فدوى طوقان: نار ونار

فدوى طوقان: نار ونار

فدوى طوقان وديوانها "وحدي مع الأيام"

ألترا صوت – فريق التحرير

حين نتحدث عن فدوى طوقان (1917 - 2003) فإننا نتحدث عن واحدة من أهم شاعرات فلسطين في القرن العشرين. ولدت في مدينة نابلس، وتلقت تعليمها حتى المرحلة الابتدائية فقط، حيث اعتبرت عائلتها أن الاستمرار في التعليم أمر غير مقبول، فتركت الدراسة وراحت تعمل على تثقيف نفسها بجهود ذاتية، ثم درست على يد أخيها الشاعر إبراهيم طوقان الذي نمى فيها مواهبها وشجّعها ووجهها نحو كتابة الشعر، كما شجعها على نشر نتاجها في الصحف. أسماها محمود درويش "أم الشعر الفلسطيني".

من مجموعاتها الشعرية: "وحدي مع الأيام" و"وجدتها" و"أمام الباب المغلق" ومن أعمالها النثرية: "أخي إبراهيم"، و"رحلة جبلية.. رحلة صعبة".

اخترنا قصيدة "نار ونار" من ديوانها الأول "وحدي مع الأيام" الذي صدر عام 1952.


بجسمي قفقفة وانخذال

فيا ناري زيدي لظى واشتعال

ومدي بجوي دفيءَ الجناح

فللبرد عربدة واجتياح

 

أما تسمعين احتدام النضال

نضال العواطف فوق الجبال

وأنت اعصفي، واملئي ليلتي

بدفء يهدئ من رعدتي

 

فحولي يدب صقيع الشتاء

دبيب الفناء

فبثي الحرارة في غرفتي

 

ألا يا ابنة الأعصر البائدة

ألا قدست روحك الخالدة

ثبي وأزفري، ننضنضي والهبي

بل، هكذا، هكذا واسربي

 

بروحك في عزلتي الهامدة

وفي قلب جدرانها الباردة

بلى، هكذا عانقي ذاتيه

بموجة أنفاسك الدافيه

 

أحس بقرب لظاك الحبيب

شعوراً غريب

خفياً كألغازك الخافيه

 

فها أنا أطفئ مصباحيه

وأعنو لغمرة إحساسيه

فتحملني نحو ماضٍ سحيق

وأرنو هناك لطيف رقيق

 

لطيف طفولتي الفانية

بأيامها المرة القاسية

وإذا أنا يا نار شيء صغير

يفتش عن نبع حب كبير

 

سدي، ويظل لقي مهملا

فيمضي إلي

رؤاه، وفي أفقهن يطير

 

وإذ أنت دنيا غموض تلوح

لعين خيالي الطليق السبوح

فكنت رفيقة أوهاميه

ومسرح أحلام يقظاتيه

 

وأدفع نحوك جسماً وروح

وأخشع قرب لظاك الجموح

وأمضي، وفيَّ انجذاب عميق

أحدق مأخوذة بالحريق

 

وأرقب في سكرة وانذهال

جموع الظلال

ترجرج فوق الجدار العتيق

 

وألح خلف اشتعال الحطب

وقد شب في ثورة والتهب

خيالًا لدوحٍ قديم وريف

نمته الحياة بغابٍ كثيف

 

قد ازدحمت في حشاه الحقب

وكنت إخال كأن اللهب

تعانق فيه ضياء القمر

ولون الغروب، ولون السحر

 

وكل شعاع على الدوح مر

وظل عبر

قد أرتدَّ في اللهب المستعر

 

وفي سبحاتي بدنيا الأوار

تباغتني حزمة من شرار

قد انقذفت من فم الموقد

تؤزّ؛ فأرسل فيها يدي

 

هنا وهناك بشوقٍ مثار

لأخطف تلك النجوم الصغار

فكانت تروغ وتركض في

مداها، وسرعان ما تختفي

 

وأسأل نفسي: أين يغيب

شرار اللهيب

وهل تحزن النار إذ ينطفئ

 

وها أنا يا نار لو تعلمين

فتاة طوت حزمة من سنين

وما زلت رغم العهود الطوال

تثيرين فيها جموح الخيال

 

وحين تفورين أو تزفرين

كأنك نفس تقاسي الحنين

أغوص على عمق أغواريه

أجوس عوالمها القاصيه

 

فألمس فيها أوارًا غريب!

وما من لهب!

أوار شعوري وإحساسيه!

 

أمن عنصر النار أعماقيه؟

أروحك يا نار بي ثاويه

فما هذه العاطفات الحرار

لها في الجوانح أيّ استعار

 

وما هذه اللهفة العاتيه

تشب فتلهب خلجاتيه

وتعكس وهجاً على مقلتيه

وتلفح لفحاً على شفتيه

 

وهذا الحنين، وهذا القلق

وهذي الحرق

كأن بذاتي ناراً خفية!

 

مضى اللي غير هزيع قصير

وأنت همدت كأهل القبور

وحبّات جمرك بعد اتقاد

خبت واستحالت تلول رماد

 

أتخمد مثلك نار شعوري

غدا، وتؤول لهذا المصين؟

أيغشى أواري رماد السنين؟

أيهمد قلبي كما تهمدين؟

 

لماذا؟ أتدرين؟ أم أنت مثلي

أسيرة جهل

أجبيبي، أجيبي، أما تسمعين؟!

 

اقرأ/ي أيضًا:

مصطفى وهبي التل (عرار): يا أخت وادٍ

عبد القادر الجزائري: إلى الصون مدّت تلمسان يداها