فرنسا.. المحتجون يعودون هذا الأسبوع

فرنسا.. المحتجون يعودون هذا الأسبوع

تصعيد جديد ضد حرية التعبير في فرنسا (رويترز)

دعوات واسعة للتظاهرِ يوم السبت القادم في فرنسا، على غرار الأسبوع الماضي، احتجاجًا على قانون الأمن العام ومطالبة بإسقاطه. فيما لا يبدو هذا القانون إلا الشجرة التي تدرأ وراءها غابة العنف البوليسي المستشري في البلاد، حسب ما تظهرُ الأحداث المتواترة طوال الأيام الماضية. العنف ذاته الذي اتخذته الحكومتان المتتاليتان خلال حكم الرئيس ماكرون جوابًا لما أججته الولاية الرئاسية من رفض عارم، في الشارع وداخل حركات وأحزاب ونقابات. كما لم يكن هذا العنف حكرًا على أبرز حركة طبعت الشارع الفرنسي في السنوات الأخيرة، أي السترات الصفراء، بل عادت مشاهدُ القمعِ والعصي والرصاص المطاطي والقنابل المسيلة للدموع، لتصبح ممارسة دورية في كل احتجاجٍ أو تظاهرة، كما صارت الأزمة الصحية ذريعة لممارسة هذا العنف.

دعوات واسعة للتظاهرِ يوم السبت القادم في فرنسا، على غرار الأسبوع الماضي، احتجاجًا على قانون الأمن العام ومطالبة بإسقاطه

عودة إلى الشارع

"نشاز عام ذلك الذي ساد  لغة الحكومة وأغلبيتها البرلمانية، وهي تعلن إعادة كتابة البندَ 24 من قانون الأمن العام، في محاولة لتلميع صورتها بعدَ المظاهرات الشعبية ليوم 28 تشرين الثاني/نوفمبر المنصرم، وإطفاء نيران هم نفسهم من أشعلوها"، بهذه الكلمات يفتتح "التجمعُ المعارضُ لقانون الأمن العام الفرنسي"، بيان دعوته للتظاهرِ من جديد يوم السبت القادم، 5 كانون الأول/ديسمبر الجاري. قبلَ أن يعلن أنه "طالما لم تتراجع الحكومة عن البنود 21، 22 و24 من قانون الأمن العام، سنصعدُ من جانبنا النضال ضده!".

اقرأ/ي أيضًا: "الديمقراطية تموت في الظلام".. الداخلية الفرنسية تكمم أفواه الصحفيين

ويضيف نصّ البيان محذّرًا من المناورة التي ينسبها للحكومة، أنها تود سحب البند 24 محط الجدل حول قانون الأمن العام، "لتدمجه بعدها داخلَ البند 25 من قانون الانعزالية" الذي أعلن عنه الرئيس ماكرون سابقًا بهجومه على الأقلية المسلمة البلاد، والذي هو الآخر من المزمع عرضه على المجلس الحكومي يوم الـ 9 كانون الأول/ ديسمبر الجاري. فيما يشرح البيان المذكور كيف "تمت المحافظة على البنود التي تسمح للشرطة استعمال الطائرات المسيرة لتصوير المتظاهرين"، الأمر الذي يعتبره التجمع المعارض للقانون "انتهاكًا للخصوصية، ومساسًا بحرية التعبير"، وبالنسبة للصحفيين "ضربٌ في حق حماية هويّة مصادرهم".

Macron's Rightward Tilt in France Sows Wider Alarm - The New York Times
محتجون في باريس يعبرون عن رفضهم لقانون الأمن العام (Getty)

"عرفت البلاد خلال هذا الأسبوع، وفي عدة مناطق منها، وقفات ومسيرات احتجاجية في هذا الصدد، غالبًا ما تقاطعت والنضالات التي أقيمت بمناسبة اليوم الوطني للبطالة والهشاشة الاجتماعية"، هذا أمر يعزوه نص البيان إلى أن "العنف الاجتماعي والعنف البوليسي هما طرفان من صلب السياسات غير العادلة التي تستهدفُ فئة معينة من المجتمع"، وهذا "ما يريد القانون إخفاءه". 

