فنزويلا بعد مادورو.. ضربة أميركية بلا أفق سياسي
4 يناير 2026
بعد الهجوم الخاطف الذي أعقبه اعتقال الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو وزوجته، انتقل النقاش سريعًا من سؤال كيف جرت العملية؟ إلى السؤال الأكثر خطورة: ماذا بعد؟ من يحكم كاراكاس اليوم؟ هل تمتلك واشنطن تصورًا واضحًا لما بعد الضربة، أم أنها ستكتفي بإنجاز عسكري وتترك تداعياته السياسية مفتوحة؟
توحي المعطيات المتداولة حتى الآن بأن المرحلة الأصعب لم تبدأ بعد. فالمسألة، خلافًا للخطاب الأميركي المعلن، لا تتصل بالديمقراطية أو بإحقاق العدالة، بل بإدارة فراغ محتمل في السلطة. الحديث عن تفعيل الدستور وتسليم نائبة الرئيس مهام الحكم، بالتوازي مع تسريبات عن "مرحلة انتقالية" تُدار فعليًا من الخارج، يعكس منطق فرض الأمر الواقع أكثر مما يعكس مشروعًا سياسيًا واضح المعالم.
لكن هذا الطرح يصطدم بواقع دستوري وسياسي معقّد. الحكومة الفنزويلية تؤكد أن ما جرى لا يُعد غيابًا للرئيس بالمعنى الدستوري، بل اختطافًا قسريًا، وبالتالي فهي تتعامل مع نفسها بوصفها حكومة مستمرة بكامل هيكليتها: وزير الدفاع، ووزير الخارجية، ووزير الداخلية، ووزير الإعلام.. جميعهم ما زالوا في مواقعهم. بهذا المعنى، تحاول كاراكاس نزع أي شرعية عن فكرة الفراغ السياسي، والإصرار على أن الدولة لا تزال تُدار من الداخل، مهما بلغ حجم الضغط الخارجي.
مهدت الأشهر الستة الماضية لهذا السيناريو التدريجي، من خلال مصادرة ناقلات نفط، وتشديد الخناق البحري في الكاريبي، والتصعيد العسكري المحدود، ورصد مكافأة مالية ضخمة لاعتقال مادورو، قبل أن تنتهي العملية باعتقاله. هذا التسلسل لا يشير إلى خطة سياسية مكتملة بقدر ما يكشف عن سياسة ضغط سارت باتجاه تراكمي انتهت بخطوة قصوى لم يُعلن إطارها القانوني بوضوح، ولم يُعرض حتى الآن أي مسار قضائي دولي يضفي عليها شرعية متماسكة.
في الجوهر أرادت الولايات المتحدة أن تقول إنها قادرة على أن تفعل ما تريد في الوقت الذي تريد، وأن ميزان القوة وحده كافٍ لفرض الوقائع على هواه
تبدو الخيارات الأميركية في هذه المرحلة محدودة. فالأساس القانوني للعملية ما يزال غامضًا، والتوافق الدولي حولها هشّ، فيما تُظهر التجربة الأميركية السابقة أن إسقاط رأس السلطة لا يعني بالضرورة القدرة على إدارة الدولة بعد ذلك. وما تشير إليه التقديرات العسكرية هو الرهان على التخويف والرعب لا على الاحتلال، من خلال عملية عسكرية انتهت باعتقال الرئيس، رافقتها حالة تعطيل للرادارات وقطع للكهرباء، أي فرض شلل سريع يمنع تشكّل رد منظم، من دون الانزلاق إلى إنزال بري واسع.
إلا أن هذه المقاربة الأميركية تفترض هشاشة الداخل أكثر مما تختبره. فالقوى الأمنية والعسكرية الموالية للنظام لم تُقصَ بالكامل، واحتمال مقاومتها أي وجود أميركي مباشر أو غير مباشر قد يحوّل التدخل إلى مسار استنزاف طويل، لا إلى عملية "نظيفة" سريعة. كما أن فرض بديل سياسي من الخارج، سواء عبر شخصيات معارضة أو إدارة انتقالية، يصطدم بسؤال الشرعية الداخلية، وهو سؤال لم تقدّم واشنطن حتى الآن إجابة مقنعة عليه.
وسط هذا الغموض، تتجه الأنظار إلى ما سيطرحه وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، من تصوّر للمرحلة المقبلة، في ظل إشارات إلى الاستعانة بخبراء في إدارة المراحل الانتقالية.
غير أن التجربة الأميركية في هذا المجال، من أميركا اللاتينية إلى العالم العربي، لا تقدم سجلًا ناحجًا. فواشنطن نجحت مرارًا في تعطيل أنظمة، لكنها أخفقت في تحويل التفوق العسكري إلى استقرار سياسي طويل الأمد، ومن هنا، يصبح السؤال الجوهري ليس من سيدخل إلى الحكم؟ بل كيف ستُدار الدولة في اليوم التالي؟
في الجوهر أرادت الولايات المتحدة أن تقول إنها قادرة على أن تفعل ما تريد في الوقت الذي تريد، وأن ميزان القوة وحده كافٍ لفرض الوقائع على هواها. وبالنسبة إلى دونالد ترامب، فإن العملية تخدم قبل أي شيء صورة النصر السريع، ويمكن أن تُعرض داخليًا بوصفها حسمًا لا مغامرة. لكن ما تتجاهله هذه المقاربة هو السؤال الأساسي الذي لم تُجب عنه أي ضربة سابقة: هل من السهولة فرض إرادة سياسية وانتخابات من الخارج، من دون مقاومة من الجيش والأجهزة الأمنية وقطاعات واسعة من المجتمع ما تزال تؤيد الرئيس والنظام الفنزويلي؟ وهل يمكن لواشنطن أن تبقى "خارج" فنزويلا فعليًا، من دون وجود عسكري مباشر أو غير مباشر يفرض هذا المسار ويحمي نتائجه؟
تقول التجربة إن ذلك شبه مستحيل. فإدارة مرحلة انتقالية، أو فرض سلطة بديلة، لا تتم بالقصف والتخويف وحدهما، بل تحتاج حضورًا طويل الأمد، وكلفة سياسية وأمنية لا يبدو أن واشنطن مستعدة لتحمّلها.
وبهذا الشكل، ما تحقق حتى الآن هو فعل استعراضي بالقوة، أما الحكم والاستقرار، فما زالا خارج الحسابات كليًا.