فقاعة الذكاء الاصطناعي على وشك الانفجار.. ما الذي ينتظر العلماء؟
4 ديسمبر 2025
تتزايد التحذيرات في الأوساط الاقتصادية والأكاديمية من احتمال انفجار "فقاعة الذكاء الاصطناعي"، بعد سنوات من النمو المتسارع والاستثمارات الضخمة في هذا القطاع الذي يُعدّ الأسرع تطورًا في تاريخ التكنولوجيا الحديثة.
ومع أن الذكاء الاصطناعي، بتطبيقاته المختلفة، غيّر العديد من المجالات، إلا أن علامات التباطؤ بدأت تظهر، ما دفع محللين إلى التحذير من أزمة وشيكة قد تترك آثارًا واسعة على تمويل الأبحاث والوظائف في الصناعة.
استثمارات غير مسبوقة
ووفقًا لتقرير نشرته مجلة "نيتشر" العلمية، فخلال الأعوام الماضية، تضخمت الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي إلى مستويات تاريخية، إذ تشير الأرقام إلى أن القطاع جذب أموالاً تفوق بنحو 17 مرة حجم الاستثمارات التي ضُخت في شركات الإنترنت، قبل انفجار فقاعة "الدوت كوم" مطلع الألفية.
وتقدَّر قيمة شركة "إنفيديا" وحدها بحوالي 4.6 تريليون دولار، أي أكثر من اقتصاد معظم دول العالم، باستثناء الولايات المتحدة والصين وألمانيا. لكن هذه الطفرة المالية لا تنعكس على أداء الشركات التي تبنّت الذكاء الاصطناعي، إذ كشف تقرير لشركة "ماكينزي" أن 80% من الشركات التي استخدمت تقنيات الذكاء الاصطناعي لم تسجل تأثيرًا كبيرًا على أرباحها.
تتزايد التحذيرات في الأوساط الاقتصادية والأكاديمية من احتمال انفجار "فقاعة الذكاء الاصطناعي"
كما أن العلماء بدأوا يشتكون من أن البنية الحالية للدردشة الآلية "تشات بوت" قد تؤدي إلى الإضرار بالأبحاث العلمية بدل دعمها، وسط تشكيك متزايد في جدوى هذه التقنيات مقارنة بحجم الضجيج المحيط بها.
حتى كبار قادة الصناعة يبدون القلق، فقد أقرّ سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لـ"OpenAI"، بأن القطاع يبدو في أجزاء منه "فقاعة حقيقية".
مقارنات مع فقاعة الدوت كوم
يرى خبراء الاقتصاد أن أي انهيار مرتقب في سوق الذكاء الاصطناعي قد يكون أكثر قسوة من فقاعة الإنترنت قبل نحو 25 عامًا، وهي الأزمة التي تسببت في خسارة أكثر من 5 تريليونات دولار، وإغلاق آلاف الشركات وتسريح مئات آلاف الموظفين.
لكن التاريخ يظهر أن صدمات مثل هذه ليست سلبية بالكامل. فبحسب جون تيرنر، أستاذ الاقتصاد بجامعة كوينز في بلفاست، تسببت الأزمة السابقة في تسريح أعداد كبيرة من المهندسين والمبرمجين، لكن الإنتاج العلمي في علوم الحاسوب لم يتراجع، واستمر الابتكار في الاتصالات والإنترنت بوتيرة متصاعدة.
مع أن الذكاء الاصطناعي، بتطبيقاته المختلفة، غيّر العديد من المجالات، إلا أن علامات التباطؤ بدأت تظهر، ما دفع محللين إلى التحذير من أزمة وشيكة قد تترك آثارًا واسعة على تمويل الأبحاث والوظائف في الصناعة
ويقول خبراء إن الشركات الكبرى، مثل OpenAI وغوغل وإنفيديا، ستنجو من أي انهيار محتمل، بينما ستتأثر الشركات الناشئة التي اعتمدت على موجة الذكاء الاصطناعي دون أساس ابتكاري قوي، مثل التطبيقات المتكررة لتدوين الملاحظات أو توليد الأكواد.
الابتكار ينتقل لقطاعات جديدة
يرى بعض الاقتصاديين أن للأزمات جانبًا إيجابيًا، إذ يمكن أن تؤدي إلى انتقال العقول من الشركات إلى مجالات أخرى، مما يخلق موجات جديدة من الابتكار، تمامًا كما حدث بعد "فقاعة الدراجات الهوائية" في القرن التاسع عشر، التي أطلقت شرارة تطور السيارات والطائرات.
ويُرجّح ديفيد كيرش، المؤرخ في جامعة ميريلاند، أن "تحرر" المواهب من استحواذ شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى سيُنتج أدوات علمية مفيدة للبشرية، أكثر مما تنتجه الشركات التجارية اليوم. ويضرب مثالاً بنظام AlphaFold لفهم طيّ البروتين، الذي أحدث ثورة في البيولوجيا.
هل يعود الباحثون إلى الجامعات؟
هيمنة الشركات التقنية على قطاع الذكاء الاصطناعي أدّت إلى ما يُعرف بـ"هجرة العقول"، حيث تتقاضى المواهب رواتب أعلى بكثير مما تقدمه الجامعات.
لكن هل يؤدي انفجار الفقاعة إلى إعادة الباحثين إلى المؤسسات الأكاديمية؟ الخبراء يعتقدون أن ذلك ممكن، لكن ليس بالقدر الذي يعيد الجامعات إلى مركز قيادة الأبحاث. فحتى موجات التسريح الكبيرة عامَي 2022 و2023 لم تغيّر المشهد، إذ لا تزال الشركات تستقطب معظم خريجي الدكتوراه، وما يزال 90% من أكبر نماذج الذكاء الاصطناعي تُطوّر داخل الشركات وليس الجامعات.
موجة ابتكار علمي جديدة
وبدأ بعض كبار الباحثين في مغادرة شركات التكنولوجيا بالفعل، لتأسيس شركات ناشئة تركّز على اكتشافات علمية، وليس على تطبيقات استهلاكية. وأبرز الأمثلة على ذلك كان تأسيس شركة Periodic Labs على يد باحثين سابقين في OpenAI وغوغل وميتا، لتطوير أدوات علمية في الفيزياء والكيمياء. كذلك إعلان يان لوكون، كبير علماء الذكاء الاصطناعي في ميتا، نيته مغادرة الشركة لتأسيس مشروع جديد يعتمد على تطوير "نماذج عالمية"، تفهم خصائص الواقع المادي وتستطيع التخطيط، وليس فقط الرد على الأوامر.
ويرى جون تيرنر أن الأموال والجهد البشري الضخم الذي ضُخّ في الذكاء الاصطناعي لن يضيع، بل سينتقل إلى مجالات جديدة قد تنقل الابتكار إلى مستويات غير متوقعة.







