فلسطين في الوجدان الإسباني.. التزام تاريخي يختبر حدود السياسة الأوروبية
18 سبتمبر 2025
تعود جذور الموقف الإسباني الداعم للقضية الفلسطينية إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية. فعلى الرغم من أن إسبانيا أعلنت الحياد ولم تشارك بشكل مباشر، إلا أن الجنرال فرانسيسكو فرانكو، رئيس الدولة الإسبانية حينها، قدّم دعمًا لدول المحور عبر إرسال متطوعين ومعدات عسكرية، وأبدى تعاطفًا واضحًا مع تلك الدول. غير أن خسارة المحور أدخلت إسبانيا في عزلة دولية خانقة، وتم استبعادها من عضوية الأمم المتحدة، مما اضطر فرانكو إلى البحث عن منافذ سياسية عبر الدول العربية لفك العزلة، الأمر الذي دفعه إلى إظهار دعم للقضية الفلسطينية.
وعلى الرغم من انضمام مدريد إلى الأمم المتحدة وبناء علاقات مع إسرائيل، رأت اسبانيا أن موقفها من القضية الفلسطينية هو موقف إنساني لا يجب أن يتبدل، لذلك واصلت إبداء مواقف مؤيدة للفلسطينيين، إذ أدانت الاحتلال الإسرائيلي عام 1967، ثم منعت خلال حرب أكتوبر 1973 الولايات المتحدة من استخدام قواعدها العسكرية في الأراضي الإسبانية لإرسال الأسلحة إلى إسرائيل. وفي 22 تشرين الثاني/نوفمبر 1974، دعمت إسبانيا القرارين 3236 و3237 في الجمعية العامة، اللذين أكدا حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.
رعاية مدريد للسلام
كانت إسبانيا أول دولة أوروبية تستقبل رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات، ومع وصول الحزب الاشتراكي العمالي (PSOE) إلى الحكم عام 1982 برئاسة فيليبي غونثاليث، شهدت القضية الفلسطينية تحولًا مهمًا في سياق السياسة الإسبانية، وخلال رئاستها للاتحاد الأوروبي في الجمعية العامة عام 1989، دفعت إسبانيا لإصدار إعلان مدريد الذي طالب الاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني بما فيها حق تقرير المصير، كما رعت مؤتمر مدريد للسلام. وصرح غونثاليث في افتتاح المؤتمر قائلًا: "نلتقي اليوم لنسع إلى وضع أسس سلام لا يستثني أحدًا، سلام يشمل الجميع ويقوم على الأمن والكرامة"، هذا الموقف نابع من توجهات الحزب الاشتراكي الذي يتبنى خطابًا يساريًا قائمًا على الدفاع عن الشعوب المقهورة والمطالبة بالعدالة الاجتماعية. وبالنسبة للاشتراكيين، تمثل فلسطين رمزًا لمناهضة الاحتلال، تمامًا كما مثلت جنوب أفريقيا رمزًا لمناهضة الفصل العنصري.
على الرغم من انضمام مدريد إلى الأمم المتحدة وبناء علاقات مع إسرائيل، رأت اسبانيا أن موقفها من القضية الفلسطينية هو موقف إنساني لا يجب أن يتبدل
التحالفات الداخلية: من بوديموس إلى كتالونيا والباسك
في عام 2018، قدّم رئيس الحزب الاشتراكي العمالي، بيدرو سانشيز، مذكرة حجب ثقة ضد حكومة ماريانو راخوي (الحزب الشعبي)، بدعم من حزب "بوديموس" اليساري وأحزاب قومية كاتالونية وباسكية. وبفضل هذا الدعم، أصبح سانشيز رئيسًا للحكومة. هذه الأحزاب، التي تناضل منذ عقود من أجل حق تقرير المصير داخل إسبانيا، وجدت في فلسطين انعكاسًا لمعركتها: شعب يسعى للاستقلال ويواجه احتلالًا يرفض الاعتراف بحقه. ومن هنا برزت شعارات مثل: "من كتالونيا/الباسك إلى فلسطين، نفس النضال من أجل الحرية". هذا التلاقي أضفى زخمًا إضافيًا على حضور القضية الفلسطينية داخل إسبانيا، ورسّخه في الخطاب السياسي والشعبي معًا.
