فــيـروز.. عتبات البـهـجة

فــيـروز.. عتبات البـهـجة

مع نصري شمس الدين

صوتها ضمَّة برق فوق نيسان. بهذه العبارة السابقة اعتصر الشاعر شوقي بزيع تفاصيل الطبيعة في صوت تلك الفتاة السيريانية الخجولة والتي شهدت مدرسة "حوض الولاية" للبنات خطواتها الأولى. هناك في حي "زقاق البلاط" ببيروت كانت الصبية "نهاد وديع حدَّاد" على مقربة من سُلّمة المجد الأولى حين قدَّمتها مديرة المدرسة "سلمى قربان" ضمن فريق المنشدات إلى صوت الوطن الحائر "الأخوين فليفل" تمهيدًا لنشيد "الشجرة" في الإذاعة. هناك تعرف عليها رئيس القسم الموسيقي آنذاك "حليم الرومي" ليُطلق عليها "فيروز".

تروي فيروز أن عاصي الرحباني ليس أول من لحن لها، بل حليم الرومي

في هذا الشهر احتفى "مركز الهلال للتراث الصحفي" بعيد ميلادها الثمانين بإصدار ملحق تذكاري عنها يحتوي على العديد من الصور النادرة ومقالاتٍ بأقلام كوكبة من النقّاد والصحافيين من بينهم الابن الموسيقار "زياد رحباني". ربما نحتاج هنا إلى إلقاء الضوء على أول حوارين لفيروز والرحابنة للصحافة المصرية؛ كان أولهما لمجلة "لأهل الفن" في عددها (86) الصادر بتاريخ السبت (30 تموز/يوليو 1955). كانت تلك الزيارة الأولى للقاهرة في عام 1955 لقضاء شهر العسل.

يستهل المحرر فاروق القاضي الحوار بقوله: "القاهرة.. حي الزمالك.. وفي منزل هادئ وشارع هادئ التقيت بالثلاثي رحباني.. "فيروز" المرأة الهادئة الخجول، و"عاصي" الزوج الممتليء القصير القامة الخفيف الظل، و"منصور" الشاب الوسيم القليل الكلام الكثير الغمزات واللمزات.. ثلاثة تحسّ بأن بينهم معركة فنية خفية، تصطرع تياراتها الكهربائية التي تصدر من نبع نفوسهم التي ترعرت على سفوح جبال لبنان.. منذ أن جمعوا الكروم، وعملوا في الشرطة، وتركوا الدرك لكي يطربوا الناس.. حتى أنها قد تصلح لأي شيء إلا الغناء فكانت مغنية "يابا لا لا".. وزوجة عاصي رحباني وبطلة الثالوث اليوم".

يكشف لنا الحوار بدايات عاصي ومنصور، حيث بدأ حبهم للموسيقى من أصابع الوالد الذي كان عازفًا للبزق. ثم الأستاذ الأول القديس "بوليس الأشقر" الذي علَّمهما أصول الموسيقى. تمضي الأيام ليتم تعيين كل منهما شرطيًّا أحدهما في "أنطلياس" والآخر في "بيروت"، لكن يبدو أن معادلة حفظ الأمن في النهار وإطراب الناس في المساء باتت عسيرة. استقال الأخوان، وانضما للإذاعة اللبنانية، وبعد عدّة محاولاتٍ فاشلة للعزف على الكمان جاء الأستاذ الفرنسي "برتران روبير" أستاذ الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة ليعلّم عاصي أصول العزف السليم، ومع التقرّب من الأستاذ "توفيق سكّر" تعلّم التحليل الموسيقي والفورم. كانت أحب الألحان إلى قلبهم: "على صخور لبنان"، و"عروسة المواسم"، و"النهر العظيم" المُسجلة للإذاعة المصرية، وكذلك "راجعون". لكن ظلَّ السؤال الملّح: كيف تعرّف عاصي ومنصور على فيروز؟

