"فسحة للجنون" رواية سعد محمد رحيم.. السرد تقوده الاحتمالات

غلاف الرواية (فيسبوك)

رواية سعد محمد رحيم (1957-2018) "فسحة للجنون" (سطور، 2018) رواية مفتوحة على جُملةٍ من الاحتمالات. لن تجد في عمل الكاتب العراقيّ الراحل ما هو مؤكّد أو ثابت، ولن تستطيع الجزم أيضًا بأي حدثٍ أو حكاية. يُراوح صاحب "كونكان" بين الماضي والحاضر. يُعيد السرد إلى الوراء قليلًا، ثمّ ما يلبث أن يدفعه إلى الأمام مرّة أخرى، مانحًا القارئ إحساسًا بأنّ الرواية تتألّف في لحظة قراءته لها.

تروي "فسحة للجنون" حكاية هجرة سكّان قرية عراقية بالقرب من الحدود الإيرانية، في زمن الحرب

يوظّف سعد محمد رحيم هذا الإحساس في فتح باب الاحتمالات على مصراعيه أمام القارئ، ليجد نفسه متورِّطًا في تأليف الرواية، يُكمل حدثًا أو يضع نهايةً لآخر. وفي بعض الأحيان، يُعيد تأليف أحداثًا موازية لتلك الأصلية.

اقرأ/ي أيضًا: سعد محمد رحيم.. جنة ماركس قبل أدلجتها

تروي "فسحة للجنون" حكاية بسيطة؛ هجرة سكّان قرية عراقية بالقرب من الحدود الإيرانية، والزمن هو زمن الحرب بين الدولتين. صخب الرحيل وفوضاه وضجيجه هو ما تُفتتح به الرواية. البلدة المسمّاة "س" في عجلة من أمرها، وأهلها يجمعون حاجاتهم استعدادًا للرحيل مُدركين أنّ موعد العودة بعيد جدًا. قرار الرحيل قد اتُخذ بالإجماع، ولن يشذّ عنه في البداية سوى حكمت أو حكّو كما يُعرف في البلدة التي رفض مُغادرتها.

تنفتح هذه الحكاية على حكاياتٍ أخرى، وتدخل في مساراتٍ دائرية دون وجهةٍ محدّدة، إلى أن تصير الذاكرة هي المعنية بقيادة الأحداث وتسييرها. خُلو القرية التي تئنّ تحت وطأة قذائف المدفعية الثقيلة الإيرانية، سيستفزّها، أي الذاكرة، لتكشف ما تخبّأه. سنعرف حينها أنّها ذاكرة حكمت، وأنّ حكمت هو الاسم الجديد أو البديل لعامر، وأنّ للأخير حكاية، ولحكمت حكاية. وبين الحكايتين اللتين تتشابكان وتتقاطعان معُا، باعتبارهما ابنتا حكاية واحدة في الأساس، يظلّ باب الاحتمالات مفتوحًا على أقصاه أمام القارئ.

يتّخذ مؤلّف "المثقّف الذي يدسّ أنفه" من الحاضر، زمن الحرب العراقية الإيرانية، عتبة أولى لانطلاق عجلة السرد، دون أن يكفّ عن المراوحة بينه وبين الماضي ضمن الحكاية الواحدة. تدخل هذه المراوحة كجزءٍ من لعبة المراوغة التي أراد سعد محمد رحيم كتابة روايته الأخيرة بها، متنقِّلًا بسرعةٍ مباغتة بين حكاياتٍ وأزمنةٍ عديدة، مُثبِّتًا في البداية عدسته على حكمت الذي يٌمضي نهاره بشرب العرق وتدخين السجائر، مُتحدِّثًا بجملٍ مُبهمة، وكلماتٍ أقرب إلى ألغازٍ تدفع البعض للشكّ في حقيقة فقدانه لعقله وذاكرته أيضًا. قبل أن يُزيح هذه العدسة قليلًا نحو زمنٍ آخر لا وجود فيه لحكمت، وإنّما لشخصيته الأولى: عامر.

