"فزّاعة في غرفة سرير في حقل".. القصيدة ككائن يرتجف في الهامش
30 نوفمبر 2025
في ديوانه الجديد "فزّاعة في غرفة سرير في حقل" (منشورات المتوسط، 2024)، يواصل الشاعر المغربي عبد الرحيم الخصار مغامرته الشعرية التي تسير بخطى هادئة، لكنّها تترك في اللغة أثرًا يشبه الندبة.
منذ بداياته، راهن الخصار على القصيدة بوصفها تمرينًا في الإصغاء لا في القول، وعلى الشعر كأفقٍ مفتوح للتأمل أكثر من كونه مساحةً للزخرف اللفظي. ففي هذا العمل، يبدو كأنه يكتب من حافة العالم، من مكانٍ لا يطلّ مباشرة على الواقع، بل على صدى الأشياء بعد أن تخفت أصواتها.
كلمات تمشي نحو الهاوية
يفتتح الخصار الديوان بجملة تصلح أن تكون مفتاحًا لقراءته: "هذه الكلماتُ تدفعُ بعضَها في اتجاه الهاوية. وحدك تُدحرجُ صخورًا تلوَ صخور".
إنها جملة قصيرة وموجعة، تختزل موقف الشاعر من اللغة ومن العالم معًا. فالكلمات ليست عنده وسيلة للتعبير بل كائنات تهوى، تتدافع نحو السقوط في صمتٍ لا نهائي. يبدو كأن الخصار يعيد صياغة العلاقة بين اللغة والعدم؛ إذ يكتب لا ليثبت الوجود، بل ليصغي إلى ما يتداعى داخله. لا يحاول إنقاذ الكلمات من مصيرها، بل يرافقها وهي تسقط ببطء، مثلما يرافق المرء نفسه في رحلة إلى المجهول.
الفزّاعة بوصفها استعارة للوجود
العنوان وحده يكفي لتوليد أسئلة فلسفية وشعرية متشابكة: فزّاعة في غرفة سرير في حقل. تلك التركيبة المفارِقة تجمع بين العراء والحميمية، بين السرير والحقل، بين ما يُزرع وما يُحلم به. الفزّاعة — هذا الكائن الذي وُجد ليُخيف الطيور — تتحوّل في القصيدة إلى رمز للإنسان المعاصر، المعلّق بين الطبيعة والاصطناع، بين البيت والمنفى، بين الرغبة في الأمان والخوف من الوحدة. يكتب الخصار في أحد نصوصه: "أضع الحبَّ في قارورة، وأرميها في صحراء. نظرتك أمواج، ونظرتي مجاديف. تقول الكائنات لبعضها: الحبّ، أين هو الحبّ؟".
الحبّ هُنا ليس عاطفة رومانسية، بل طاقة ميتافيزيقية مفقودة. القصيدة نفسها تصبح قارورة تُرمى في الفراغ، أملًا في أن تجد شاطئًا. الفزّاعة تنام على السرير، واللغة تنام على حافّة المعنى.
شاعر يكتب من داخل الغياب
من أجمل نصوص الديوان قصيدة "شاعر ميت"، التي يقدّم فيها الخصار صورة مؤثرة للشاعر الغائب الذي تشتاق إليه أشياؤه: "تشتاقُ إليه نظّارتُه على طرف المكتب، الأوراقُ ومسّاكَةُ الأوراق، الفرشاة والممحاة، قلمُ الرصاص والمِبراة... الكُتبُ التي تشاركُ على الرفوف كأصدقاء".
في هذه القصيدة، لا يكتب الخصار عن الموت، بل عن الحضور العميق في الغياب. تتحوّل التفاصيل اليومية — الممحاة، الكرسي، السترة، الكتب — إلى كائناتٍ ناطقة، تملك ذاكرة وحنينًا خاصًا. كأن الشاعر بعد موته يترك وراءه عالمًا صغيرًا يواصل التنفّس باسمه، عالم الأشياء التي أحبها ولم تعد تجد من يلمسها. هذا التواطؤ الحميم بين الإنسان ومقتنياته اليومية هو من سمات شعر الخصار، الذي يرى في الجماد مرآةً للروح.
