فضيحة "أطباء بلا حدود": إضاءة الزاوية العمياء لمسار العمل الإنساني في حرب السودان
18 يونيو 2026
تأتي حادثة الانتهاكات والاستغلال التي طالت لاجئات سودانيات في معسكرات اللجوء بدولة تشاد، في تناص مكتمل الأركان مع رواية "الرجل الأبيض" للكاتب توني ديسوزا، وإن كان الأمر لا يتعلق بالعرق واللون في هذه الانتهاكات، فالمتورطون فيها من كافة الأعراق والألوان. وتكشف الرواية كيف يمكن للعمل الإغاثي الغربي أن يتحول إلى غطاء للهروب الشخصي، والبحث عن المغامرة، أو ممارسة السلطة والاستعلاء الثقافي تحت مسمى "الخير".
وهي ليست الحادثة الأولى التي تكشف الجانب المظلم للعمل الإنساني الذي يلازم الحروب والأزمات، ولن تكون الأخيرة في مسيرة البشرية. ولكن قُدِّر لها أن تطفو إلى السطح لتُسجَّل ضمن فضائح الانتهاكات التي تتم تحت غطاء الحماية والإنسانية وسط الفئات الهشة التي تبحث عن الأمان النفسي والبدني.
حدث ذلك بعد أن لعبت الصحافة دورًا مركزيًا في أن تتعامل منظمة "أطباء بلا حدود" مع المعلومات التي أوردها تحقيق صحفي لوكالة "أسوشيتد برس" منذ عامين، عن الانتهاكات والاستغلال الجنسي الذي مارسه موظفون محليون وأجانب، وشمل مقايضة الطعام والوظائف بالجنس مع لاجئين نزحوا من السودان بسبب الحرب طلبًا للحماية، وهن الهاربات أصلًا من جحيم الحرب والانتهاكات، وعلى رأسها الاغتصاب الذي واجهنه أثناء اجتياح المدن والقرى.
حادث مؤسف
التحقيق الذي أجرته المنظمة استمر لقرابة العام، وكشف عن وجود 59 انتهاكًا محتملًا، وتم بموجبه فصل 18 موظفًا ومنعهم من العمل مستقبلًا مع المنظمة.
وعبّر المختص في شؤون المنظمات الدولية، الدكتور صلاح الأمين، عن أسفه لما حدث في معسكرات اللاجئين السودانيين بتشاد من انتهاكات، وقال إن اللاجئات السودانيات هربن من جحيم الحرب بحثًا عن الأمان والغذاء والعلاج، وللأسف وجدن الاستغلال في المكان المفترض أن يكون ملاذًا لهن. ووصف تلك الحادثة بالانتهاك المزدوج لكرامة إنسانية منهارة أصلًا بسبب الحرب.
التحقيق الذي أجرته منظمة "أطباء بلا حدود" استمر لقرابة العام، وكشف عن وجود 59 انتهاكًا محتملًا، وتم بموجبه فصل 18 موظفًا ومنعهم من العمل مستقبلًا مع المنظمة
وأضاف أن ما حدث ليس خطأً فرديًا، وإنما فشل منظومة حماية كاملة، ووصف العمل الإنساني بلا أخلاق بـ"الجريمة بلباس أبيض".
من جهته، قال عضو في غرفة الطوارئ السودانية لـ"الترا صوت" إن هذه القضية تسلط الضوء على التحديات التي تواجه اللاجئين والنازحين السودانيين في دول الجوار، خاصة في ظل أوضاع إنسانية معقدة ونقص الموارد وضعف آليات الرقابة والحماية داخل بعض المخيمات. ويشير إلى أن الحادثة أعادت طرح تساؤلات حول ضرورة تعزيز أنظمة المساءلة والرقابة في المؤسسات الإنسانية، وتوفير قنوات آمنة وسرية للإبلاغ عن الانتهاكات، وضمان وصول المساعدات إلى المستحقين دون أي شكل من أشكال الاستغلال أو الابتزاز.
وأكد أن حماية كرامة اللاجئين وحقوقهم يجب أن تكون جزءًا أساسيًا من أي استجابة إنسانية، وأن أي تجاوزات تستوجب تحقيقات شفافة ومحاسبة قانونية عادلة للمتورطين.
نمط متسلسل لحوادث شبيهة
تحيلنا أخصائية الطب النفسي، الدكتورة ناهد محمد الحسن، إلى حقيقة أن هذا النمط من السلوك قائم على قدرة الفرد على تجاوز النظام الأخلاقي، وأن هناك حقيقة علمية تُعرف باسم "الانفصال الأخلاقي"، وتعني أن فكرة الاعتداء، رغم وجود النظام الأخلاقي، تحتاج إلى تبرير عقلي وإلى خلق حالة من التناقض بين الخطأ والصواب. وبحسب حديثها لـ"الترا صوت"، تعتقد ناهد أن المنظمات، بوصفها فكرة إنسانية، ركزت على أداء دورها الإنساني، لكنها أغفلت احتمال استغلال بعض الأفراد لهذا الدور، كما أغفلت بناء أنظمتها الرقابية الكفيلة بالحد من مثل هذه التجاوزات.
من جهتها، تقول الناشطة النسوية ويني عمر لموقع "الترا صوت" إن النساء يعشن في معسكرات اللجوء في سياق هش تغيب فيه أساسيات الحياة، مما يشكل وضعًا يسهل فيه استغلالهن، وتتضاعف هذه المخاطر مع غياب آليات الحماية والتبليغ والوقاية من الاستغلال والعنف الجنسي، أو تجاهل المنظمات لها ومحاولتها التغطية عليها.
