فخ وقع فيه الجميع.. الدوافع النفسية لتصديق نظريات المؤامرة

فخ وقع فيه الجميع.. الدوافع النفسية لتصديق نظريات المؤامرة

نصف الأمريكيين يؤمنون بنظرية مؤامرة واحدة على الأقل (New Yorker)

الترا صوت - فريق الترجمة

لعلك تعثرت يومًا بإحدى الصفحات أو مقاطع الفيديو، التي تُروّج لكون الأرض مسطحة وليست كروية. وإذا تصادف أن حدث معك ذلك، وتعمقت قليلًا في "مجتمع الأرض المسطحة" فستفهم أن هؤلاء بنوا اعتقادهم على نظريات المؤامرة.

المؤمنون بنظريات المؤامرة لديهم رغبة أكبر في الحصول على "التمام الإدراكي"، أي الرغبة في إيجاد شرح لما لا يوجد شرحٌ له

قد يكون الأمر مدعاة للسخرية بالنسبة إليك، وكذا مجمل الاعتقادات المبنية على نظريات المؤامرة. لكن الصادم، بقدر ما هو حقيقي، أنك شخصيًا، ربما تعتقد بأمور تستند إلى نظريات المؤامرة! إنه فخّ، يقع فيه الجميع تقريبًا!

اقرأ/ي أيضًا: لماذا تأبى حكاية الأميرة ديانا الاندثار؟ الإجابة في "نظرية المؤامرة"

من الصعب إنكار الإغراء الذي تنطوي عليه هذه النظريات، بطرحها المبسّط والمثير لفكرةٍ ما، بما يجذب الناس إليها، وقد يدفع البعض حتى إلى الإيمان بها إيمانًا جازمًا ومتفانيًا، ولو أنها في معظم الأحيان بعيدةٌ كل البعد عن الواقع.

على كل حال، ثمة الكثير من العوامل التي تدفع أيًّا منا إلى إيجاد شيءٍ من المعنى في بعض هذه الأفكار والنظريات المؤامراتية على غرابتها.

وهنا، تحاول السطور التالية المنقولة بتصرف من موقع "Psychology Today" الإجابة على هذا السؤال: ما الذي يدفع الناس إلى التصديق بنظريات المؤامرة؟ وهل هناك صفاتٌ محددةٌ تجعل أشخاصًا دون غيرهم أميل إلى التصديق بها؟


شهد علم النفس الكثير من الجهود البحثية مؤخّرًا في سبيل السبب وراء انجذاب البعض دون غيرهم لنظريات المؤامرة. على سبيل المثال: وجدت بعض الأبحاث أن الذين يؤمنون بنظريات المؤامرة لديهم رغبةٌ أكبر في الحصول على ما يعرف باسم "التمام الإدراكي - Cognitive Closure" أي الرغبة في إيجاد شرحٍ ما لما لا يوجد شرحٌ له، والرغبة في التمايز والاختلاف.

الأرض المسطحة
يعتقد كثيرون أن الأرض مسطحة استنادًا إلى نظريات مؤامرة

كما أن المؤمنين بنظرية المؤامرة، لديهم انحياز إدراكيّ يُعرَف باسم "رصد السببية المفرط " (Hypersensitive Agency Detection) أو "التفكير التيليلوجي" (Teleologic Thinking)، بحيث يُرجع الأحداث إلى قوى أو دوافع خفية.

وكما وجدت دراسات أخرى، يرتبط الاعتقاد في نظريات المؤامرة أيضًا بمستويات متدنية من التحصيل العلمي والقدرة على التفكير التحليلي. 

وكشفت الدراسات أيضًا أن نصف المواطنين الأمريكيين يؤمنون بنظرية مؤامرة سياسية أو طبيةٍ واحدةٍ على الأقل. فالتصديق بنظريات المؤامرة أمرٌ أكثر "طبيعية" مما لك أن تتخيّل.

وتعكس الشعبية العالية أيضًا لأفلام مثل: JFK و The Manchurian Candidate وConspiracy Theory، كيف يمكن للكثير منا أن ينجذب إلى نظرية مؤامرةٍ محاكةٍ بإتقان.

