فنزويلا والأزمة القاتلة.. ماذا سيعني التدخل الأمريكي؟

فنزويلا والأزمة القاتلة.. ماذا سيعني التدخل الأمريكي؟

سيلغي التدخل الأمريكي في فنزويلا أي أمل بالتغيير (Getty)

لا تبدو سياسة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في سعيه للتدخل في الدول الأخرى شاذة جدًا بالنسبة للأمريكيين، الذين قادت بلادهم إدارات امتهنت التدخل في شؤون الآخرين، وإن بطرق مختلفة. في حالة فنزويلا، فإن التهديدات الي يعلنها ترامب تساهم في تقويض أي امل في التغيير، بالإضافة إلى أنها، كما يوضح هذا المقال المترجم عن مجلة "جاكوبين"، تعزز من سردية نظام الديكتاتور، ومن صورته كبطل قومي أمام التدخل الأجنبي.


من السمات المميزة لعصر ترامب هو التبني المُعلن للأفكار والممارسات التي لطالما كانت محورية وأساسية في نسيج السياسات الأمريكية، ولكنها، على الأقل في العقود الأخيرة، كان يُتَنصل منها في العلن أو تُجرى مناقشتها بنبرة خافتة خجولة. والأمر ذاته ينطبق على استعلاء العرق الأبيض، ووحشية الشرطة، وحاليًا، الانقلابات العسكرية في أمريكا اللاتينية.

 تفتقر الولايات المتحدة إلى أي موقف أخلاقي يسمح لها أن تُملي على الدول الأخرى أو تُجبرها على ما يجب فعله

تُعد فنزويلا الهدف الرئيسي للمناقشات الجارية حول تغيير النظام. ولكن على عكس الدعم الذي  قدمته الولايات المتحدة في السابق من وراء الكواليس لبعض الأعمال - مثل الانقلاب الذي أطاح بالرئيس التشيلي الأسبق سلفادور أليندي، الذي مر على وقوعه خمسة وأربعين عامًا الأسبوع الماضي - فقد أعلن مسؤولون أمريكيون، بمن فيهم الرئيس ترامب نفسه، بشكلٍ واضح ومتكرر استعدادهم لاستخدام القوة العسكرية للإطاحة بالحكومة الفنزويلية.

صرح ترامب للصحافيين في شهر آب/أغسطس عام 2017، قائلًا "لدينا العديد من الخيارات فيما يتعلق بفنزويلا. وبالمناسبة، لن أستبعد الخيار العسكري". وفي حزيران/يونيو، ظهرت تقارير تفيد بأنه كانت هناك حاجة لإقناع ترامب بالعدول عن غزو فنزويلا من جانب مستشاريه وزعماء أمريكا اللاتينية اليمينيين، مثل رئيس كولومبيا السابق، خوان مانويل سانتوس. وقد جعلت تطلعات ترامب وشغفه الكشف الذي نُشر في صحيفة نيويورك تايمز - بأن "إدارة ترامب عقدت اجتماعات سرية مع ضباط عسكريين متمردين من فنزويلا خلال العام الماضي لمناقشة خططهم للإطاحة بالرئيس نيكولاس مادورو"- غير مفاجئ.

بل كان الأمر الأكثر إثارةً للدهشة هو أن رئيس منظمة الدول الأمريكية (OAS)، لويس ألماغرو، قد انضم إلى ترامب في الدعوة إلى تنفيذ عملية عسكرية في فنزويلا. وبذلك وضع ألماغرو نفسه ومنظمة الدول الأمريكية على يمين قادة أمريكا اللاتينية المحافظين، ويؤكد هذا التطور أيضًا على نفاق المنظمة الشديد. وكما أشارت وكالة الأنباء الأمريكية، أسوشييتد برس، "بالنسبة إلى ألماغرو، فإن التهديد باستخدام القوة العسكرية يثير الدهشة بشكل خاص، نظرًا لإدانته دعم المنطقة لغزو الولايات المتحدة لجمهورية الدومينيكان عام 1965، للإطاحة برئيسٍ منتخب بطريقة ديمقراطية ولكنه مؤيد للرئيس الكوبي".

ولكن في حين أن انفتاح وحماسة ترامب (وألماغرو)  للإطاحة بالحكومة الفنزويلية يعتبر شيئًا جديدًا، فإن السياسة نفسها ليست جديدة. فمنذ عام 2001 على الأقل، سعت إداراتٍ مختلفة إلى تحقيق نفس الغاية – ولكن بشكلٍ أكثر هدوءًا.