إنه شاعر يفضّل الحضور الخافت على الظهور الباهر. يكتب كمن يحفر ببطء في جدار الصمت، مؤمنًا أن الشعر الحقيقي يكتب من خارج الجوقة، من عتمة التأمل لا من أضواء المنابر
اللغة عند الخصار هادئة لكنها مكثّفة، تخلو من الزخرفة لكنها مشحونة بطاقةٍ تأملية. جُملُه قصيرة مثل نَفَسٍ يتقطّع، غير أن وراءها قلقًا وجوديًا مستمرًا. لا يبحث عن المجاز بوصفه تزيينًا، بل كوسيلة للكشف. لذلك يمكن لجملة واحدة عنده أن تفتح عالَمًا كاملًا من التأمل. إن شعره لا يسعى إلى الدهشة اللحظية، بل إلى الدهشة العميقة التي تتسلّل ببطء إلى القارئ.
في زمنٍ يغلب عليه الصخب الشعري، يختار الخصار طريق الصمت كأخلاقٍ جمالية. قصيدته لا ترفع صوتها، لكنها تظلّ ترنّ في الذاكرة مثل همسٍ يصعب نسيانه.
في "فزّاعة في غرفة سرير في حقل"، يكتب الخصار كما لو كان يرسم بالكلمات. هناك حسّ بصريّ واضح في تركيب الصورة: الفزّاعة، الحقل، الغرفة، القارورة، النظارة، السرير، الموج.. كلها تفاصيل تُقدَّم بعين سينمائية دقيقة. لكن خلف هذا البُعد البصري، يكمن بعد روحيّ يجعل القصائد تبدو كأنها مشاهد من حلمٍ يتكرّر. لا يحدث شيء محدّد في القصيدة، لكن كلّ شيء يتغيّر في داخل القارئ.
المرئيّ هنا مجرد ستار لما هو أعمق: اللامرئيّ، الغياب، الصمت، الخوف من الفناء.
شاعر ضد الصخب
منذ مجموعاته الأولى "أخيرًا وصل الشتاء" (2004)، و"أنظر وأكتفي بالنظر" (2007)، و"نيران صديقة" (2009)، و"بيت بعيد" (2013)، ثم "عودة آدم" (2018)، وصولًا إلى هذا العمل الأخير، ظلّ الخصار يكتب من منطقة معزولة عن الضجيج الأدبي.
إنه شاعر يفضّل الحضور الخافت على الظهور الباهر. يكتب كمن يحفر ببطء في جدار الصمت، مؤمنًا أن الشعر الحقيقي يكتب من خارج الجوقة، من عتمة التأمل لا من أضواء المنابر.
شاعرٌ يضع نفسه دائمًا في مواجهةٍ مع الصخب، لا ليتعالى عليه، بل ليحافظ على صفاء التجربة. لا يهمّه أن يُدهش بقدر ما يهمّه أن يُبطئ الإيقاع ويُعيد الشعر إلى وظيفته الأولى: الإصغاء إلى ما لا يُقال.
قصيدته بطيئة الإيقاع، حذرة كمن يلمس العالم بأطراف أصابعه، لكنها مشبعة بمجازٍ يطلّ من التفاصيل اليومية، من المقهى والكرسي والنافذة والغرامافون.. بهذا المعنى، يشكّل الخصار امتدادًا لجيلٍ من الشعراء المغاربة الذين يرون في اللغة مختبرًا للوجود، لا منبرًا للتصفيق.
"فزّاعة في غرفة سرير في حقل".. ديوان لا يقدّم إجابات، بل يترك الأسئلة تتوالد داخل القارئ. إنه كتاب عن هشاشة الكائن، عن الحقول التي بلا طيور، عن الغرف التي بلا نوم، عن القصيدة وهي ترتجف في الهامش.. عن اللغة وهي تحاول أن تبرّر وجودها أمام الصمت.
بهذا العمل، يرسّخ الخصار مكانته كأحد أهم الأصوات الشعرية المغربية المعاصرة، شاعرًا يجعل من القصيدة مأوى للارتباك، ومن الفزّاعة وجهًا آخر للإنسان.