أسبوعُ العنف البوليسي

كان عائدًا إلى استوديو عمله في العاصمة باريس، حينما رأى سيارة شرطة على مقربة من المدخل، ولأنه لم يكن يرتدي كمامة، كما تلزم بذلك الإجراءات الصحية المفروضة في البلاد، هرع إلى دخول الشقة متفاديًا أي احتكاك مع رجال الأمن. وفعلًا نجح في ذلك،  قبلَ أن يشعر بذراع شرطي يسحبه إلى الخارج، صارخًا بألفاظَ عنصرية، ثم ستة أيدي لرجال شرطة آخرين تجتمع باللكم والضرب على وجه الضحية ميشيل زيكلر، الموسيقي الفرنسي الذي هزت قضية تعرضه للعنف البوليسي داخلَ مقرّ عمله الرأي العام بالبلاد.

يقول زيكلر: "حاولوا سحبي إلى الخارج، لكنني رفضت كوني لم أعرف وقتها أنهم شرطة لأنهم كانوا بلباس مدني، قبل أن ينهالوا عليّ بالضرب داخل الاستوديو وشتمي بألفاظ عنصرية: أيها الزنجي الوسخ! حينما صرخت بأن ما يفعلونه مصورٌ بكاميرا موجودة على الجدار المقابل، ألقى عليّ أحدهم قنبلة مسيلة للدموع ما دفعني للخروج أخيرًا". ولحسن حظّ الضحية، فإن ما تعرّضَ له كان موثّقًا بشريطين مصورين، الأول بكاميرا الأمن خاصته والثاني صوره أحدُ الجيران لعملية اعتقال لم تخل هي الأخرى من الضرب والشتائم والعنصرية.

أثارت مقاطع الفيديو المسربة للعملية سخطَ الفرنسيين، وتزامنَ هذا وسخطهم على قانون الأمن العام الذي تدفع به وزارة الداخلية، فكان لسان حالهم: "لولا وجود الكاميرا لضاع حقّ الضحية، وأن هذا ما يود دارمنان إخفاءه بقانونه". بل وبلغت ردة الفعل حدّ الإيليزيه، حيث غرّد رئيس الجمهورية، إيمانويل ماكرون، قائلًا: "صور الاعتداء الذي استهدف ميشيل زيكلر غير مقبولة، ومدعاة للخجل. لا يجب على فرنسا أن تجنح للعنف والدموية، ولا يجب عليها أن تفسح المجال لتنامي العنصرية داخل أجهزتها".

من جانبه فإن وزير الداخلية، وأمام هذه الدلائل القاطعة على الاعتداء الذي اقترفه رجاله، لم يجد بديلًا عن إدانة الأحداث بالقول: "دعمي لرجال الأمن كبير، لكن جانبًا من هذا الدعم يقتضي في حال وجود عناصرَ لا تحترم المبادئ الداخلية للعمل الأمني، استئصالها من جسد الجهاز وطردهَا منه!"، وعلى هذا الأساس كان أمره بإيقاف عناصر الشرطة المسؤولين عن الاعتداء المذكور عن العمل، على ذمة تحقيق داخلي في ما حصل.

ليست هذه هي المرة الأولى خلال الفترة المنصرمة التي يقف فيها الوزير المذكور في هذا الموقف إزاء اعتداءات رجاله على المدنيين، فأولها كان إثرَ فض المخيم الرمزي للاجئين بساحة الجمهورية وسطَ باريس، يومَ الـ 23 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، حيث قامت الشرطة بالتنكيل بهم والصحفيين الذين أتوا لتغطية الأحداث، في ليلة عنونتها الصحافة بـ "ليلة العار!". غرّدَ إثرها دارمانان قائلًا: "الصور التي بلغتنا من عملية فض مخيم اللاجئين بساحة الجمهورية صادمة، ما دعاني لطلب تحقيق مفصل حول ملابسات ما وقع، قبل اتخاذ قراري في هذا الصدد".