وعلى مدار العامين الماضيين، انتظرت الولايات المتحدة بتلهّفٍ شديدٍ نتائج أبحاث تحقيق مولر، لعله يكشف عن أحد أكبر المؤامرات في التاريخ الأمريكي، في حين أن هناك آخرين كان يؤمنون بأن تحقيق مولر هو نظرية مؤامرة في حد ذاته! ولا ننس أنه قد يتبين صحة نظرية مؤامرة ما في وقتٍ ما.

دور السوشيال ميديا في الترويج لنظريات المؤامرة

كان الناس في الماضي يحصلون على المعلومات من الكتب والصحف المطبوعة والشبكات التلفزيونية الكبرى، والخبراء. لكن تغيّر الحال تغيّرًا دراماتيكيًا بوصول الإنترنت، الذي أصبح المصدر الأول للمعلومات، ومعه أصبحت هناك وفرةٌ مخيفة في المصادر التي يحصل منها الناس على معلوماتهم. وكانت إحدى تبعات ذلك، تقييم صحة المعلومة بناءً على شعبيتها، مع تجاهل أي اعتبارات أخرى.

السوشيال ميديا
ساهمت السوشيال ميديا في تعزيز انتشار نظريات المؤامرة

لا يُعرف حجم الدور الذي لعبه الإنترنت في زيادة نسبة التصديق بنظريات المؤامرة، لكننا نعرف أن التعمق في نظرية ما تحوّل إلى تجربة مكتملة تخوضها على شبكة الإنترنت، بل وانتماء، مثل الاعتقاد بأن الأرض مسطحة. في حين أنه من الصعب التمييز بين مصادر المعلومات الموثوقة وأنت تبحث عن أجوبةٍ على وسائل التواصل الاجتماعي.

تقوم طبيعة لوغاريتمات محركات البحث على ربط النتائج ببعضها، فإذا ضغطت على شيءٍ له علاقة بنظرية مؤامرة، فسترى شيئًا آخر على الأرجح له علاقة أيضًا بنظرية مؤامرة.

وجميعنا قد نقع في شرك "انحياز التأكيد" (Confirmation Bias)، وهو النزعة إلى ترسيخ المعتقدات التي نؤمن بها مسبقًا وقت البحث عن المعلومات. وفي ظل أن الإنترنت تقدم لك ما تريد سماعه ورؤيته، فنحن نشهد عصر ازدهار "انحياز التأكيد".

ما هي الطريقة الأفضل للتعامل مع المؤمنين بنظريات المؤامرة؟

السخرية ومجادلة هؤلاء الناس ليست من الإستراتيجيات المفيدة إذا كنت صادقًا في محاولتك لتغيير ما في العقول، فالمعتقدات "المؤامراتية" يرجع أصلها إلى غياب الإيمان بالمؤسسات.

فعندما تكون نظرية المؤامرة نظريةً علمية، مثل قولهم أن "الأرض مسطحة" أو أن "اللقاحات تسبب التوحد"، فهنا يقع الحمل على عاتق المعلّمين الذين عليهم إعادة صياغة جهودهم، والتنبه لما هو مفيد ولم لا يُؤتي بأي نتائج.

نظرية المؤامرة
المؤمنون بنظريات المؤامرة، يرجعون الأحداث إلى قوى أو دوافع خفية

الطريقة الأفضل للبدء هي الاستماع والتفهم. والشريحة الأهم هنا هم "الهواة الباحثون عن أجوبة"، مثل من يؤمنون بنظرية الأرض المسطحة أو أن اللقاحات تسبب التوحد، لكن هدفهم حل مشكلة الانفصام بين المعرفة العلمية السائدة وما يرونه على اليوتيوب.

جميعنا قد نقع في فخ "انحياز التأكيد"، وهو النزعة إلى ترسيخ المعتقدات التي نؤمن بها مسبقًا، وقت البحث عن المعلومات

أما غيرهم ممن هم غارقون تمامًا في هذه النظريات، والذين يصنعون بأنفسهم هذه الفيديوهات التي تختزل هويتهم، وأحيانًا دخلهم الشهري، فمن الصعب إنقاذهم، فعندما ترتبط المعتقدات بالهوية و"أكل العيش" ستجد مقاومة هائلةً للتغيير.

 

 

اقرأ/ي أيضًا:

كوكب الأرض.. مسطح أم كروي؟!

"الترافيك القاتل".. بزنس المعلومات المضللة يهدد مرضى السرطان