لم يقف الدعم الإسباني عند السياسة الرسمية، بل يمتد إلى الشارع. فالتجربة التاريخية مع الديكتاتورية في عهد فرانكو، إلى جانب إرث الاستعمار، جعلت الشعب الإسباني أكثر تعاطفًا مع الشعوب التي تعاني من الاحتلال. كما أن وجود أكثر من 2.5 مليون مسلم في إسبانيا عزز من حضور القضية الفلسطينية في الوعي الجمعي.
وأظهر استطلاع لمعهد "إلكانو" الملكي في أيار/مايو 2024 أن 78% من الإسبان يؤيدون اعتراف الدول الأوروبية بفلسطين، وهي نسبة تشمل غالبية الناخبين من مختلف الأحزاب. هذا التوافق الشعبي، إلى جانب حكومة يسارية ومنظمات مجتمع مدني داعمة، هيأ بيئة سياسية واضحة لمواقف مدريد المؤيدة لفلسطين. وقد تجسد ذلك في المظاهرات الضخمة التي اجتاحت إسبانيا بعد حرب السابع من أكتوبر 2023 رفضًا للإبادة في غزة.
الحسابات الأوروبية والأطلسية
منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، حافظت مدريد على خط واضح بشأن القضية الفلسطينية، حتى بعد انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو. ومنذ اندلاع العدوان على غزة عام 2023، كان بيدرو سانشيز الصوت الأوروبي الأبرز المطالب بوقف إطلاق النار واحترام القانون الإنساني، في وقت وقفت فيه دول أوروبية أخرى إلى جانب إسرائيل.
واستغلت إسبانيا رئاستها الدورية للاتحاد الأوروبي أواخر 2023 للدفع نحو موقف أكثر توازنًا، ودعت إلى عقد مؤتمر سلام دولي تحت رعاية الأمم المتحدة لإحياء حل الدولتين. تصريحات سانشيز التي وصف فيها ما يجري في غزة بأنه "إبادة جماعية" أثارت غضب تل أبيب، التي استدعت سفير مدريد، فيما ردّت إسبانيا بخطوة مماثلة. ومع ذلك، تمسكت مدريد بموقفها، حتى على حساب توترات مع بعض الحلفاء، معتبرة أن الدفاع عن المدنيين أولوية لا يمكن التراجع عنها.
الأساس السياسي والقانوني
كانت إسبانيا آخر دولة أوروبية تعترف بإسرائيل عام 1986، لكنها في المقابل أصبحت في 28 أيار/مايو 2024 ثاني دولة أوروبية بعد السويد (إلى جانب أيرلندا والنرويج) تعترف رسميًا بدولة فلسطين. وقال رئيس الوزراء بيدرو سانشيز في تلك المناسبة إن "اعتراف بلاده بدولة فلسطينية مستقلة خطوة تاريخية تتماشى مع قرارات الأمم المتحدة، وليست موجهة ضد أي طرف". من جهته، أكد وزير الخارجية خوسيه مانويل ألباريس أن "الوقت قد حان للاعتراف بالدولة الفلسطينية"، مشددًا على أنه "لا يمكن السماح بقتل مزيد من الأبرياء". كما انتقدت مدريد مرارًا سياسة الاستيطان الإسرائيلية، وكان آخرها في بيان صدر في 30 أيار/مايو 2025 أدانت فيه بناء 22 مستوطنة جديدة في الضفة الغربية، واعتبرتها غير قانونية بموجب القانون الدولي.
