فلسفة الاختناق: كيف أجبر مضيق هرمز الولايات المتحدة على وقف التصعيد؟
8 ابريل 2026
الاختناق هو حالة من النقص الشديد في المعروض من الأكسجين إلى الجسم والذي ينشأ من عدم القدرة على التنفس بشكل طبيعي، والأكسجين يمر بشكل أساسي عبر الرئة، أي أن عضوًا واحدًا في الجسم، وغازًا واحدًا في الجو، قادر على تدمير خلاياك وقتلك إن فسد أو اختنق.
وكذلك في السياسة الدولية، ممر واحد طوله 21 ميلًا بحريًا، يمر بين إيران وعمان، أثبت قدرته على خنق الاقتصاد العالمي برمته، وربما إن استمرت الحرب طويلًا بين إيران من جهة، والولايات المتحدة الأميركية والكيان الصهيوني من جهة أخرى، فربما نشهد شللًا تامًا في سلاسل إمداد الغذاء، والدواء، والأسمدة، والنفط والطاقة.
النظام الذي صُمم ليحافظ على مقدرات الاقتصاد العالمي كما هو، قرر لي عنقه بنفسه، وحتى وهو وفي ذروة قوته يقف عاجزًا، بينما يضغط خصومه على حنجرته ببطء بشريان مائي لا يتجاوز عرضه 21 ميلًا
فكيف صنع العالم عقدته؟ بمعنى آخر، كيف خلق السعي الرأسمالي المحموم نحو تقليل التكلفة وزيادة الأرباح نظامًا اقتصاديًا يفتقر إلى أدنى درجات المرونة؟ نظام صكته ورعته أمريكا بالأساس، وسمته الرأسمالية، كدلالة على أن رأس المال نفسه هو الأساس الذي يبنى عليه، وهو المتحكم، وله مطلق الحرية في التحرك داخل الأسواق حسبما يرى، ودون تدخل من أحد، ثم ما لبثت في هذه الحرب أن أظهرت عيوبه، وبينت تناقضاته وهشاشته من الداخل، فكيف يتحكم مضيق هرمز في مستقبل العالم؟
ديمقراطيات الكربون والنفط
في كتابه "ديمقراطية الكربون: السلطة السياسية في عصر النفط"، يرى الباحث البريطاني تيموثي ميتشيل أن النظام الرأسمالي العالمي لم يُبن حول النفط لكونه مصدرًا رخيصًا أو أكثر كفاءة في توليد الطاقة فقط، هذا وجه واحد من الصورة، أما الوجه الآخر هو أن النفط أسهل الأشياء، أسهل حتى من الفحم، الذي كان يعتمد على حشود هائلة من العمال لاستخراجه، وكان نقله يتم عبر شبكات معقدة من السكك الحديدية.
هذا الترتيب المادي منح العمال والحركات النقابية قوة سياسية هائلة، إذ كان بإمكانهم إغلاق مسارات الطاقة وشل الاقتصاد وفرض التنازلات السياسية على الحكومات بمجرد الإضراب عن العمل، وفي المقابل، قدم النفط للرأسمالية الغربية بديلًا يعتمد على قوة عمل أقل بكثير، ونظام نقل لوجستي ثابت وواضح، يعتمد بالأساس على خطوط الأنابيب والناقلات البحرية العابرة للقارات، الأمر الذي سمح للشركات والدول بتركيز السلطة السياسية والاقتصادية في مواقع وبنى تحتية ثابتة يسهل السيطرة عليها.
هذا التحول الجذري في البنية التحتية للطاقة نقل القدرة على خنق الاقتصاد من أيدي الحركات العمالية الديمقراطية إلى أيدي الدول والإمبراطوريات الرأسمالية، وهو ما أفرز بنية اقتصادية ركزت الاقتصاد العالمي في ثلاث نقاط، أولًا الدول المالكة للنفط، وثانيًا طرق النقل البحرية، وثالثًا الهيمنة الأمريكية المطلقة على تلك الطرق، أي هزة تحدث لأي من تلك العناصر، يعني تأزم الاقتصاد العالمي مباشرة، لماذا مباشرة؟
للمفاجأة، بسبب طبيعة النظام الرأسمالي نفسه أيضًا، حيث تبنت الأسواق منذ أواخر القرن العشرين عقيدة ما أتى الله بها من سلطان، تهدف إلى تعظيم الأرباح وخفض التكاليف عبر تقليل الاحتياطي إلى الحد الأدنى، والاعتماد على التدفق المستمر، والسريع، وغير المنقطع للسلع والمواد الخام، الأمر الذي أدى إلى خلق نظام مقبول وقت السلم، ولكنه يعاني من هشاشة مفرطة في مواجهة الأزمات، وهو ما تبلور صراحة بعد أزمة إغلاق مضيق هرمز، حسنًا، من سبب تلك الأزمة؟ النظام الرأسمالي العالمي نفسه.