اقرأ/ي أيضًا: إفلاس وقلق سياسي واجتماعي.. فنزويلا على حافة الانهيار

وغني عن القول أن الولايات المتحدة يجب ألا تغزو فنزويلا وألا تدعم قيام انقلاب عسكري يطيح برئيسها. وأن يكون قول هذا واجبًا، يُعد دليلًا محزنًا على غطرسة الإمبراطورية الأمريكية. بيد أن حقيقة أن غزو فنزويلا لم يعد موضوعًا مُحرمًا، تجعل من المُلح أكثر من أي وقت مضى، الحديث عن الأسباب التي من شأنها أن توضح بدقة لماذا تعتبر هذه الفكرة بغيضة ورهيبة.

هناك ثلاثة أسباب تفسر لما ينبغي على الولايات المتحدة ألا تتدخل في شؤون فنزويلا.

أولًا، تفتقر الولايات المتحدة إلى أي موقف أخلاقي يسمح لها أن تُملي على الدول الأخرى أو تُجبرها على ما يجب فعله. فعلى أي أساس يُمكن لدولةٌ هي أقرب لحكم الأقلية منها إلى الديمقراطية (وهذا وفقًا لكبار علماء السياسة والرئيس السابق جيمي كارتر)، أن تنتقد الدولَ الأخرى لانتهاكها الأعراف الديمقراطية؟ وكيف يُمكن لأي شخص أن يعتقد أن مثل هذه المخاوف هي السبب الحقيقي الكامن وراء الإجراءات الأمريكية تجاه فنزويلا في الوقت الذي تقوم فيه الولايات المتحدة بدعم حكومات دول مثل السعودية وهندوراس وهايتي، ذات السجلات المروعة في انتهاك الديمقراطية الانتخابية وحقوق الإنسان؟ وهل من الممكن لأي شخص أن يعتقد أن إدارة ترامب تهتم حقًا بمصالح مواطني فنزويلا العاديين بالنظر لاستخفافها الشديد بمصالح المواطنين الأمريكيين الذين يعيشون في بورتوريكو وديترويت وأماكن أخرى؟

ثانيًا، قد يكون حدوث انقلاب في فنزويلا بدعم من الولايات المتحدة عملًا غير قانوني بموجب القانون الدولي الذي يحظر على أي دولة التعدي على السيادة الإقليمية لدولة أخرى. وقد كانت التدخلات الأجنبية –ولا زالت- تُبَرر انطلاقًا من مبدأ "الإنسانية". لكن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تزعم على نحو مقبول أنها مدفوعة بمثل هذه المخاوف، إذ زادت العقوبات الأمريكية من معاناة الفنزويليين – وهو الأمر الذي كانت تهدف إليه  في الحقيقة.

ثالثًا، إن احتمال أن يؤدي الانقلاب العسكري إلى تحقيق الأهداف التي تزعمها إدارة ترامب، وهي "استعادة الديمقراطية" و"إنهاء الأزمة الإنسانية"، هو احتمال ضعيف للغاية. إذ أن هناك نتيجتان مختلفتان هما الأكثر احتمالًا للتحقق: الأولى، أن تشتد إدارة مادورو ونزعاتها الاستبدادية والقمعية، نظرًا إلى المخاوف الأمنية المشروعة وتأثير "الاحتشاد حول العلم" الذي غالبًا ما يميز العدوان الإمبريالي. أو النتيجة الثانية؛ وهي اندلاع حرب أهلية دامية.

ما الذي يتعين عمله؟

طرح ريتشارد إن هاس، رئيس مجلس العلاقات الخارجية ومسؤول سابق رفيع المستوى في وزارة الخارجية في عهد جورج دبليو بوش، سؤالًا: "إذا كنت لا تُحبذ فكرة أن تتحدث الولايات المتحدة مع الجيش الفنزويلي، فما الذي تقترحه؟". وهو سؤال مشروع، حتى لو كانت إجابة هاس –وهي تشكيل "تحالف من دول أمريكا اللاتينية المستعدة " للانخراط مع فنزويلا في عمل عسكري إقليمي - معيبة للغاية.

في حين حظيت إحدى الإجابات بتأييد قطاع صغير من اليسار الأمريكي، وهي معارضة العقوبات الأمريكية بصرامة وتقديم دعمٍ غير مشروط لإدارة مادورو. الجزء الأول مُسَلّم به؛ إذ ليس من حق الولايات المتحدة التدخل في شؤون فنزويلا، والعقوبات تؤذي بشكل كبير الأشخاص الذين يُفترض بها أن تساعدهم.

بيد أن الجزء الثاني يُمثل مسألة تثير الكثير من التساؤلات. إذ لا يوجد ما يدعو لدعم إدارة مادورو نظرًا لدورها المحوري في خلق وتفاقم الأزمة العميقة التي تُعاني منها فنزويلا. فمنذ عام 2013 تقلص اقتصاد فنزويلا بنسبة مذهلة بلغت 50%. بالإضافة إلى أن الحياة اليومية شديدة الصعوبة نظرًا للتضخم المفرط والنقص المزمن في الغذاء والدواء والسلع الأساسية. وقد تسببت الأزمة في فرار ملايين الفنزويليين من البلاد في السنوات الأخيرة، بينما أدت الإجراءات الأمريكية إلى تفاقم مشاكل هذا البلد، فإن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الفنزويلية هي السبب الرئيسي.