الصحفيون أهداف مفضّلة لرجال الشرطة الفرنسية

السبت الماضي، 28 تشرين الثاني/ نوفمبر، وأثناء مظاهرة احتجاجية ضدّ قانون الأمن العام، نزل أمير حلبي، المصور الصحفي السوري لوكالة فرانس برس، لتغطية أطوار المواجهة بين الشرطة والمتظاهرين بساحة الباستيل وسط العاصمة الفرنسية. وما هي إلا دقائق كرّ وفر، حتى وجد الصحفي نفسه ملقًى على ظهره وعصا شرطي تنزل على وجهه مباشرة. "لم أعِ بنفسي حتى وجدتُ وجهي وثيابي غارقة بالدمّ"، يصف حلبي اللحظة التي تمّ الاعتداء عليه فيها من قبل قوات حفظ الأمن الفرنسية، وهو الذي قدمَ إلى فرنسا سنة 2017 نازحًا من ويلات الحرب السورية. يضيف بحسرة: "كنت أرى بعيني اللحظات التي عشتها بحلب، لقد كانت التفاصيل مشابهة!". يُذكر أن حصيلة مظاهرة السبت من الضحايا في صفوف الصحفيين بلغت 8 جرحى، كما يرصد ذلك "تجمّعُ الصحفيين الغاضبين".

French government backtracks over security law and right to film police
صورة من تصوير الصحفي السوري أمير الحلبي لواقعة اعتداء رجال شرطة على أحد المحتجين (أ.ف.ب)

صحفي آخر تم الاعتداء عليه قبلها، أثناء فضّ مخيم اللاجئين. الحديث هنا يتعلّق بريمي بويزين، صحفيّ صفحة Brut الفرنسية والوجه المعروف بتغطيته احتجاجات السترات الصفراء، الذي تمّ إيقاعه أرضًا من قبل عنصر شرطة والاعتداء عليه بالضرب. يقول بويزين إنه في تلك الليلة تعرض للتعنيف أكثر من ثلاث مرات من طرف نفسِ الشرطي، كما أكد بيان المنصة التي يشتغل لصالحها الأمر طالبًا من وزارة الداخلية تفسيرات عن الحادثة. فيما توضحُ صورٌ أخرى عن ذات الليلة ملاحقة مجموعة صحفيين من قبلِ الشرطة، ومهاجمتهم وتهديدهم بالرصاص المطاطي.

 يُذكر أن حصيلة مظاهرة السبت من الضحايا في صفوف الصحفيين بلغت 8 جرحى، كما يرصد ذلك "تجمّعُ الصحفيين الغاضبين"

من جانبه نفى جيرالد دارمانان على شاشة France 2 ما نسب إلى الشرطة من ملاحقة وتعنيف للصحفي ريمي بويزين، مشككًا في أقواله مع أنها موثّقة بأشرطة مصوّرة، ضاربًا في مصداقية الصحفي بالقول: "لم تكون هناكَ ملاحقة وضرب للصحفي، كما أن جهاز التحقيقات العامة للشرطة الوطنية يريد سماع أقوال السيد بويزين، لكنه تهرّبَ من الإجابة عن أسئلتهم". ادعاءات ردّ صحفي صفحة Brut عليها، نافيًا أنه تلقى أي اتصال في هذا الصدد، ومؤكدًا كونه رهن إشارة جهاز التحقيقات المذكور.

 

اقرأ/ي أيضًا:

 صحفيو فرنسا.. ضحايا "بزنس" ماكرون ومخاوفه