فصل المقال في ما بين القارئ والكاتب من الاتصال

فصل المقال في ما بين القارئ والكاتب من الاتصال

(Getty) مكتبة أمازون في لندن

القارئ للكاتب كالبنيان يشدّ بعضه بعضًا، ومثل الكُتّاب والقرّاء في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد. الكاتب يجلس على مكتبه ليكتب، والقارئ يجلس في بيته أو عمله أو على المقهى ينتظر ما ستجود به قريحة كاتبه. الكاتب يشبه لاعب السيرك الذي لا يتورع عن السير فوق الحبل، أو القفز داخل دائرة اللهب، أو وضع رأسه في فم الأسد، فقط كيما يفوز بتصفيق قارئه.

كان الكاتب يتعامل مع قرائه مثل رئيس جمهورية مع شعبه، المساحة بينهما شاسعة، مليئة بالخطوط الحمراء

قديمًا كان القارئ يأخذ الكاتب "على بعضه"، ويقول: "فلان كاتبي المفضل"، وحين يتحول الكاتب من درجة "الكاتب العادي" إلى مرتبة "الكاتب المفضل"، يصير إبداعه مقدسًا لدى قارئه، غير قابل للأخذ والرد، فيحفظ القارئ بعض مقولاته ونصوصه، ويحرص على الحصول على توقيعه، والتقاط الصور التذكارية معه، وحين يراه في الشارع يشير له من بعيد، فالكاتب قديمًا كانت له هيبة وعصا ونظارة وملابس رسمية، والقارئ كان طيّبًا ويعرف أقدار الناس، لدرجة أن بعض القرّاء كانوا يقفون بالساعات أمام بوابات مباني الصحف الكبرى، فقط لمشاهدة كاتبهم المحبوب وهو داخل أو خارج، وكان الكاتب يتعامل مع قرائه مثل رئيس جمهورية مع شعبه، المساحة بينهما شاسعة، مليئة بالخطوط الحمراء التي لا يملك أحد تجاوزها.

اقرأ/ي أيضًا: القراءة.. أعظم النعيم

عدد الكتاب كان قليلًا، يمكن عدّه على أصابع اليدين، وعدد القراء كان كبيرًا، وكانت القصص والقصائد تحتل الصفحات الأولى من الجرائد، ولم يكن هناك إنترنت ولا تلفزيون ولا فضائيات، حتى نانسي عجرم وهيفاء وهبي وإليسا ومحمد حماقي وتامر حسني لم يكونوا قد اُخترعوا بعد، وكان القارئ يقرأ كتاب كاتبه المفضل ثم يكتب له رسالة تقدير وعرفان في 10 صفحات أو أكثر، ثم يضعها في مظروف يكتب عليه اسم الكاتب فقط دون عنوان، وكان الخطاب يصل.

القارئ قديمًا كان يفخر بهذه الصفة، وكان من الممكن جدًا أن تسأل شخصًا عن عمله فيقول لك إنه "قارئ"، حتى إنهم أطلقوا مقولات من نوعية "إن غابت الصحاب فصاحبي الكتاب"، و"الكتاب خير جليس"، وبعض القراء كانوا يعزفون عن الزواج حتى لا تشاركهم زوجات المستقبل في الوقت الذي يجب تخصيصه للقراءة.

حاليًا أصبح القارئ يجالس الكاتب على المقهى، ويجلس معه على هامش ندوته أو حفل توقيعه، ويتكلم معه بالساعات على الشات في الإيميل أو فيسبوك، ويعلّق على كل ما يكتبه في بروفايله، بالاستحسان حينًا وبالاستهجان أحيانًا، وأصبح أكثر ما يؤرق الكاتب هو استرضاء قارئه، فهو الذي سيشتري كتابه ليرفعه إلى قمة قائمة "البيست سيلر"، أو سيهجره فلا يسمع به أحد.

اختفى النقاد تمامًا بعد الحروب العديدة التي شهدتها المنطقة و"فرهدة" الانتفاضات الشعبية المجهضة، وتركوا الكاتب لقمة سائغة لقارئه، فأصبح الكاتب يكتب لوجه القراء لا لوجه الفن، ووقع الكاتب الحقيقي في مأزق، فهو يرى مئات الآلاف يصفقون لكاتب كسيح، بينما لا يصفق له أحد حتى زوجته وأولاده، وانقسم الكتاب إلى مغمورين ونجوم، وكله مرهون بذوق مريض غالبًا لقارئ يترك الكتاب ليستمع إلى أغنية لتامر حسني أو يشاهد فيلمًا لمحمد رمضان، أو يحاول حل الكلمات المتقاطعة في صحيفة حكومية، أو يناجي بنات الإلهام ليكتب "ستاتوس" جديدة على فيسبوك.

قارئ اليوم يتعامل مع كاتبه على أنه ليس كاتبًا ولكنه قارئ مثله، لا فضل لأحدهما على الآخر، فلم تعد الكتابة مقدسة كما في الماضي، وأصبح القراء يكتبون ويتحينون الفرصة ليتحولوا إلى خانة الكتّاب، وكثيرًا ما يأتي قارئ ليبدأ حديثه مع كاتبه بالإعجاب بكتاباته "العظيمة"، ولا يكون هذا سوى فخّ، يعرض بعده القارئ كتابته -التي يراها أعظم- على الكاتب، وهو يوقن بينه وبين نفسه أن الفرق الوحيد بينهما أن الكاتب وجد فرصة للنشر والانتشار بينما هو تخلّت عنه عدالة السماء.

3000 جنيه فقط، يستطيع بها أي قارئ أن يصبح كاتبًا، يطبع ما يكتبه –أيًا كان- في كتاب على نفقته الشخصية، أو في دار نشر صغيرة من الدور المتكاثرة هذه الأيام، ثم يجلس ليوزع نسخ كتابه على مقاهي المثقفين والمكتبات الكبرى، وينشئ مجموعة أو صفحة لكتابه على فيسبوك يدعو إليه/ـا أصدقاءه، ويتحول ما بين غمضة عين وانتباهتها إلى كاتب له قراء، يتطلع كل منهم بالطبع أن يصبح مثله، فالطريق سهل والنتيجة مضمونة.

3000 جنيه فقط، يستطيع بها أي قارئ أن يصبح كاتبًا، يطبع ما يكتبه –أيًا كان- في كتاب على نفقته الشخصية

القارئ أصبح يمتلك سلطة أقوى تجاه كاتبه، فيمكنه بتعليق صغير على كتابته في موقع إلكتروني، أن يحكم عليه بالتقدمية أو الرجعية، بالمهارة أو الرداءة، بالحرفية أو الركاكة، ويمكنه أيضًا أن يتهمه بالكفر، وأن يهدر دمه، ويسوق وراءه آلاف القراء من أمثاله.

اقرأ/ي أيضًا: حيَّ على القراءة

القارئ للكاتب كالبنيان المرصوص، تكفي ضربة واحدة لكي ينهار البنيان من أساسه، وتتبعثر الصفوف، ويختلط الحابل بالنابل، وأبو قرش بأبي قرشين، ووقتها سيقف العالم مع نفسه وقفة حاسمة، ليفرز العناصر الجيدة من الرديئة، ويعيد الكُتّاب إلى كتاباتهم، ويردّ القراء إلى مقاعدهم سالمين.

 

اقرأ/ي أيضًا:

غير دانتي وأمبرتو إيكو.. 5 كتاب إيطاليين يجدر بك القراءة لهم

كيف كانت القراءة الصامتة طريقًا إلى الحياة الفردية؟