لذا، إن كان علينا أن نرفض التدخل العسكري والعقوبات التي تدعمها الولايات المتحدة -على أُسسٍ أخلاقية وقانونية وعملية- فما الذي ينبغي فعله إذن لتخفيف معاناة الفنزويليين والتحرك نحو إنهاء الأزمة؟ يكمن الجواب في أن على إدارة مادورو أن تواجه النوع الصحيح من الضغط: الذي يتمثل في احتجاج شعبي من الأعماق.

إذا بدا أن مادورو هو الشخص الوحيد الذي يقف في طريق الغزو الأمريكي، أو الحرب الأهلية، أو قيام نظام عسكري يميني قمعي وانتقامي، فعلى الأرجح ستنتعش شعبيته من جديد

وقد حدث ذلك بالفعل. في كانون الأول/ديسمبر عام 2017، اندلعت الاحتجاجات في باريوس في العاصمة كاراكاس ومدن أخرى عندما أخفقت الحكومة في الوفاء بوعدها بتوفير طعام "البرنيل" (pernil)  (لحم ساق الخنزير المشوي) في الوقت المناسب بحلول عيد الميلاد. وفي حزيران/يونيو، أضرب الممرضون والممرضات في جميع أنحاء البلاد سعيًا للحصول على "راتب لائق" وتحسين ظروف العمل والمزيد من الأدوية والمستلزمات الطبية. وفي الشهر التالي، اندلع إضراب لعمال الكهرباء في جميع أنحاء البلاد اعتراضًا على تدني الأجور وتدهور الأوضاع، وأطلق الفلاحون في جميع أنحاء فنزويلا "مسيرة الفلاحين المثيرة للإعجاب Admirable Campesino March" للضغط من أجل الإصلاح الزراعي والاحتجاج على عدم المساءلة، فيما يتعلق بمقتل مئات من زعماء الفلاحين منذ عام 2001.

اقرأ/ي أيضًا: شوارع كاراكاس تشتعل.. خبز قليل قمع أكثر

أدت هذه الاحتجاجات إلى قيام مادورو ببدء سلسلة من الإصلاحات الضرورية للغاية في شهر آب/أغسطس، من بينها تخفيض قيمة العملة بشكل كبير، وإدخال تعديلات ضخمة على إعانات الوقود. ولكن لسوء الحظ، يبدو أن تلك الإصلاحات يشوبها الكثير من العيوب، ومن غير المرجح أن يكون لها دور كبير في تخفيف الوضع الاقتصادي المتردي في فنزويلا. إلا أن قيام مزيدٍ من الاحتجاجات الشعبية قد يدفع مادورو إلى تقديم إصلاحات أكثر عقلانية، مثل القيام بتعويم حر للعملة. إن أفضل أمل لمستقبل فنزويلا يكمن في تصعيد الاحتجاجات الشعبية مما يدفع إدارة مادورو إلى إجراء إصلاحات أكثر جدية، بما في ذلك إصلاحاتٍ في اتجاه استعادة الديمقراطية وترسيخها.

تتمتع القطاعات الشعبية ببعض النفوذ. فإذا ما خسر مادورو دعم العمال والفقراء –وقد خسر ذلك بالفعل بقدر كبير- فسيخسر قاعدته الاجتماعية الأساسية. لكن هذا النفوذ يعتمد على توازن دقيق: إذا بدا أن مادورو هو الشخص الوحيد الذي يقف في طريق الغزو الأمريكي، أو الحرب الأهلية، أو قيام نظام عسكري يميني قمعي وانتقامي، فعلى الأرجح ستنتعش شعبيته من جديد، وستزول الرغبة في تحديه.

لا ينبغي لأي شخص يهتم لأمر فنزويلا أن تراوده أوهام عن المستقبل الكئيب الذي يواجه البلاد. صحيحٌ أن الوضع الراهن مروع وهناك حاجة إلى التغيير، ولكن التدخل الأجنبي، سواء في شكل انقلاب أو فرض عقوباتٍ اقتصادية، مدعومة من الولايات المتحدة أو المنطقة، سيلحق ضررًا هائلًا باحتمالات التغيير الإيجابي في فنزويلا. لا توجد عصا سحرية. وقد أظهرت القطاعات الشعبية استعدادها وقدرتها على الضغط على مادورو. فينبغي إذن منحها الفرصة للقيام بذلك. دعوا الفنزويليين يحلون الأزمة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

فك الارتباط بين النمو الاقتصادي وانخفاض سعر النفط

من عصر الدول الاستعمارية إلى عصر الشركات المستعمرة