فتحي عفيفي.. فرشاة مخضّبة بتروس المصانع وروحانيات حي السيدة زينب
10 ديسمبر 2025
في قلب القاهرة، وتحديدًا في حي السيدة زينب، تقودك الأزقة التاريخية إلى منطقة "الناصرية". أمام مسجد كعب الأحبار التاريخي، يتخّذ الفنان فتحي عفيفي من هذه البناية مرسمًا ومسكنًا له. بمجرد عبورك عتبة المرسم، يستقبلك عالمٌ مُصاغٌ من التراكم البصري والذاكرة الحيّة؛ تقف مدهوشًا مسحورًا أمام المشهد الفني: لوحات بألوان قوية تزين الحائط، وأخرى بالأبيض والأسود تُجسّد ظلالًا عابرة، بينما ترقد أعمال أخرى على الأرض تنتظر دورها.
هذا المكان هو مرآة لصاحبه؛ ففي زاوية مهيبة، يقابلك بورتريه ضخم للزعيم عبد الناصر، يجاوره تمثال آخر له، كدليلٍ على وفاء الفنان لزمن الانتماء والقضايا الذي هو أحد أبنائه. لا يغيب عن المشهد أيضًا الشال الفلسطيني، وكومة من الجرائد اليومية التي ما زال عفيفي يحرص على إحضارها بنفسه كل صباح. ولتكتمل الأجواء المصرية الأصيلة، يصاحبك طوال فترة مكوثك صوت سيدة الغناء أم كلثوم وهو ينساب في هدوءٍ من المذياع. وإذا ما نظرت من الشباك، تجد الحارة المصرية تنبض أمامك، وكأنك تقرأ فصلًا لـنجيب محفوظ بتصرف يليق بالعصر، حيث تتراص الآثار المملوكية أمام عينيك.
أما صاحب المكان، فيقابلك بابتسامته التي لا تفارق وجهه، فبداخله طفل يبلغ من العمر الخامسة وسبعين عامًا، ممازحًا بأنه مولود في يوم 8 آذار/مارس يوم المرأة العالمي لعل هذا يرضي النساء عنّي؛ مازال يحتفظ ببراءته وفطرته.

يحكي لك عن الطرائف والنوادر والمصاعب التي واجهته في مسيرة حياته، يحكيها وضحكته تتخلل حديثه. البداية مع الرسم الذي لا يتذكرها منذ أن كان طفلًا يكره الدراسة ويفضّل اللعب، لكن دافعه للرسم كان محبته الشديدة له؛ حيث كان يرسم زملائه في المدرسة مقابل أجر ليتمّكن من الذهاب إلى سينمات السيدة زينب التي أثرته بصريًا وثقافيًا بشكل لا يتخيله أحد. ويشير الفنان من الشرفة إلى أماكن التي كانت تتواجد السينمات فيها وتم ازالتها، والتي بلغت عشرًا في المنطقة، وكانت تمثل "أسهل وأرخص ثقافة بصرية". هذه التجربة الفريدة كانت تمزج بين مشاهدة الأفلام المتقنة وشراء الكتب الرخيصة، ليضرب مثلًا بقوله: "أشاهد فيلم ذهب مع الريح ثم أقرأ الرواية، فهذه تجربة فريدة".
ويرى عفيفي أنه ينتمي لـجيل محظوظ جدًّا، وهو جيل الخمسينيات الذي كان "مثقفًا جدًّا"، حيث كانوا يعشقون السينما ليس للمشاهدة فقط، بل يقومون بنقد الأفلام الأجنبية والعربية على حدّ سواء، وكل شيء كان ممهدًا للتثقيف، مما كوّن لديه "ثروة بصرية" هائلة.
نقطة التمايز: من الحارة إلى المصنع
في المشهد التشكيلي المصري، من السهل أن تجد فنانًا يرسم الطبيعة الخلّابة أو يتفنن في تصوير النيل والخضرة الريفية، أو حتى ينشغل برسم تفاصيل الحارة الشعبية. لقد رسم فتحي عفيفي الحارة أيضًا، لكن نقطة تمايزه وفرادته الفنية تكمن في مكانٍ آخر لم يجرؤ الكثيرون على ولوجه: العالم الصناعي المصري.
ربما لا يوجد فنان آخر رسم هذا العالم الجامد والمُعقّد وحوّله إلى قيمة بصرية وجمالية، مُحوّلًا تروس المصنع، وصواميل الماكينات، والشحم، والعمال بوجوههم المطمورة وعضلاتهم الهزيلة، إلى مادةٍ أساسية للوحة.