عند هذا الحد، يُلقي الراوي من على كاهله مهمّة سرد حكاية عامر/ حكمت، لتتولّى ذاكرة الأخير المهمّة. تنفض الذاكرة الغبار العالق على جدرانها منذ سنواتٍ طويلة، وتبدأ، شيئًا فشيئًا، باستعادة صور الأمس، أو صورة عامر/ حكمت في زمنٍ مضى. سنعرف حينها أنّه كان يدرس الفنون التشكيلية في كلية الفنون الجميلة، وأنّ والده عسكريّ مُتقاعد وسكِّير من الطراز الرفيع، وأنّ والدته توفّيت بينما كانت تلده دون أن تترك له أي شيء يستدلّ به على ملامحها. سنعرف كذلك أنّ شقيقته مطلّقة، وشقيقه الوحيد يعمل في معملٍ للأحذية، وأنّ التواصل بينهم يكاد يكون نادرًا.


الروائي العراقي الراحل سعد محمود رحيم

مُنشغلًا بالفن والقراءة وكتابة الشّعر، أمضى عامر/ حكمت فترة شبابه، وجزءً من المرحلة الجامعية أيضًا، قبل أن تظهر نهلة في حياته أخيرًا، لتكون شغله الشاغل، وحبّ حياته الذي سيفقده سريعًا. قبل ذلك، سينكبُّ عامر/ حكمت على رسمها بوضعياتٍ وزاوية مختلفة. أو التقاط تفاصيل جديدة من جسدها الذي كان أرضًا جديدة كلّف نفسه بمهمّة اكتشافها. هكذا، ستكون قبلاتهما السريعة والحارّة وانصهار جسديهما معًا أوقات الذروة، هو ما سوف يتذكره لاحقًا في سجون البعث التي سوف يخرج منها فاقدًا عقله وذاكرته، لتكون البلدة "س" هي وجهته الأولى والأخيرة، حيث يُمنح هناك اسمًا جديدًا: حكمت، ويختصره أهل البلدة بـ حكّو.

باقتراب الرواية من نهايتها، أي بعد أن تكون حياة عامر/ حكمت قد اكتملت عند القارئ، يصل السرد إلى ذروته، ويعود من قدّم "غسق الكراكي" ليتسلّم دفّة السرد من جديد، متنقّلًا بوتيرة أسرع بين البلدة "س"، حيث عامر/ حكمت، والعاصمة بغداد، حيث نهلة تستعدّ للسفر إلى البلدة بعد أن علمت بأنّ عامر هناك. هكذا، تجري الأحداث بوتيرة سريعة؛ تصل نهلة إلى البلدة بصفتها صحفية، وتُقابل عامر الذي بات الآن حكمت، دون أن يتعرّف عليها، أو لربّما فعل، ولكن دون أن يُظهر ذلك. ستغادر نهلة البلدة مُحمّلة بالأسى، وبإحساسها بأنّ عامر يُمثّل، وأنّه يفعل ذلك هربًا من السجن والتعذيب، وحتّى لا يقع مرّة أخرى في يد سلطة البعث.

أحداث رواية "فسحة للجنون" مبنية على احتمالاتٍ شتّى، احتمالات تطرحها الشخصيات، والراوي، والقارئ

كتب سعد محمد رحيم في "فسحة للجنون" رواية مُحمّلة بالاحتمالات كما ذكرنا في البداية. رواية، بغضّ النظر عن بساطتها، إلّا أنّ القارئ يجد نفسه فيها مُطاردًا السرد لئلا ينزلق منه، مُتتبّعًا الأحداث بتركيزٍ عالٍ لئلا تُفلت من يده.

اقرأ/ي أيضًا: سعد محمد رحيم.. أهوال الحياة العراقية

أحداث "فسحة للجنون" مبنية على احتمالاتٍ شتّى، احتمالات تطرحها شخصيات العمل، وأخرى الراوي، واحتمالات خاصّة بالقارئ. فمن الممكن ألّا تتعدّى حكاية حكمت حدود قصّة مُتخيّلة في ذهن عامر القابع في السجن. ومن الممكن أيضًا ألّا تكون قصّة عامر سوى حكاية يتخيّلها حكمت ليؤنس بها وحدته بعد أن باتت البلدة مهجورة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

أن تكون في بغداد