ultracheck
  1. ثقافة
  2. مناقشات

فضاءات مساءلة للقراء الصينيين: لماذا تخسر هونغ كونغ مكتباتها المستقلة؟

26 أغسطس 2026
المكتبات المستقلة في هونغ كونغ
المكتبات المستقلة في هونغ كونغ (AFP)
الترا صوت الترا صوت

في خضم التحولات السياسية التي تشهدها هونغ كونغ منذ سنوات، لم تعد المكتبات المستقلة مجرد مؤسسات ثقافية صغيرة تعمل على الهامش، بل تحولت إلى فضاءات رمزية تتقاطع فيها الثقافة مع السياسة، والكتاب مع الرقابة، والقراءة مع أشكال من المقاومة الناعمة.

بالنسبة لقراء من البرّ الرئيسي الصيني، تمثل هذه المكتبات نافذة نادرة على أسئلة محرّمة وسرديات غير متاحة داخل حدود الرقابة المشددة.

هذه المكتبات، التي تنتشر في أحياء مزدحمة مثل شام شوي بو ومونغ كوك ووان تشاي، كانت حتى وقت قريب جزءًا من مشهد ثقافي مزدهر أعقب احتجاجات عام 2019، حين تشكّلت في المدينة موجة من الفضاءات العامة البديلة: مكتبات صغيرة، مقاهٍ ثقافية، وجلسات قراءة ليلية، أعادت تعريف العلاقة بين القارئ والمدينة والسلطة.

لكن هذا المشهد بدأ يتغير تدريجيًا مع تصاعد تطبيق قانون "الأمن القومي"، الذي أعاد تشكيل المجال العام في هونغ كونغ بطريقة جعلت الثقافة نفسها خاضعة لمنطق الرقابة و"الخطوط الحمراء".

المكتبة كفضاء سياسي غير معلن

شهدت هونغ كونغ ازدهارًا في المكتبات المستقلة بعد احتجاجات عام 2019 المؤيدة للديمقراطية، حيث تحولت هذه الأماكن إلى مراكز ثقافية بديلة تجمع بين بيع الكتب وتنظيم النقاشات وتوفير فضاءات عامة للحوار.

وتتجاوز هذه المكتبات وظيفتها التقليدية بوصفها نقاط بيع للكتب، لتتحول إلى فضاءات لإنتاج المعرفة خارج الأطر الرسمية، بما يتيح تداول كتب عن التاريخ السياسي المحظور، وأدبيات نقد السلطة، وسرديات هويات مهمّشة أو مُغيّبة.

شهدت هونغ كونغ ازدهارًا في المكتبات المستقلة بعد احتجاجات عام 2019 المؤيدة للديمقراطية، حيث تحولت هذه الأماكن إلى مراكز ثقافية بديلة تجمع بين بيع الكتب وتنظيم النقاشات وتوفير فضاءات عامة للحوار

إحدى هذه المكتبات هي "هانتر"، التي أصبحت خلال أربع سنوات وجهة دائمة لزوار مثل تشين تشو، شابة في الثالثة والعشرين من مدينة قوانغتشو. تقول تشو لشبكة "بي بي سي"، إن زيارتها الشهرية لهونغ كونغ ليست مجرد عبور جغرافي، بل انتقال إلى مساحة أوسع من الحرية الفكرية، حيث يمكنها العثور على كتب تتناول موضوعات سياسية وتاريخية محظورة في الصين، من أعمال عن ناشطي الحركة الديمقراطية في هونغ كونغ إلى روايات مثل "مزرعة الحيوان" لجورج أورويل وسلاسل مانغا تحمل دلالات سياسية مثل "هجوم العمالقة".

صعود المكتبات المستقلة وتراجعها

غير أن هذا الازدهار بدأ يتراجع تدريجيًا مع توسّع تطبيق "قانون الأمن القومي" الذي فرضته بكين على المدينة. وقد تعرّض هذا الفضاء لهزّة كبيرة إثر مداهمات طالت عددًا من المكتبات.

