فلسطين ليست هامشًا ولكنها قلب المعنى

فلسطين ليست هامشًا ولكنها قلب المعنى

تظاهرة في ذكرى النكبة، بميدان التحرير في القاهرة عام 2011 (UPI)

عام 2003، اخترقت مُظاهرة حاشدة قلب القاهرة لتحتلّ للمرة الأولى منذ عقود ميدان التحرير. تلك الانتفاضة الحاشدة التي ستمهّد لثورة ستندلع بعد ثماني سنوات، كانت رفضًا للغزو الأمريكي للعراق.

كانت موجات الانتفاضات العربية المُتلاحقة منذ نهاية عام 2010 تجسيدًا حقيقيًا لما يجمع ملايين الناس في المنطقة

ذلك التحرك الشعبي الذي كان مُخالفًا للتوجه الرسمي المُهادن للغزو، عبّر بصدق عما يربط هذه الشعوب الساكنة من شاطئ المحيط الأطلنطي غربًا إلى الخليج العربي شرقًا، وهو الشعور ذاته الذي سرى في شرايين هؤلاء الملايين بعد إحراق بوعزيزي نفسه في سيدي بوزيد بتونس.

اقرأ/ي أيضًا: فلسطين في الملعب المصري.. تضامن "فريد" مع الصحفي معاذ عمارنة

إنه نبض الحرية المُستحقة لنا، بينما نتجاهل القلب النابض لتلك الدماء، قطعة لحمنا المُحتلة: فلسطين، التي انتزعت صرخات الضمائر حول العالم ووجب أن تكون مؤشر ضمائرنا نحن أبناء وأشقاء هذا الشعب المكلوم.

كانت موجات الانتفاضات العربية المُتلاحقة منذ نهاية عام 2010 تجسيدًا حقيقيًا لما يجمع هؤلاء الملايين من الناس. هو شيء أكبر من اللغة وأوسع من الجغرافيا وأعمق من التاريخ؛ حلمنا المُشترك بالحرية وحقنا الأصيل في تحديد مصائرنا.

ربما كانت التجارب السابقة لتوحيد هذه المنطقة أفشل من أن تؤخذ في الحسبان، لكنها تعبّر عن الطبيعة الفاشلة لمن قام بها، إنها الأنظمة التي لطالما استغلت قضايانا وهمومنا كي تمعن في قمعنا وخنقنا وتقييدنا. هذه المرة كانت الأصوات تخرج من حناجرنا نحن المقموعين تُعبر عن واقعنا وأحلامنا حقًا، وكذا هو الحال مع قضيتنا الأولى وهمّنا الأصيل "فلسطين."

لعقود طويلة استغلت الأنظمة الحاكمة لدولنا قضية فلسطين في قمع الشعوب وسلب حقوقهم المُستحقة من حرية وديمقراطية وثروات. تغنّوا تارة بالعداء للاحتلال وتارة بالممانعة ثم بتقسيم أنفسهم حفنة للمواجهة وأخرى للمهادنة.

تتغير النغمة بتغير الجو السياسي والوضع الدولي، من الحرب الكلامية إلى السلام الكاذب والطاولات المستديرة. لكنّ الثابت أنّ هذه الشعوب مُنعت من قول كلمتها وإبداء رأيها وتقرير مصيرها، وهو ما حافظت عليه ودعمته دولة الاحتلال ليقينها بأن أكبر داعميها هو قمع الشعوب وتقييدها، تزامنًا مع الغزو الضخم لعقولها بأفكار قبول الاحتلال والتسليم لمجريات السياسة والاعتراف بالأمر الواقع تمهيدًا لما تم التعارف عليه باسم "التطبيع".

لنبدأ إذًا بمحاولة لفهم هذا المُصطلح الذي تغيرت معانيه وتشوهت صورتنا الذهنية عنه، وهو المُشتق من كلمة "طبيعي"، لنسأل أنفسنا السؤال الأصيل: هل نقبل بأن يكون الاحتلال أمرًا طبيعيًا عندنا نحن المُحتَلين وأشقاؤهم؟!

عندما أرى شعوبًا في آخر العالم تُخرج بضائع دولة الاحتلال من أحشاء حوانيتها وتُلقي بها في الشوارع، داعية إلى مقاطعتها مقاطعة تامة؛ أسأل نفسي: وأين نحن من هذا وقد أرهقنا أنفسنا بالجدل حول أمكانية وعدم إمكانية المقاطعة وجدواها من عدمها؟ وعندما تنتشر صور بعض المقار الحكومية الغربية رافعة أعلام فلسطين، أسأل: أولسنا أولى من الجميع بهذا الشرف؟ رايات فلسطين التي تُغطي مدرجات الفريق الأسكتلندي كيف غابت عن أيادينا؟

نحن الذين يجثم الاحتلال فوق أرضنا وينهبها قطعةً قطعة، حتى صارت خريطة فلسطين مأساة بذاتها. تلك الخريطة الجغرافية الزمنية التي تروي مسيرة زحف الاحتلال على أراضينا، لا ترصد سرقة الأرض وحدها، وإنما ترصد مأساة الملايين الذين تُغتصب منازلهم وأراضيهم وتُكبل أحلامهم، داخل المعتقلات لعشرات السنين، أولئك الذين بُترت أحلامهم برصاص متوحش نهش لحمهم وعظامهم، ليُصبح عندنا عشرات الآلاف من المبتورة أطرافهم، وأضعافهم ممن بُترت حياتهم بأكملها.

