ultracheck
  1. ثقافة
  2. أفلام

"فلسطين 36" لماري آن جاسر: الجرح المؤسس وبداية الحكاية

24 أكتوبر 2025
"فلسطين 36"
"فلسطين 36" لماري آن (مواقع التواص الاجتماعي)
عبير داغر اسبر عبير داغر اسبر

مع هذا الفيلم تعود ماري آن جاسر إلى النقطة التي أسست للنكبة: عام 1936، السنة التي اشتعلت فيها فلسطين ضد الانتداب البريطاني، وتحوّلت تفاصيل الحياة اليومية التي بدت حينها مجرد صراع مع مستعمر إلى ملحمة تأسيسيّة لحكاية القرن. لا تتعامل جاسر مع الماضي كأرشيف بارد، بل تفتحه كجرحٍ حيّ، تكتب السيناريو من نبض الناس والأرض والهواء، مصرّة على التصوير في مواقع حقيقية داخل فلسطين، كأن الشكل الفني نفسه فعل مقاومة. لذلك يبدو "فلسطين 36" أكثر من "فيلم حقبة" بالتصنيفات السردية، فهو محاولة لإعادة ترتيب السطر الأول في الرواية كي نفهم ما يجري الآن.

بين الوثائقي والروائي 

أهمية الفيلم اليوم لا تقتصر على جرأته السياسية، بل تتجلى في وضوح أطروحته الجمالية: كيف يصبح الحاضر امتدادًا لما انبثق في تلك السنة، سنة الإضراب الكبير وبدايات الانتفاضة الأولى. تربط جاسر بين تلك اللحظة وبنية الحكاية عبر تعددية الأصوات والأدوار، وحركة كاميرا قريبة من الوجوه والتراب، وانتقالات دقيقة بين المشاهد التمثيلية والمواد الأرشيفية الملوّنة، بحيث يُصبح المزج بين الروائي والوثائقي هو الحامل الأساسي للمعنى.

تتشعب حكاية الفيلم من خط درامي بسيط وواضح: فتى يتأرجح بوعيه وانتماءاته بين قريته والقدس، يعيش وهو يرى ملامح العاصفة السياسية تشتدّ. عائلة تقاوم الخوف بالحياة اليومية. صحافية تتتبّع المؤشرات الأولى لثورة تتشكّل. مقاتلان يتنقلان بين المدينة والريف، وضباط بريطانيون تتحكم بهم البيروقراطيات الاستعمارية الباردة. لا أبطال مطلقين هنا، بل أناس عاديون يصنعون الصورة الكبرى للحكاية الفلسطينية.

في "فلسطين 36" تعود خطوة أبعد في التاريخ الفلسطيني لتقف عند موضع "الأصل"، بحضورٍ صامتٍ وقاطع يشبه الأمّ التي تتكلم بملامحها بقدر ما تتكلم بكلماتها

الصورة بوصفها شهادة على الذاكرة

على مستوى الصنعة، يقود السيناريو توازنًا حساسًا بين الميلودراما وإعادة تقديم التاريخ. الإيقاع الداخلي مشدود بموسيقى بن فروست التي تمنح المشاهد نفسًا جنائزيًا شفيفًا، كما لو أن الفيلم ينوح على وطنٍ لم يكتمل حداده. الصورة مثقلة بحضور المكان: حجارة البيوت، غبار الحقول، ممرات القدس الضيقة، كلها مصوّرة بعدسة هيلين لوفار، بمشاركة سارة بلوم وتيم فليمنغ، في مقاربة واقعية دقيقة تُمسك بالضوء وبالبيئة من تلابيبها وتقدّمها دون روتوش أو تزويق. المونتاج يتوارى متيحاً التقشّف على الاستعراض، لتبقى لغة الفيلم قريبة من العظم المكون لهيكل المعاناة ومن جوهر الحكاية في آن.

الكاست متنوع وواعٍ باختياراته: هيام عباس، كامل الباشا، صالح بكري، ياسمين المصري، ظافر العابدين، ومعهم جيريمي آيرونز، ليام كاننغهام، روبرت آرامايو وبيلي هاول. توليفة تجمع خبرة عربية راسخة بوجوه دولية من دون أن يختل منظور السرد. وتحديداً، لا يمكن تجاهل أن هيام عباس ليست جديدة على "ملحمة النكبة"، فقد ارتبط اسمها سابقًا بأفلامٍ تناولت الكارثة مثل "باب الشمس" ليسري نصر الله، لكنها في "فلسطين 36" تعود خطوة أبعد في التاريخ الفلسطيني لتقف عند موضع "الأصل"، بحضورٍ صامتٍ وقاطع يشبه الأمّ التي تتكلم بملامحها بقدر ما تتكلم بكلماتها.

من تورونتو إلى العالم

عُرض "فلسطين 36" للمرة الأولى في الخامس من أيلول/سبتمبر 2025، ضمن عروض مهرجان تورونتو السينمائي الدولي، حيث قوبل بتصفيقٍ طويل وتغطياتٍ نقدية احتفائية ركّزت على وضوح الرؤية وجمال المزج بين الخطوط الدرامية. ومن هناك، واصل الفيلم رحلته إلى مهرجاناتٍ دولية أخرى، مثبتًا قدرته على العبور بين ذائقاتٍ مختلفة من دون أن يفقد خصوصيته الفلسطينية.

