فجوة الانبعاثات تتسع.. هل يمكن تحقيق أهداف اتفاقية باريس؟
12 نوفمبر 2025
على حافة غابات الأمازون المطيرة، تسعى البرازيل التي تستضيف مؤتمر المناخ العالمي "كوب 30"، إلى صنع التاريخ مرة أخرى في مجال العمل المناخي، بعد ثلاثة وثلاثين عامًا، على استضافة قمة عالمية في ريو دي جانيرو، حين ولدت اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ وظهرت مؤتمرات الأطراف إلى الوجود، والتي وحّدت جهود دول العالم نحو هدف واحد: الحد من تغير المناخ.
ولمدة أسبوعين تقريبًا، بدءًا من 10 تشرين الثاني/نوفمبر، يتجمع الآلاف من ممثلي المجتمع المدني والعلماء وموظفي المنظمات غير الحكومية والناشطين الشباب ورجال الأعمال في مدينة بيليم الاستوائية، التي تشكل بوابة الأمازون في البرازيل، لتنسيق العمل المناخي العالمي.
ويجتمع المشاركون أيضًا لتقييم اتفاقية باريس لعام 2015، حيث وافقت 196 دولة خلال مؤتمر الأطراف الحادي والعشرين، على تنفيذ التدابير الرامية إلى الحد من الاحتباس الحراري العالمي إلى مستويات ما قبل الصناعة.
ما هي اتفاقية باريس؟
اتفاقية باريس هي اتفاقية دولية بارزة اعتمدتها جميع دول العالم تقريبًا في 12 كانون الأول/ديسمبر عام 2015 في العاصمة الفرنسية باريس، لمعالجة تغير المناخ وآثاره السلبية، ودخلت الاتفاقية حيز النفاذ في 4 تشرين الثاني/نوفمبر من العام التالي.
تهدف اتفاقية باريس إلى خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري العالمية بشكل كبير، سعيًا للحد من ارتفاع درجة الحرارة العالمية قبل نهاية هذا القرن
تهدف الاتفاقية إلى خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري العالمية بشكل كبير، سعيًا للحد من ارتفاع درجة الحرارة العالمية قبل نهاية هذا القرن إلى أقل من درجتين مئويتين فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، مع السعي الطموح إلى الحد من هذه الزيادة إلى 1.5 درجة مئوية.
تتضمن الاتفاقية التزامات من جميع الدول الرئيسية المُصدّرة للانبعاثات بخفض تلوث المناخ لديها وتعزيز هذه الالتزامات بمرور الوقت، وتُتيح الاتفاقية للدول المتقدمة مسارًا لمساعدة الدول النامية في جهودها للتخفيف من آثار تغير المناخ والتكيف معه، كما تُنشئ إطارًا للرصد الشفاف والإبلاغ وتعزيز الأهداف المناخية الفردية والجماعية للدول.
لكن الهدف هذا يبدو بعيد المنال، نظرًا لأن السنوات العشر الماضية كانت الأكثر دفئًا على الإطلاق، وشهد عام 2024 سابقة تاريخية مع ارتفاع في درجات الحرارة بنحو 1.55 درجة مئوية مقارنةً بمستويات ما قبل الثورة الصناعية بين عامي 1850 و1900 متجاوزًا عتبة الاحترار الحرجة
ورغم أن سنة واحدة تتجاوز 1.5 درجة مئوية لا يشكل انتهاكًا لأهداف اتفاقية باريس طويلة الأجل، لكنه يمثل علامات مبكرة على الاقتراب بشكل خطير من تجاوز الحد الطويل الأجل، وتحذيرًا صارخًا لخفض الانبعاثات المسببة للاحترار العالمي إلى مستويات مقبولة.
كيف تعمل اتفاقية باريس؟
يتطلب تنفيذ اتفاقية باريس تحولًا اقتصاديًا واجتماعيًا، استنادًا إلى أفضل المعارف العلمية المتاحة، وتعمل اتفاقية باريس على دورة مدتها خمس سنوات من العمل المناخي الطموح والمتزايد الذي تنفذه الدول.
ومنذ عام 2020، تقدم الدول خطط عمل وطنية للمناخ، تُعرف باسم المساهمات المحددة وطنياً (NDCs)، وتهدف كل مساهمة وطنية متعاقبة إلى أن تعكس درجة طموح أعلى بشكل متزايد مقارنة بالنسخة السابقة.
وفي مساهماتها المحددة وطنيًا، تُفصّل الدول الإجراءات التي ستتخذها لخفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري لتحقيق أهداف اتفاقية باريس، كما تُفصّل الدول في مساهماتها المحددة وطنيًا الإجراءات التي ستتخذها لبناء القدرة على التكيف مع آثار تغير المناخ.
تدعو اتفاقية باريس الدول إلى صياغة وتقديم استراتيجيات تنمية طويلة الأجل منخفضة انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، لتحسين تأطير الجهود المبذولة لتحقيق الهدف المنشود.
توفر اتفاقية باريس إطارًا للدعم المالي والفني وبناء القدرات للدول التي تحتاج إلى التمويل، إذ يُعدّ تمويل المناخ ضرورياً للتخفيف من آثار تغير المناخ، إذ يتطلب استثمارات واسعة النطاق لخفض الانبعاثات بشكل ملحوظ. كما يُعدّ تمويل المناخ مهمًا بنفس القدر للتكيف مع الآثار السلبية لتغير المناخ والحد من آثاره.