قبل الإجابة على السؤال السابق نحتاج للعودة إلى العدد (798) لمجلة "الكواكب" الصادر بتاريخ 15 نوفمبر 1966 في حوار للسيدة فيروز أجراه "عبد التواب عبد الحي". تشير فيروز إلى أنها ولدت في حي "زقاق البلاط"؛ أقدم أحياء بيروت وأحدثها، فيه قصور لأغلب الحكَّام والشخصيات السياسية، وفيه شقق قديمة أيضًّا. وُلدت فيروز في شقة متواضعة تتكون من غرفتيّن يتيمتين لوالد يُدعى "وديع حدَّاد" عمل بالطباعة لدى جريدة "لي جور" النهار باللغة الفرنسية، وأم ربّة منزل.

لم تكن هذه الخِلفة مصدر سعادة بالنسبة له، فقد كان يرغب في خِلفة الذكور. نشأت فيروز بين الأخ يوسف (موظف بشركة التأمين الأهلية ببيروت)، وهدى، وآمال (الطالبة بمدرسة الراهبات). درست فيروز في المدرسة الابتدائية أربع سنوات فقط، فقد قررت التفرغ للغناء قبل الامتحانات النهائية. كانت تقضي نصف ساعة أسبوعيًّا للتدرب على الغناء والأناشيد، ومقابل هذه النصف ساعة كانت تتفنن في ضياع الوقت ما بين لعب الكرة والتشاجر مع الأخ يوسف. ومع الطبخ لم تكن الأمور جيدة أبدًا فكان يكفيها سلق المعكرونة الاسباجيتي.

وُلدت فيروز في شقة متواضعة تتكون من غرفتيّن يتيمتين لوالد كان يحلم بخلفة الذكور

في ربيع عام 1949 حضر "سليم فليفل" إلى مدرسة الإناث الثانوية ليختار مجموعة من الفتيات للاشتراك في الغناء الإذاعي، وتحديدًا في ركن الأناشيد الوطنية. لقد تذكرت فيروز اسم النشيد الجماعي "وطني الأغر". قال لها فليفل: "حاكي بيك يا بنيتي.. ناخدك الكونسيرفاتوار؟"، لم يعترض الوالد واشتركت فيروز بفرقة كورال الإذاعة بملغ مائة ليرة. بمرور الوقت كان لابد من وجود اسم فني، وأخيرًا استقر الملحن اللبناني ورئيس قسم الموسيقى بالإذاعة "حليم الرومي" على "فيروز" بدلًا من "شهرزاد". 

كما تروي فيروز أن عاصي الرحباني ليس أول من لحن لها، بل حليم الرومي وكان اللحن بعنوان "يا حمام يا مروح بلدك". في أواخر عام 1950 أرسل حليم الرومي مكتوبًا لعاصي الرحباني المُلحِن بقسم الموسيقى ليحضر إلى دار الإذاعة. غنّت له فيروز "يا ديرتي" للراحلة أسمهان ولم تعجبه، ثم "يا حمام" وهنا قاطعها عاصي بقوله: "يا مودموازيل.. صوتك ما بينفع.. بدك تدريب كتير". كانت أول ألحان عاصي لفيروز "حبذا يا غروب" لقبلان مكرزل لكنَّها لم تنجح، وبعد الاستفادة من الأخطاء والتجارب السابقة جاءت أغنية "عتاب" في عام 1954. 