كيف نُقاطع؟ وماذا نُقاطع؟ وما جدوى تلك المُقاطعة وذلك الرفض لوجود الاحتلال القائم والقوي؟ طوفان من الأسئلة يجتاح نقاشاتنا بمجرد الحديث عن المُقاطعة، أسئلة تُغيّب أهمية وضرورة المُقاطعة، وأسئلة أُخرى أكثر بؤسًا تنهال علينا عند الحديث عن القضية. 

ماذا عن أطفال المُحتلين؟ ماذا عن الأجيال التي ولدت على ارضنا المُحتَلة؟ أوليس الأولى بنا أن نسأل عن أطفالنا المحرومين من الطفولة داخل سجون ومعتقلات الاحتلال؟ أوليس الأولى بنا السؤال عن حاضر أهلنا الجحيمي، من السؤال عن مستقبل أبناء المُحتلين؟ وقبل الحديث عن قوة المُحتل، ماذا عن قوتنا نحنا البالغ عددنا أكثر من 360 مليون إنسان؟ وكيف سيكون حالنا اليوم إذا كان هذا هو الحديث نفسه قبل 70 عامًا عندما كنّا جميعًا تحت الاحتلال؟

إن فلسطين ليست قضية هامشية على جدول همومنا، وإنما هي قلب قضايانا، بل هي قضيتنا الأولى والأصيلة، إن رفع بعضنا أعلام بعض تضامنًا وطلبًا للديمقراطية والحرية مرهون بمطالبنا بحرية أرضنا المُحتلة وشعبنا المقهور، وإلا كان هذا نضال زائف. 

كل القضايا مُرتبطة بفلسطين: حقوق المرأة تحت الاحتلال، والطفل المقصوف بالطائرات، والملايين المحبوسة في غزة، وأشجار الزيتون المُغتالة ظُلمًا وعدوانا؛ هي قضايانا وجزء لا ينفصل ولا يصح أن ينفصل عن مطالبنا داخل أوطاننا.

إن الأنظمة التي تاجرت بفلسطين لقمعنا فوق الطاولة راحت اليوم تُتاجر فيها فوق نفس الطاولة لامتلاكنا. تاجروا بها دينيًا وقوميًا، محليًا ودوليًا، حتى صار بعضنا يحمّلها مسؤولية واقعنا المؤسف، بالرغم من كونها الضحية وليست الجاني. 

أثّرت فينا ماكينة العدو الدعائية التي أنفق عليها ثروات ضخمة فصار بعضنا يُردد ادعاءات المُحتل بنصوصها وكذبها، ضعنا في الأسئلة وتوّهنا أصل القضية فتهنا فيها وأصبحت كل قضايانا تيهًا بعد تيه.

هؤلاء المُحتلون مُغتصبو ثرواتنا التي نشتريها اليوم، مُعتقِلو أشقائنا، ومقطّعو أوصالنا، يقتلوننا ببضائعهم المسروقة منا، ويروجون لأكاذيبهم بدعايتهم التي نُشارك فيها وفي نشرها؛ هذه هي الحقيقة التي نهرب منها تحت سواتر العجز والتحجج بالواقعية والعملية و"الإنسانية"!

إن فلسطين ليست قضية هامشية على جدول همومنا، وإنما هي قلب قضايانا، بل هي قضيتنا الأولى والأصيلة 

أوليس الأكثر إنسانية تعرية هؤلاء المجرمين بنبذهم وعزلهم عنّا حتى يظهروا على حقيقتهم كمحتلين ومجرمين، بدل من قبولهم كأشخاص وكيانات طبيعية؟ هذا هو صوت الضمير الذي سمعه أصحابه في الجامعات والمتاجر والسينمات والملاعب، بينما نكتمه نحن بأصوات أخرى، نحن أصحاب الحلم المُشترك والهم الواحد، نحن الذين نرفع أعلام تونس في القاهرة ونُطالب بحرية السودان من بيروت؛ هناك جزءٌ منّا مقطوع لا نكتمل إلا به ولا نصدق إلا بوجوده، إنه قلب المعنى لنضالنا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

كيف يساهم "مناهضو التطبيع" في تفتيت الإجماع ضده؟

المقاطعة والبحث عن جبهة أخلاقية