ما الذي تحقق؟
على الرغم من ضرورة تكثيف جهود مكافحة تغير المناخ لتحقيق أهداف اتفاقية باريس، إلا أن السنوات التي انقضت منذ دخولها حيز التنفيذ قد أثمرت بالفعل عن حلول منخفضة الكربون وأسواق جديدة.
ويتزايد عدد الدول والمناطق والمدن والشركات التي تضع أهدافًا للحياد الكربوني، وأصبحت الحلول الخالية من الكربون أكثر تنافسية في مختلف القطاعات الاقتصادية التي تُمثل 25% من الانبعاثات.
ويتجلى هذا التوجه بشكل خاص في قطاعي الطاقة والنقل، وقد أتاح العديد من فرص الأعمال الجديدة للشركات الناشئة.
وبحلول عام 2030، قد تكون الحلول الخالية من الكربون قادرة على المنافسة في القطاعات التي تمثل أكثر من 70% من الانبعاثات العالمية.
بعيدًا عن الهدف
يُسلّط تطبيق رصد اتجاهات درجات الحرارة العالمية التابع لخدمة كوبرنيكوس لتغير المناخ (C3S)، الضوء على تسارع ملحوظ في ارتفاع درجات الحرارة العالمية منذ اعتماد اتفاقية باريس.
وعندما اعتمد مندوبو مؤتمر الأطراف اتفاقية باريس قبل عشر سنوات، قدر التطبيق أن درجة الحرارة العالمية كانت بالفعل أعلى بمقدار 0.98 درجة مئوية من متوسط ما قبل الثورة الصناعية، وأنها ستتجاوز عتبة 1.5 درجة مئوية في عام 2045.
واليوم، تقدر الأداة نفسها أننا وصلنا إلى متوسط عالمي قدره 1.25 درجة مئوية، وسنكون عند 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية في مايو/ أيار 2029.
بعبارة أخرى، في عام 2015، كان الموعد النهائي المتوقع للوصول إلى 1.5 درجة مئوية على بُعد 27 عامًا، أما الآن، فتشير التقديرات أن الحد الأقصى لا يفصلنا عنه سوى 4 سنوات، أي أقرب بـ 23 عامًا.
يشير الخبراء إلى أن التركيزات المتزايدة من غازات الاحتباس الحراري في الغلاف الجوي أدت إلى تفاقم الوضع، مما يجعل تحقيق هدف الحفاظ على شذوذ درجات الحرارة العالمية أقل من 1.5 درجة مئوية فوق المتوسط ما قبل الصناعي أكثر صعوبة.
من المتوقع أن ترتفع تركيزات الغازات المسببة للاحتباس الحراري في الغلاف الجوي هذا العام، وفقًا لجميع التوقعات، حيث وصلت باستمرار إلى مستويات جديدة منذ التزام زعماء العالم باتفاقية باريس.
يُشير تقرير فجوة الانبعاثات لعام 2025 الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة، قبل ساعات من انطلاق مباحثات المناخ في البرازيل، والذي يحمل عنوان "بعيدًا عن الهدف"، إلى أن التعهدات المناخية الجديدة المقدَّمة في إطار اتفاق باريس، لم تشهد سوى تراجعًا طفيفًا في الارتفاعات المتوقعة لدرجات الحرارة العالمية خلال هذا القرن، مؤكدًا أن العالم لازال يتّجه نحو تفاقم خطير في مخاطر تغيّر المناخ وأضراره.
يشير التقرير أيضًا إلى الحاجة لخفض الانبعاثات السنوية بنسبة تتراوح بين 35% و55% مقارنةً بمستويات عام 2019 بحلول عام 2035، وذلك من أجل التوافق مع هدف اتفاقية باريس.
لكن وبسبب ضيق الوقت المتاح لتحقيق ذلك، وحجم حجم التخفيضات المطلوبة، وضيق الوقت المتاح لتحقيقها، والظروف السياسية العالمية الصعبة، فمن المرجّح جداً أن يتجاوز الاحترار العالمي عتبة 1.5 درجة مئوية، وغالبًا ما سيحدث ذلك خلال العقد المقبل.
يتطلب الحفاظ على الهدف العالمي الطموح خفضًا أسرع وأكبر لانبعاثات غازات الدفيئة، وذلك للتخفيف من مخاطر تغيّر المناخ وأضراره، والحفاظ على إمكانية العودة إلى مستوى 1.5 درجة مئوية بحلول عام 2100.
ورغم صعوبة تحقيق ذلك، فإن كل جزء من الدرجة المئوية يتم تفاديه، يمكن أن يساهم في الحدّ من تفاقم الأضرار والخسائر للبشر والنظم البيئية وخفض التكاليف، كما يمكن للتقنيات منخفضة الكربون تحقيق خفض كبير في الانبعاثات العالمية، اعتمادًا على طاقة الرياح والطاقة الشمسية التي تشهد نموًا سريعًا، ممّا يقلّل من تكاليف التخفيف والتكيف.