وأشارت إلى تجربة أوكسفام في هايتي، عندما كُشف عن حالات استغلال جنسي للنساء هناك في سياق ما بعد الزلزال المدمر في 2010. وقالت إن هذا نمط متكرر يُستغل فيه العاملون في السياقات الإنسانية الموارد والسلطة التي لديهم لاستغلال النساء والفتيات القاصرات.
وتعتقد ويني أن هناك حاجة متزايدة لأن تطور المجتمعات نفسها آليات رقابة وتبليغ، لتعمل بالتوازي مع الآليات التي يُفترض وجودها لدى المنظمات التي تعمل في سياق المساعدات الإنسانية، لضمان سرعة التبليغ وعدم تجاهل المنظمات لهذه الشكاوى والانتهاكات.
لذلك يبدو ما حدث للنساء والفتيات السودانيات في معسكرات اللاجئين في تشاد كنمط متسلسل طالما ارتبط بالفرد وبضعف أو غياب النظم الرقابية والالتزام بلائحة السلوك التي تحكم عمل الفرد في أي مؤسسة.
ففي عام 2002، كشف تقرير مشترك بين "منظمة إنقاذ الطفولة" والمفوضية السامية للاجئين، وثّق مقايضة فتيات بعلب حليب وبسكويت مدعم، واعتُبر وقتها أحد أضخم وأخطر الفضائح الأخلاقية في تاريخ العمل الإنساني الحديث، وعُرفت رسميًا بفضيحة "الجنس مقابل الغذاء" في غرب أفريقيا. واستند التقرير، الذي غطى دول غينيا وليبيريا وسيراليون، إلى شهادات أكثر من ألف شخص، بينهم مئات الأطفال، وكان ضحايا تلك الانتهاكات أطفال وفتيات قاصرات، إذ استغل عمال الإغاثة حاجة اللاجئين للمساعدات الموجهة إليهم أصلًا كوسيلة ابتزاز للحصول على الجنس. ووثق التقرير مقايضة أجساد الفتيات مقابل علب الحليب والبسكويت والقمح وحتى الحصول على الرعاية الطبية.
وعقب الزلزال المدمر في هايتي عام 2010، كشفت تحقيقات داخلية أن كبار موظفي منظمة أوكسفام، بمن فيهم مدير العمليات في البلاد، استأجروا بائعات هوى وحضروا "حفلات جنسية ماجنة" في فيلات استأجرتها المنظمة. وتضمنت الشهادات مخاوف من تورط قاصرات، ووُجهت للمنظمة اتهامات بالتستر على نتائج تحقيق عام 2011، والسماح للمتورطين بالاستقالة أو التقاعد دون إبلاغ السلطات المحلية أو المنظمات الإغاثية الأخرى، مما سمح لبعضهم بالحصول على وظائف في مناطق أزمات أخرى.
داخل السودان لم يسلمن
لا تقتصر انتهاكات موظفي العمل الإنساني ومسؤولي الحماية للفتيات والنساء السودانيات في معسكرات اللجوء بالخارج، بل هناك العديد من الحوادث التي تكشف مدى استغلال بعض العاملين في مجال العمل الإنساني والعاملين في مجال الحماية وتوفير الأمن لأوضاع النازحات في المعسكرات داخل السودان.
وعلى خلفية تقرير منظمة "أطباء بلا حدود" بفصل عاملين لتورطهم في جرائم تتعلق بالاستغلال الجنسي للاجئات السودانيات في تشاد، تقول الحقوقية نون كشكوش، في منشور على حسابها بمنصة "فيسبوك"، إن الفترة الأخيرة شهدت تسجيل أكثر من عشر حالات لفتيات تعرضن للعنف والاستغلال الجنسي في واحدة من معسكرات اللجوء في الولاية الشمالية.
وتضيف أن أخرى في ولاية النيل الأزرق اشتكت من أن أحد مسؤولي تقديم المساعدات الإنسانية استدرجها إلى أحد المخازن ليستغلها مقابل أن تذهب ببعض الحليب والدقيق لأطفالها الجياع.
وفي مدينة كسلا، اتخذت إحدى المنظمات الوطنية قرارًا بفصل مدير فرعها بالمدينة بعد تشكيل لجنة تحقيق معه بخصوص اتهامه بالتحرش بإحدى النازحات إلى المدينة بسبب الحرب. ولا يتوقف الأمر عند حدود العاملين في المنظمات، بل يتعداه إلى الجهات الأمنية المعنية بحماية اللاجئين والنازحين، إذ يستغل البعض موقعه لممارسة انتهاكات في حق النازحات في ظل غياب الرقابة والنظم الرادعة لمثل هذه التجاوزات.
جانب آخر من المشهد
يقول خبير في مجال العمل بالمنظمات الدولية، فضل حجب اسمه، لـ"الترا صوت"، إن بعض الحالات التي تحدث تكون على عكس انتهاكات العاملين، فهي تأتي خاصة من اللاجئين في دول الجوار. ويستشهد ببعض الأحداث التي كانت أطرافها لاجئات حاولن توريط بعض العاملين في المجال الإنساني والطوعي من أجل تضمين حوادث تحرش تدعم وتسهل إجراءات إعادة التوطين بالنسبة لهن، بحجة عدم حصولهن على الأمان في البلد المعني.
تظل الدعوة لوقف الحرب وبسط السلام والأمن هي الحقيقة الأكثر سطوعًا في الحالة السودانية، وهي ما ستدفع ملايين النازحين واللاجئين إلى العودة إلى ديارهم للخروج من هذا النفق. وتبقى الحروب قمة الأزمات التي تجري من تحت نيرانها مثل تلك الانتهاكات، لما تخلقه من أوضاع هشة يكون الفرد فيها أمام خيارات الخضوع للابتزاز والاستغلال أقرب من قدرته على الصمود في وجهها.