نجحت الأغنية وأصبحت إعلانًا متكررًا في الإذاعات للشخصية الفنية الجديدة فيروز. وبعد الانتهاء من الدراسة تتزوج من عاصي في يناير 1954 لتتوالى الأغنيات الناجحة التي تم استلهامها من الفلكلور الشعبي أمثال: "يابا لالا"، و"هيك مشق الزعرورة"، ومن أشهر الاسكتشات التي أصبحت نواةً للمسرح الغنائي: "جيران القمر"، و"الليل والقنديل"، و"بياع الخواتم". ربما لم تجدْ فيروز في هذا الحوار أيضًّا تعليلًا لسماع طبقة المثقفين لها، لكن عاصي أشار إلى الإطار الجاد والراقي الي تُوضعْ فيه الأغنية ربما يقرّب المثقفون إليها. وصف عاصي فيروز بأنها "زوجة بسيطة وفنانة بسيطة. حيث لا انشغال بفنها تقعد في بيتها لتشرف على تربية الأولاد. لا تراها كثيرًا في مجتمعات بيروت ولياليها. شخصية اجتماعية إنما في حدود". ويتابع عاصي: "سمعية ممتازة لكل أنواع الموسيقى والغناء، تسمع كلاسيك وراقص، تسمع اسطوانات أغانٍ بكل اللغات – طبعًا لا تعرف بجانب اللغة العربية غير اللغة الفرنسية، لكنها لا تهتم بمعنى الأغنية تهتم بطريقة الأداء، وأهتم أنا ومنصور بطريقة تركيب الجمل اللحنية أو فورميولا اللحن".

تسمع فيروز اسطوانات أغانٍ بكل اللغات، لكنها لا تهتم بمعنى الأغنية بمقدار ما تهتم بطريقة الأداء

عندما توقف الثلاثي عند أغنيات سيد درويش كان لابد من العودة إلى سبب اختياره. في الحوار الأول لأهل الفن السابق ذكره، أشار عاصي أنه طالما استمع إلى أغنيات سيد درويش وألحانه عبر أثير الراديو في بلدته "أنطلياس" وخصوصًّا عن طريق الملحن "ميشيل خياط" الذي عمل معه. قال عنه عاصي: "إنه وجه صادق جدًا من وجوه الموسيقى المصرية، أو الغناء المصري وسوف تقوم فيروز بغناء بعض أغانيه، كما ستقوم بتنفيذ برامج على الأوركسترا له...". لذلك نجد أن اسطوانة "فيروز الأغاني الخالدة للأخوين رحباني" التي أُنتجت في عام 2003 تضمنت أغنيات سيد درويش الأولى التي سجلها الرحابنة معها بتوزيع مختلف أمثال: "زوروني كل سنة مرة"، و"طلعت يا محلا نورها"، وكذلك "أهو ده اللي صار" التي غنتها في بيت "فخر الدين".

إذا عدنا للزيارة الأولى للقاهرة كانت لقضاء شهر العسل والعمل للإذاعة المصرية أيضًا بدعوة من أحمد سعيد رئيسها آنذاك. تعاون الرحابنة مع كارم محمود، وأنتجوا مجموعة من الأعمال المميزة كان أبرزها "زرياب" عام 1955، ويتضّح ذلك من خلال غلاف إحدى الاسطوانات لصوت القاهرة وقد كُتِبْ عليها: "سهرة مع فيروز وكارم محمود: حكايات الربيع، وحلم الصباح، وزرياب" اسطوانات صوت القاهرة تقدم مجموعة من روائع فيروز من تأليف وتلحين الأخوين رحباني. أحبت فيروز القاهرة عشقت صوت أم كلثوم، وليلى مراد حيث تسربت الأغاني من راديو الجيران، وحملتها النسائم إلى أطراف أذنيها. لكنهم رأوا أن لموسيقار الأجيال "محمد عبد الوهاب" فضل كبير في تطور الأغنية العربيـة.

لقد كانت الزيارات حاشدة بالأعمال والتفاصيل، لكننا اكتفينا هنا بإلقاء بعض الظلال الواضحة على عتبات تلك السيدة التي جعلت من الخارطـة اللبنانية أكثر اتساعًا.

اقرأ/ي أيضًا:

25 عامًا على رحليها.. نادرة في سمائها

حين أمسكت أم كلثوم بالترومبيت