لم تكتف مدريد بالتصريحات، بل اتخذت خطوات ملموسة. فقد أرسلت مساعدات إنسانية إلى غزة، وأوقفت بيع المعدات العسكرية لإسرائيل، وزادت الدعم المالي لوكالة غوث وتشغب اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، كما دعمت عمل المحكمة الجنائية الدولية. وفي 8 أيلول/سبتمبر 2025 أعلن سانشيز عن 9 إجراءات إضافية، منها: حظر دائم على بيع الأسلحة لإسرائيل، منع عبور السفن التي تنقل وقودًا للجيش الإسرائيلي عبر الموانئ الإسبانية، رفض دخول الطائرات التي تنقل معدات دفاعية، زيادة مساهمة الأونروا بمبلغ 10 ملايين يورو، ورفع المساعدات الإنسانية لغزة إلى 150 مليون يورو عام 2026.
لم تكتف مدريد بالتصريحات، بل اتخذت خطوات ملموسة. فقد أرسلت مساعدات إنسانية إلى غزة، وأوقفت بيع المعدات العسكرية لإسرائيل، وزادت الدعم المالي لوكالة غوث وتشغب اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"
في هذا السياق ألغت الحكومة الإسبانية عقدًا بقيمة 850 مليون دولار لشراء قاذفات صواريخ إسرائيلية الصنع، وذلك عقب تأكيدها حظر إبرام عقود تسلّح مع إسرائيل بهدف وقف الإبادة الجماعية في غزة.
كما شهدت مدينة برشلونة في 31 من آب/أغسطس الماضي، إبحار "أسطول الصمود العالمي" حاملًا مساعدات إنسانية وناشطين في محاولة لكسر الحصار غير القانوني الذي تفرضه إسرائيل على قطاع غزة.
إلى جانب السياسة والدبلوماسية، حافظت إسبانيا على تعاون أكاديمي وثقافي مع الفلسطينيين، عبر برامج تبادل ومنح دراسية. كما برزت مبادرات بلدية مثل توأمة برشلونة مع غزة لمدة 25 عامًا. وفي شباط/فبراير 2023، علقت رئيسة بلدية برشلونة، آدا كولاو، اتفاقية التوأمة مع بلدية تل أبيب احتجاجًا على الانتهاكات المنهجية لحقوق الفلسطينيين.
محدودية اللوبي الصهيوني في إسبانيا
مقارنة بدول أوروبية أخرى، يبقى نفوذ اللوبي المؤيد لإسرائيل محدودًا في مدريد، وذلك لأسبابٍ عدة، أبرزها صِغر حجم الجالية اليهودية في إسبانيا التي لا يتجاوز عدد أفرادها نحو 45 ألفًا. كما أن المزاج العام المؤيد لفلسطين في الإعلام والشارع حدّ من قدرة اللوبي الصهيوني والجهات المساندة له على التأثير الفعّال في النظام الإسباني أو في الرأي العام الداعم للقضية الفلسطينية. وحتى عندما حاولت بعض الجهات وصمَ مواقف مدريد تجاه تل أبيب بـ"معاداة السامية"، شددت الحكومة الإسبانية على أن انتقاد سياسات إسرائيل لا يعني مطلقًا كراهية اليهود.
إن موقف إسبانيا من القضية الفلسطينية ليس عابرًا أو مرتبطًا بحكومة بعينها، بل هو امتداد لمسار تاريخي وسياسي وثقافي. فمدريد اليوم ليست مجرد عاصمة أوروبية ترفع شعار السلام، بل باتت تُعرَف بصوتها المطالب بإنصاف الفلسطينيين، حتى ولو كلّفها ذلك الدخول في توترات مع بعض الحلفاء.
ويبقى السؤال مطروحًا: هل يملك ميزان القوى داخل الاتحاد الأوروبي من المرونة ما يسمح لإسبانيا بتحويل هذا الموقف المبدئي إلى سياسة أوروبية مؤثرة؟