تسمع اسم فنلندا كثيرًا في ساحات السياسة وأزمات المنطقة في الشرق الأوسط، غير أنها تلك البلاد التي أنهكتها الصراعات السياسية والحروب العالمية قديمًا، ولكن تلك الدولة الإسكندنافية الصغيرة ركزت اهتماماتها بشكل أساسي على تطوير نظامها التعليمي، فتحولت من بلد اقتصادها قائم على الزراعة إلى حد كبير، إلى بلد ذي اقتصاد معرفي متقدم، من هنا لا غرابة إن كثُر الحُجّاج لفنلندا للاطّلاع والتعلّم من تجربتها الفريدة.

تنتهج فنلندا سياسة تربوية متطورة تعتمد على الإبداع وتطبيق نظرية الذكاءات المتعددة

حيث تشير الدراسات والبحوث في العقدين الأخيرين (من هذا القرن) إلى القفزة النوعيّة التي حقّقها نظام التعليم في فنلندا، فنتائج الامتحانات الدوليّة تضع فنلندا في طليعة الدول في التحصيل، ففي استطلاع مجلة "نيوزويك" لعام 2010 ورد أنّ "فنلندا تعتبر أفضل دولة في العالم من حيث الصحة والاقتصاد والتعليم والبيئة السياسيّة ونوعيّة الحياة، كما تعتبر فنلندا ثاني أكثر البلدان استقرارًا في العالم". ناهيك عن كونها أفضل دولة في مؤشر التعليم وفقًا لتقرير التنافسية العالمية حتى الآن.

لم يتوقف وهج الثورة التعليمية في فنلندا، فلم يكفها أن تكون أفضل دول العالم في كفاءة النظام التربوي وفقًا لآخر تقييمين لعامي 2003 و2006، تم إجراؤهم من قبل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. حيث أشارت التقييمات العالمية إلى أن نسبة التهرب من التعليم الإجباري انخفضت إلى 0.5% فقط. كما أن نسبة الرسوب في الصف تساوي 2% فقط. وفي مجال البحث العلمي، حصلت فنلندا عام 2005 على المرتبة الرابعة من حيث نصيب الفرد من المنشورات العلمية في دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، وفي عام 2007 سجلت 1801 براءة اختراع. حيث يريد المسؤولون عن التعليم إلغاء المواد الدراسية: من الآن لن تكون هناك دروس في الفيزياء والحساب والأدب والتاريخ والجغرافيا. فكيف سيتعلم طلابها؟.

اقرأ/ي أيضًا: المغرب.. جدل بعد وصف الفلسفة بـ"الزندقة والانحلال"

تؤكّد الرؤيا التربويّة في فنلندا على مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص بين جميع المتعلّمين، فالمدارس حكوميّة مدعومة ومموّلة من الدولة، ولا فرق في المستوى بين مدارس المدن أو الأحياء الميسورة والمدارس في مجمّعات قرويّة أو أحياء شعبيّة. وحظّ المدارس الخاصّة في فنلندا شبه معدوم، ولا تشجّع الدولة على فتح مثل هذه المدارس. فدستور البلاد يضمن حقّ التعليم المجانيّ للجميع وفي كلّ المراحل، ولا فصل أو عزلة للطلاب ذوي الاحتياجات الخاصّة، بل يتعلّمون مع بقية الطلاب، ويحظون كغيرهم بالعناية والاهتمام.

كما يحظى المعلّمون في فنلندا بمكانة مرموقة قد توازي مكانة الأطباء والمحامين، وربّما تزيد أحيانًا، فالمعلم لا يصبح مؤهلًا لمنصبه سواء في مدارس المرحلة الابتدائية أو الإعدادية أو الثانوية إلا إذا كان حاصلًا على درجة الماجستير، فالمعلم المرتقب يجب أن تكون درجاته جيدة جدًا وعليه أن يكافح من أجل أن يصبح معلمًا، ويعزى ارتفاع مستوى الأداء في مجال التدريس إلى الإجلال الذي تحظى به هذه المهنة من جهة وإلى الرواتب المرتفعة. كما أن رؤيا نظام التعليم في فنلندا تؤكّد على: (مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص بين جميع المتعلّمين، وحقّ التعليم المجانيّ للجميع وفي كلّ المراحل)، فمن هنا يمكن أن نستخلص أنّ الطالب هو محور العمليّة التعليميّة التعلّميّة في فنلندا، وهدف التعليم هو إعداد المتعلّم للحياة بإكسابه المهارات والمعارف والقيم التي تمكنّه من المساهمة في تقدّم وطنه ورفاهيته واقتصاده، وليحقّق نوعيّة حياة جيّدة مُرضية له ولأسرته وأبناء وطنه.

تعتمد السياسة التربوية في فنلندا على تكافؤ الفرص ومبدأ المساواة

يشرح مارجو كيلونين، مدير قسم التعليم في هلسنكي، كيفية تعليم الطالب بدون مناهج محددة فيقول، إن "هناك مدارس تتبع النظام القديم، الذي كان معمولًا به منذ عام 1900م، لكن الاحتياجات تغيرت الآن، ويتحتم علينا إنشاء نظام يناسب القرن الحادي والعشرين. فبدلًا من دراسة المواد بشكل منفصل، فسيدرس الطلاب الأحداث والظواهر من جوانب متعددة، حيث سيتم التركيز على موضوع معين من خلاله يمكن للطالب أن يحصل على مجموعة من المعلومات المرتبطة بعدة مواد في نفس الوقت".

فما هي الركائز الأساسية للمنهج الجديد في هذا البلد؟

أولًا: تطبيق نظرية الذكاءات المتعددة Multiple Intelligence

ثانيًا: الإبداع في التعليم

ومنذ ما يقارب عشر سنوات، وخلال حديثه على موقع TED، أشار كين روبنسون Ken Robinson إلى نقطة مهمة مفادها أن معظم الطلاب الذين يدرسون في الفصول الدراسية اليوم، سيلتحقون مستقبلًا بأسواق العمل، لا يمكن لأحد منهم أن يتصور كيف ستكون.

ما أشار إليه كين روبنسون أثار انتباه المسؤولين عن التعليم في فنلندا، فالمدارس لا تعلم الطالب مهارات التفكير مثل النقد والمنطق والإبداع والتفكير العملي، ولا تعلمه كيف يخطط لنفسه ويستغل وقته، بل تكتفي بتلقينه بعض المعلومات والنصائح التي ينساها فور خروجه من الفصل. وبصيغة أخرى فهي لا تؤهله لمواجهة المستقبل الذي لا يعلم عنه شيئًا، بل تكتفي بتلقينه بعض المهارات والمعارف الجامدة، والتي وإن كانت مفيدة في عالم اليوم، فهي لن تكون بالضرورة كذلك في عالم الغد. يمكن الذهاب إلى أبعد من ذلك والقول إن المدارس قد تقتل الإبداع، فخلال استطلاع للرأي أجري خلال فعاليات المؤتمر العالمي للابتكار في التعليم 2014، عبر 66% من الحاضرين عن إيمانهم بأن المدارس فعلًا تقتل الإبداع، في مقابل 33% فقط نفوا التهمة عن هذه الأخيرة.

اقرأ/ي أيضًا:

مناهج التربية الإسلامية في المغرب.. نحو المراجعة

جامعات تركيا.. الجودة آخرًا