ففي حزيران/يونيو الماضي، داهمت الشرطة مكتبة "هانتر"، واعتقلت مالكتها ليتيسيا وونغ (33 عامًا) وشخصًا آخر بتهم تتعلق بالتحريض وغسل الأموال، وهي اتهامات ينفيها الموقوفان. وقد وصفت تشو ما حدث بأنه "لحظة صدمة عاطفية عميقة".

وقبل ذلك، في آذار/مارس، أُوقف صاحب مكتبة "بوك بانش" إلى جانب ثلاثة من موظفيه.

وفي تموز/يوليو، اتسعت المداهمات لتشمل مكتبتين إضافيتين هما "غرينفيلد" و"هيف أ نايس ستاي"، حيث اعتُقل خمسة أشخاص بتهم مماثلة، قبل الإفراج عنهم بكفالة.

ولاحقًا، أعلنت مكتبة "غرينفيلد" إغلاق أبوابها بعد انتهاء عقد الإيجار، لتنضم إلى سلسلة متزايدة من إغلاقات المكتبات المستقلة خلال فترة قصيرة.

وبينما تؤكد السلطات الصينية أن القانون ضروري لحفظ الاستقرار، ترى منظمات حقوقية وسكان محليون أنه أدى إلى تضييق واسع على حرية التعبير، تزامن مع اعتقالات طالت ناشطين وصحافيين ومؤسسات مدنية.

مكتبات كمساحات بديلة للمعرفة والذاكرة

لا تقتصر أهمية هذه المكتبات على بيع الكتب، بل تتجاوز ذلك إلى كونها مساحات اجتماعية وثقافية تمنح روادها شعورًا بالمشاركة والانتماء. كثير من الزوار، سواء من هونغ كونغ أو من البرّ الرئيسي، يصفونها بأنها أماكن يمكن فيها اختبار أفكار جديدة والتفكير في التاريخ بطريقة مختلفة.

بالنسبة لبعض الشباب القادمين من الصين، مثل الطالبة لي من شنغهاي، تمثل هذه المكتبات فضاءات "تفتح احتمالات متعددة وتسمح بتحدي الأفكار السائدة". بينما يرى آخرون فيها ملاذًا رمزيًا للحرية التي يشعرون بأنها مفقودة داخل الصين.

كما تحولت بعض هذه المكتبات إلى أماكن تفاعلية، حيث يترك الزوار رسائل تضامن أو ملاحظات على الجدران، كما حدث في مكتبة "هانتر" بعد حريق كبير في إحدى مناطق هونغ كونغ، حيث كُتبت رسائل دعم للضحايا على جدار كامل من الملاحظات اللاصقة.

الرقابة وتمدد "الخطوط الحمراء"

يرى مراقبون أن السلطات في هونغ كونغ لا تكتفي بإغلاق المؤسسات المخالفة، بل تعتمد سياسة "الغموض القانوني"، حيث لا تُعرّف بدقة حدود المسموح والممنوع، ما يدفع أصحاب المكتبات إلى ممارسة الرقابة الذاتية.

ويشير أكاديمي من جامعة كوليدج لندن إلى أن الهدف ليس فقط المعاقبة، بل دفع المجتمع إلى "تخمين الخطوط الحمراء قبل تجاوزها".

في المقابل، تتعرض بعض المكتبات لاتهامات ببيع كتب تمثل "مقاومة ناعمة"، بما في ذلك أعمال سياسية وسير ذاتية لشخصيات معارضة، وهو ما يزيد من الضغوط على هذا القطاع.

الذاكرة السياسية واستعادة التاريخ المحظور

تلعب هذه المكتبات دورًا مهمًا في حفظ سرديات تاريخية غير متاحة في البرّ الرئيسي للصين، خصوصًا ما يتعلق بأحداث "ميدان تيانانمن" عام 1989، الذي لا يزال من أكثر المواضيع حساسية في الصين، حيث يخضع للرقابة الشديدة ويتم حذف أي إشارة إليه من الإنترنت.

