فظاظة العشق

فظاظة العشق

الكسندر كالدر/ أمريكا

نزعت عنها خمول ظهيرة قائظة وجاهدت في التخلص من طراوة السرير، وتلك الأنفاس الجاثمة فوقه ترّتق الغرام الذي اكتسح جسدها الغضّ، وسط غلالة حمراء من دانتيل متشابك ومتقن في تفاصيل الغواية كميثولوجيا إغريقية، تكشف سائر مفاتنها.

كانت ليلتها المنشودة بعد انتظار مكلل بمواعدة عصفت بخرافة الحب العذريّ، مكتحلة بجمر الأشواق وصلافة الحنين تجاه هارون، سيد قلبها وحبيبها المحتجز في أروقة روحها، فلا غرابة أن تدفن بين ضلوعه صباها الآسر، وتوقد شعلة أنوثتها فتصير الدماء امتزاج الندى بالورد، فلا ترتدّ ولا تنطفئ بل تجازف على غير اعتياد في طيّ الشوك والتقاط جروحه، لتلعق نتوءات الوجع وتفترس اغصانه الوديعة.

لمحته واقفًا عند النافذة شاردًا، بينما الشمس تغازل صدره العاري وهو رابض دون حراك مستسلم لأشعتها الحارقة، فهرعت إليه متوجسة.

-هارون... حبيبي أنت بخير؟

 تبسّمت واحتضنت جسده بشغف.

بادلها الابتسام وعانقها بحب، لقد قالت عيونهما الكثير، عاقدة اتفاقهما الأبدي وتشابكت أصابعهما في قوة.

ثم استدرك قائلًا:

-كنت تغزلين عرسنا البارحة بشقاوة طافحة.

طبع قبلة على جبينها وهو يرمقها بدفء حيث بدت له مضيئة وشفافة كبدر ليلة اكتماله.

-ها نحن نعقد هدنة مع الحرب ونحتفظ بلعبتنا القديمة ونستسلم لخرافة الحب.

قهقهت نور بدلع فائض وهي تجرّه من يده إلى الطاولة القابعة وسط الغرفة، المتبرجة بأشهى الطعام مع اقداح ملفعة ببقايا شفاه جامحة وشمعدان فاخر لم يأنف من الاشتعال، كأنه يدندن على إيقاع النشوة المستحوذة على الأجواء.

انحرف هارون بتوترّ مسبق بدى على محياه، وأخذ سيجارة ونفث دخان حيرته في الفراغ دون أن ينبس ببنت شفة.

لقد صعب عليه الأمر وتملّكه سكوت شاذ ومريب تجاه حبيبته، وهي تمعن النظر إليه وتحبس أنفاسها باستهجان وغرابة تجاه هدوئه المروع، بعد ليلة صاخبة كانت تمضغ فيها جلّ فاكهتها لتحيلها إلى شهد رطب بين فكيه، ثم تروي ظمأ الحناجر بنبيذ معتق في أسحار اللهفة وليالي البعاد الطاعنة في جوعها إلى العناق.

تفحصته وهي تجلس بقلق عند حافة السرير، وانتظرت حتى ينتهي من سيجارته، ورددت في نفسها بعزم أن تنال من شروده وتقطع صمته اللعين.

-ما الأمر؟ تبدو قلقًا!

سألته وهي تقبض على ذقنه وترفع رأسه تجاهها لتلمح خليطًا من الملامح المتأرجحة فوق وجهه، مع قصة شعره المنساب بغير ترتيب. يبدو جذابًا لكنه مخيف في الوقت نفسه. تعرف جيدًا أنه يشبه بول أوستر بوسامته الشديدة، وأن أفكاره منفلتة من السائد ومشبعة بثقافة ثورية، فلطالما أحب تشي غيفارا وانغمس في كتب التاريخ لتراوده كوابيس، تمخضت عن قدره المحتمل والملتقط لهتاف المقاومة في بلد انهكته الحروب.

خطوة واحدة كانت ستملأ ثقوب ذاكرته الغائصة في مصيره المحتّم بعد استشهاد والده، ومنذ شهقة ميلاد أخرجته إلى دوامة الحياة وخارطة وطن.

تململ في مكانه وعيناه تنظران صوب نور، وهي تمسح وجهه برقة يغالبها القلق، ثم انتفض ليلتقط يدها ويقبلها بقوة. تنفس بعمق ناهشًا صمته بتذمر.

-قدر العاشق انعتاق للروح لا مفر منه.

ثم تقهقر صوته وغاب ليعود كأنه ارتعاشة الصدى.

-لن اظل منفيًّا هنا يا حبيبتي ولن أخون ذاكرتي، أنا آسف جدًا، في الغيب فظاظة سلبت كل ضوضاء عشقنا، أنت لست مبتغاي.

 

اقرأ/ي أيضًا:

نجرّ كل هذه الأسماء

أنا في هذه اللحظة