وتلك حالة غريبة للغاية، فإذا كان النظام العالمي مصممًا على البقاء في وضع معين، بسلاسل توريد وامداد واضحة، وليس لها بدائل، لذا فمن الحري بأرباب ذلك النظام أن يحفظوه كما هو، وأن يبعدوه عن الصدمات، لا أن تجر الدولة القائدة لهذا النظام العالم إلى حرب تخرب النظام وتضعف اقتصاد العالم بأسره، الحليف والعدو.
وإذا ربطنا ما سبق بتصريحات ترامب عن نيته الحصول على بترول إيران، كما حصل على بترول فنزويلا، فهذا يعني أن النظام يأكل نفسه بنفسه، لأنه قرر ربط مصير الكوكب بشريان بحري واحد، ثم لم يحافظ على هذا الشريان، فهل هدف إيران من إغلاق المضيق هو تخريب النظام لكيلا يكرر النظام استباحتها مرة أخرى؟
جغرافية إيران
لتقدير حجم الهشاشة العالمية، يجب أولًا تجريد المضيق من رمزيته السياسية والنظر إليه جغرافيًا، يبلغ الطول الإجمالي لمضيق هرمز حوالي 104 ميل بحري، ويقع بين الساحل الإيراني شمالًا وشبه جزيرة مسندم، التي تتقاسمها سلطنة عمان ودولة الإمارات، جنوبًا، يتراوح عرضه الإجمالي بين 60 ميلًا في أوسع مناطقه و24 ميلًا في الأجزاء الضيقة، وصولًا إلى 21 ميلًا بحريًا في أضيق نقطة له على الإطلاق.
ولكن هذا العرض الإجمالي هو عرض مخادع، إذ ينقسم المضيق فعليًا إلى مسارين ملاحيين رئيسيين: مسار للسفن الداخلة ومسار للسفن الخارجة، يبلغ عرض كل منهما ميلين بحريين فقط، ويفصل بين هذين المسارين منطقة عازلة بعرض ميلين بحريين آخرين، أي ناقلات النفط العملاقة والسفن التجارية الضخمة لا تستطيع الإبحار من أي مكان داخل المضيق، وهو ما يعني أيضًا سهولة السيطرة عليه من قبل إيران.
ولكن هذا ليس السبب الوحيد، السبب الآخر، أن المضيق محاط من كل الجهات بالساحل الإيراني، وكأنه في حضن إيران، رئيس أركان الجيش الأميركي نفسه قال في اجتماع مع ترامب نقلته صحيفة وول ستريت جورنال أن إغلاق المضيق لا يحتاج إلا رجلًا واحدًا بقذيفة واحدة يحرق بها ناقلة نفط واحدة فقط، وبما أن الساحل الإيراني يحيط بالمضيق، فهذا يعني استحالة فتحه بالقوة، لأنك أولًا لن تستطيع السيطرة على كل تلك المساحة، وإن استطعت فالمضيق في مرمى الصواريخ الإيرانية من الداخل، وثانيًا لأن القصف الجوي ليس ضمانًا لعدم وجود هذا الرجل الوحيد.
إيران تعلم ذلك تمام العلم، وتعلم أن كارت المضيق هو الكارت الرابح في هذه المعركة، والسبيل الوحيد للضغط على العالم لوقف العدوان الأميركي الصهيوني، خاصة وأنه عصب الاقتصاد العالمي، قبل إغلاقه الفعلي كان يمر من خلاله قرابة خمس الاستهلاك العالمي من النفط، وإضافة إلى النفط الخام، فالمضيق هو الممر الرئيسي لما يقرب من 5 ملايين برميل يوميًا من الوقود المكرر، مثل الديزل والبنزين، وحوالي 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال، والأخطر من ذلك، حوالي 30% من تجارة الأسمدة، حيث قفزت أسعار الأسمدة بنسب مرعبة تتراوح بين 40% و60% في غضون أسابيع قليلة فقط.
كل ذلك يمر عبر المضيق، وإغلاقه يعني خراب بيوت مستعجل على العالم بأكمله، خاصة الدول النامية، فوفقًا لما قاله الاقتصادي برانكو ميلانوفيتش، فإن هشاشة النظام تُفرغ عادة وبشكل هرمي من الشمال الغني نحو الجنوب الفقير وذلك بسبب التوزيع غير المتكافئ لمكاسب وخسائر العولمة، بمعنى أبسط، فواتير الشمال الغني يحاسب عليها الجنوب الفقير، الجنوب الفقير يحصل على أقل المكاسب، ويجني أعظم الخسائر، والخسائر تكون أساسًا بسبب صلافة وطمع الشمال الغني، في دائرة مغلقة، فهل هناك حل للخروج من تلك الدائرة، أم أننا سنظل إلى الأبد رهينة مزاج رجل أبيض يعيش على بعد آلاف الأميال؟
يبدو أننا أمام فصل جديد تمامًا، ببساطة لأن النظام الذي صُمم ليحافظ على مقدرات الاقتصاد العالمي كما هو، حيث جني الأرباح في الشمال ودفع الفواتير في الشرق الأوسط الحزين، قرر لي عنقه بنفسه، وحتى وهو وفي ذروة قوته، يقف عاجزًا، بينما يضغط خصومه على حنجرته ببطء بشريان مائي لا يتجاوز عرضه 21 ميلًا.