بالنسبة لزوار مثل تشو، تمثل هذه الكتب محاولة لفهم أحداث تاريخية غائبة عن التعليم الرسمي، مثل الاحتجاجات الطلابية والقمع العسكري الذي تبعها، والتي لا تزال أعداد ضحاياها محل خلاف واسع.

تراجع الفضاء الثقافي وقلق المستقبل

مع تصاعد الضغوط، بدأت بعض المكتبات إعلان إغلاقها، سواء لأسباب اقتصادية أو نتيجة التضييق و"الخطوط الحمراء" غير الواضحة، وسط مخاوف متزايدة في أوساط العاملين في القطاع من استمرار هذا التراجع.

ورغم ذلك، يرى بعض أصحاب المكتبات والقراء أن فعل القراءة نفسه بات شكلًا من أشكال المقاومة الهادئة؛ فشراء كتاب، أو البحث عن عنوان ممنوع، أو حتى زيارة مكتبة مستقلة، تحوّل لدى كثيرين إلى تعبير صامت عن موقف ثقافي.

فالمكتبة لم تعد مجرد مكان، بل غدت مؤشرًا على شكل الحرية الممكنة داخل مدينة تعيد رسم حدودها الثقافية والسياسية باستمرار.

تقول تشو: "أعرف أن الحرية هنا ليست مطلقة، لكنها أفضل من الصمت الكامل".

كلمات مفتاحية
محمود السعدني

"حارة هذا الرجل".. كيف أعاد محمود السعدني كتابة التاريخ من منظور المهمشين والفقراء؟

ما يجعل محمود السعدني مختلفًا، هو أنه اعتبر أن رحلة كل مهمش وصايع وصعلوك جزءًا أصيلًا لا يتجزأ من تاريخ مصر، ومن الكم والكيف الخاص بها

الكاتب ثيليسون أورليان

سحب رواية من سباق "غونكور".. الذكاء الاصطناعي يطعن في مصداقية الأدب

وجدت أكاديمية "غونكور" نفسها في قلب جدل ثقافي وتقني واسع، بعد قرار استثنائي بسحب رواية "إما هذا أو الموت"، على خلفية اتهامات باستخدام الذكاء الاصطناعي في كتابة الرواية

زنجبار، تنزانيا - ألترا صوت

العرب الذين ابتلعهم المحيط.. حكاية مملكة زنجبار المنسية

كان المجتمع الزنجباري خليطًا من العرب والأفارقة والشيرازيين والهنود، وكانت الهويات أكثر تداخلًا مما توحي به التقسيمات اللاحقة.

كأس أمم أفريقيا
رياضة

نهائي أمم أفريقيا أمام "كاس".. هل يبقى اللقب في المغرب أم يعود إلى السنغال؟

النتيجة النهائية ستحدد ما إذا كان لقب أمم أفريقيا سيبقى للمغرب استنادًا إلى قرار "كاف"، أم أن "كاس" ستلغي القرار وتعيد الاعتبار إلى النتيجة التي انتهى إليها النهائي على أرض الملعب

النفط
أعمال

هامش الأمان يتقلّص.. العالم يقترب من استنزاف مخزونه النفطي الاحتياطي

أقل من 6 مليارات برميل من المخزونات التجارية النفطية لا تزال موجودة عالميًا، والجزء الأكبر منها غير متاح عمليًا للاستخدام الفوري

نوبل
علوم

جائزة نوبل للكيمياء.. عالمان يحلان لغزًا عمره أكثر من قرن

فاز العالمان الفرنسي هنري كاغان والياباني كينسو سواي بجائزة نوبل للكيمياء لعام 2026، تقديرًا لاكتشافاتهما المتعلقة بالتأثيرات غير الخطية والتحفيز الذاتي في التخليق العضوي غير المتناظر

صورة تعبيرية
تكنولوجيا

تصاعد مقلق.. الذكاء الاصطناعي يوسّع إنتاج مواد الاعتداء على الأطفال

لا تكمن المشكلة في كمية المحتوى وحدها، بل في سهولة إنتاجه وتعديله باستخدام أدوات أصبحت متاحة على نطاق أوسع