يتوجّه الفيلم إلى جمهورٍ واسعٍ ومتعدد: إلى الفلسطينيين في الداخل والشتات الذين يحتاجون إلى أرشيفٍ عاطفيّ يعيد ترميم ذاكرتهم الجمعية، وإلى المشاهد العربي الذي يرى في الحكاية مرآةً لزمنه السياسي، وإلى المشاهد العالمي الذي يسأل كيف يمكن للسينما أن تعيد كتابة التاريخ من منظور أهله، لا من منظور المتفرّج عليه أو المتكلم باسمه.

بين الذاكرة والملحمة

في سياق المسار الإخراجي لماري آن جاسر، يأتي "فلسطين 36" كامتدادٍ طبيعي لأفلامها السابقة: ملح هذا البحر (2008)، لما شفتك (2012)، وواجب (2017)، قدّمت تلك الأعمال مخرجة تلتقط الوجود الفلسطيني في لحظته اليومية، وتشتغل على فكرة البيت والعودة واللغة كأركان للهوية. أما هنا، فتتسع العدسة لتلامس الملحمة التاريخية من دون أن تفقد دفء التفاصيل الإنسانية أو حسّها الواقعيّ. إنه تحول نحو الأفق الأكبر مع الحفاظ على جوهر مشروعها الفني.

وكانت تحديات الإنتاج جزءاً لا يتجزأ من التجربة: تصوير داخل فلسطين في ظل تضييقات الاحتلال، ثم الانتقال مؤقتًا إلى الخارج قبل العودة، وتبدّل بعض المواقع تحت الضغط الأمني، إلى جانب عمل طواقم محلية ودولية في ظروف متوترة. هذه المعطيات تفسّر إحساس المشاهد بأن المشاهد التاريخية تنبض بحقيقة ملموسة، وكأن الأصوات تتردد في المكان ذاته الذي شهد الحكاية الأولى.

كتابة الحكاية من جديد

يبقى السؤال الكبير: لماذا الآن؟ ما الذي لم يُقل بعد في تلك المأساة؟ ولم الإصرار على التوثيق وإعادة السرد؟ ربما لأن "فلسطين 36" لا يكتفي بإحياء الماضي بل يربطه بجرأة الحاضر، مشيراً إلى أن ما نراه اليوم لم يهبط من فراغ. إنه فيلم يعلّمنا كيف نقرأ الصورة في طبقاتها الأعمق: البشر قبل الشعارات، المكان قبل الخرائط، والزمن قبل التواريخ. بهذا المعنى، فإن "فلسطين 36" عملٌ عن الذاكرة بقدر ما هو عملٌ عن البقاء. وعلى الأرجح، فيلم عن الحق، وعن الإصرار على أن تُروى القصة من أهلها. فيلم يعود إلى البداية، لا ليستعيدها، بل ليكتبها من الأول.

كلمات مفتاحية
سبايدرمان

يوم جديد بالكامل: "سبايدرمان" الذي يحيا كلما نسيه العالم

في ذروة سردية حملت عنوان "يوم واحد إضافي"، عقد بيتر باركر صفقة مع شيطان يُدعى مِفيستو

أوديسيوس

أوديسة نولان: عن انتصارٍ ملحميّ للمهزومين

"الأوديسة" فيلمٌ عن الخسارة إذًا، وبالتالي عن المسؤولية الفردية، وعن القدرية وتعاليم اللوح المحفوظ

الأوديسية

أوديسة كريستوفر نولان.. بطل محطم في عالم غابت عنه الآلهة

أعاد كريستوفر نولان "الأوديسة" إلى الشاشة كقصة جندي عاد من الحرب منتصرًا في الظاهر، محطمًا من الداخل، لا مجرد مغامرة بحّار يواجه الوحوش والآلهة

ربيع وهبة
فنون

الأفلام الرمادية

منذ أن قرأته في كتاب عن الفيلسوف جيل دولوز، ظلّ السؤال يلاحقني كشبح: ما الذي منحته السينما لمن لا يشتغلون فيها؟

لبنان
رياضة

معركة محتدمة بين جمهوري السلة في لبنان ومصر: أيّ الدوريين هو الأقوى؟

اشتعلت عبر مواقع التواصل الاجتماعي معركة جانبية بين جمهوري كرة السلة في لبنان ومصر، وكل طرف أكّد أنه يمتلك دوري كرة السلة الأقوى في المنطقة، برأيك، أي البطولتين أقوى؟

غزة
مجتمع

السرطان ينهش غزة.. مرضى يموتون انتظارًا للعلاج

هناك نحو 17 ألف فلسطيني مصاب بالسرطان في غزة، من دون خيار محلي للحصول على العلاج الكيميائي أو العلاجات المتقدمة الأخرى

بوتين
سياق متصل

بعد زيارته جزر كوريل.. بوتين يتسبب بأزمة دبلوماسية مع اليابان

تعود جذور الخلاف إلى الأيام الأخيرة من الحرب العالمية الثانية، عندما أعلن الاتحاد السوفييتي الحرب على اليابان في 8 آب/أغسطس 1945