فرنسا التي تنتقم من نفسها

فرنسا التي تنتقم من نفسها

Liberty Leading the People

يستطيع العديد من المعلّقين السياسيين أن يأخذوا راحتهم بالحديث بإطناب عن الإسلام المتطرّف وثقافة الإرهاب العالميّة التي لا تُستعمل في أوروبا إلا للإشارة إلى أعمال عُنف اقترفها مسلمون. هذا سهلٌ جدًا. ولكنَّ الأصعب على الساسة الفرنسيين والنخب اليمينية تحديدًا هو الاعتراف بأن مجانين باريس هم على الأغلب مواطنون فرنسيون وُلدوا في ضواحي العاصمة وأغلبيتهم لا تعرف سوى الفرنسية لغةً (مع بضع كلماتٍ من اللغة العربية).

في مطلع القرن الحادي والعشرين وصف علماء الاجتماع باريس بأنّها مدينة الجيتوهات، ومركز قائم أساسًا على نظامٍ اجتماعيّ هو الأبارتهايد

الأصعب عليهم أيضًا التساؤل عن الأسباب التي تدفع تلك الشرائح إلى عدم الشعور بأنّهم جزءٌ من "الأمّة الفرنسيّة" التي طالما نظّرت لها الثقافة الفرنسية على أنّها بديلٌ لجميع الانتماءات والولاءات. الأصعب عليهم الإقرار بالتناقض الذي يعرفه أغلب الباريسيين بين المدينة المتروبوليتانية وضواحيها (اقرأ: عشوائياتها) التي يُستخدَم أهاليها وقودًا رخيصًا لإنتاج ثروة القِلّة ورفاهيتها. ولكن مهلًا، لماذا كل هذا التعب ومن الممكن وبسهولة ردّ كلّ هذا الدمّ إلى كيانٍ ضبابيّ عمره أقلّ من خمس سنوات اسمه "الدولة الإسلاميّة"؟

في عام 1830 رسم الفنان أوجين ديلاكروا لوحته التي سوف تصبح أيقونة الثورة الفرنسيّة الأكثر انتشارًا. امرأة عارية الصدر تقف وسط جموع الثوّار الجائعين وترفع علم الثورة بيمينها وتحمل بندقيّة بيسارها. قيلَ إن الفرنسيين بعد الثورة لم يعودوا بحاجةٍ إلى نبيلٍ ليرعاهم ولا إلى رجل دين ليدعو لهم، فالأمّة- الأمّ صاحبة الصدر الخصب قادرةٌ على إشباع جميع المواطنين الذين يجمعهم الوطن ولا تفرقهم حدود أخرى.

بعد أكثر من مئة وثمانين عامًا تبيّن بأن ديلاكروا كان مغرقًا بالتفاؤل. فلا الأمّة الفرنسيّة كانت في الحقيقة أمّ، ولا الحليب كان مقدّرًا له أن يكون للجميع. ففي مطلع القرن الحادي والعشرين وصف علماء الاجتماع باريس بأنّها مدينة الجيتوهات، ومركز قائم أساسًا على نظامٍ اجتماعيّ هو الأبارتهايد بحدِّ ذاته، فالمهاجرون وأبناءهم وأحفادهم (وهم البناة الحقيقيون لعاصمة الرومانسيّة) يُركلون إلى الأطراف ذات البنية الاجتماعيّة والثقافيّة العالمثالثيّة، بينما ينعم خريجو معاهد ستراسبورج الراقيّة بعشائهم على معازف البيانو وينالون أفضل الخدمات الثقافيّة والاجتماعية.

لم يسقط الإرهاب على فرنسا من السماء، فالأحياء الطرفيّة الباريسية مشتعلةٌ فعلًا منذ عشرين سنة على الأقلّ

لم يسقط الإرهاب على فرنسا من السماء، كما أنَّ تصوير أبي بكر البغدادي على أنّه "أمير المؤمنين" الذي يأمرُ رعاياه بالانقضاض على "وكر الصليبيّة" هو سخافة لا تنطلي إلا على الذي يريد أن يصدّقها فعلًا. فالأحياء الطرفيّة الباريسية مشتعلةٌ فعلًا منذ عشرين سنة على الأقلّ. وهناك العشرات من تلك الأحياء ('No-Go' Zones) التي لا تعرف السلطات الفرنسيّة شيئًا عنها، ليس لأنّها عاجزةٌ عن دخولها بلا مواجهاتٍ مع "الأهالي" فحسب، بل لأنّها أصلًا غير معنيّةٍ بسكّانها، الذين يُكتفى بدلًا من ذلك باستغلالهم وإذلالهم وتجريمهم في وسائل الإعلام وفي الخطاب الاجتماعيّ النخبويّ. في ذلك العالم الباريسيّ الموازي ترتفع معدّلات الجريمة والتحرّش والقتل وتجارة المخدّرات والاسترقاق إلى معدّلاتٍ غير مسبوقة لا يضاهيها إلا العالم السُفليّ في شيكاجو ونيويورك، ويذهب ضحيتها سنويًّا ما يزيدُ عن أولئك الذين سقطوا في محيط استاد "دو فرانس".

سوف تخرج النُخب اليمينة الفرنسيّة في الأيام القليلة القادمة لتصوّر نفسها على أنّها ضحيّة بربريّة الإسلاميين، وربما يعيدون الكَرّة مرةً أخرى ليتراكضوا في أحيائهم الفاخرة ضدّ الإرهاب العالميّ بكل ما تحمله مظاهراتهم من شعاراتٍ طبقيّة وعنصريّة. ولكنّهم في قرارة أنفسهم يعرفون أنَّ جذور هذا الجنون ليست تمامًا "عالميّة"، بل تحمل أيضًا وجهها المحليّ. إنه وجه فرنسا الآخر. فرنسا التي تنتقم من نفسها.

اقرأ/ي أيضا:

هجمات باريس.. تعليق على ما حدث

عن الهجمات الأكثر دموية في تاريخ فرنسا