هذا الانغماس لم يكن مجرد خيار فني، بل كان نابعًا من التجربة الحية؛ حيث يعترف عفيفي: "من حُسن حظي أيضًا أنني عملت في مصنع حربي، وعشت العصر الناصري. كان فيه ثقافة، وكان هناك دعم، وكان فيه انتماء قوي جدًّا. كل هذا، أنا حتى الناس سموني – "فنان الحارة والمصنع". وسعدت جدًا به."
هذا الانتماء المُباشر للمصنع مكّنه من رسم العامل بصدقٍ، بعيدًا عن أي تيار فني مثل "الواقعية الاشتراكية"، حيث يقول: "أنا تابعت أغلب أعمالهم ووجدتها ساذجة لأنهم لا يعرفون المصنع بحق، وماذا يحدث داخله. أنا مثلًا أعرف كل الموجودين في المصنع، ألفين زميل، وأحوالهم، الذي مات بمرض مهني، وحاجات هكذا. كل هذا شيء آخر خالص". وقد دفعته هذه المعرفة إلى خلق "صراع سريع بين الإنسان والآلة" في لوحاته، مصورًا الآلة كـ "وحش يأكل الإنسان".
جدل الفطرة والتكوين العلمي
يُبدي عفيفي انزعاجًا شديدًا وغير مُبرر من الوصف النقدي الذي يُلصق به، وهو "الفنان الفطري" أو "التلقائي". يرى أن هذا التصنيف "غبي"، ويوّضح أنه يأتي عادة لأن الفنان "لم يرسم بالأساس العلمي والأكاديمي" أو يدرس داخل مؤسسة، وينسون أن الفنان قبل الدراسة يجب أن يكون موهوبًا، وبالمناسبة أنا درست في قسم الفنون الحُّرة لكي أدرس التشريح وبعض الأسس العلمية، وهذا اعتبره استسهالًا من النقاد.

ويؤكد عفيفي أن التكوين الفني يعتمد على هذا المزيج؛ فبعد التأسيس، والموهبة، والمشاهدة، والقراءة، والمخالطة، يصبح السؤال الجوهري: "ما الذي ستقدمه؟"، متذكرًا الحكمة العربية: "إذا أردت كتابة شعر احفظ ألف بيت ثم انسَه وقُل شعرًا"، هكذا الفن التشكيلي. وقد نصحه في بداياته الفنان زكريا زيني قائلًا: "يا بختك خليك زي ما أنت، ارسم ما تعرفه وما تحبه"، مؤكدًا أن الأصالة تنبع من الذاكرة والارتباط بالجذور، وليس بالتبعية الأكاديمية المُطلقة.
كان عفيفي مدركًا لخطر التعالي على هذه البيئة، مشيرًا إلى أن الابتعاد عن جذوره كان سيُصيبه بـ "مرض طبقي" ويُفقد ذاكرته البصرية. كما يشدد على أن الأيديولوجيا تُفسد الفنان، وقد اختار عفيفي طريقًا آخر: أن تنبع أعماله من "الحياة والمعيشة" وصدق التجربة.
والموقف من القضايا الوطنية
عند الانتقال إلى مسيرته المهنية، يوّضح عفيفي أن وظيفته في المصنع الحربي كانت بمثابة حماية له ولأسرته، إذ "ليست من الحصافة التفرغ للفن وأنت لديك أطفال"، وأي فنان يعيش فقط من فنه أشعر أنه بطل.
لا يفصل عفيفي الحديث عن أي شيء عن ما حدث في الماضي السياسي وما يجري من أحداث، لا سيّما حرب الإبادة الأخيرة في غزة. وبالعودة إلى الذاكرة، يصف عفيفي فترة خدمته العسكرية (من 1970 إلى 1975) بأنها "مهمة جدًا جدًا في حياتي"؛ إذ صقلته وقوّته، خاصة وأنه خدم في كتيبة "صائد الدبابات" بجوار الجندي عبد العاطي الذي كبّد العدو الصهيوني الكثير من الخسائر المادية. وقد نال خلالها جائزة في الرسم من الجيش الثاني، على الرغم من تواجده في الجيش أثناء حرب تشرين الأول/أكتوبر، إلا أنه كان من ضمن الجنود الذين أخذوا إجازة كجزء من الخداع التكتيكي في الحرب.

وعن القضايا العربية الكبرى، يؤكد عفيفي أن قضية فلسطين هي قضية "مؤسِسة ورئيسية" في وعيه، وقد ترجم أحداثها في لوحاته، مصورًا المسيح في عباءة فلسطينية. ويُعبِّر عن حزنه العميق لانفصال مصر عن محيطها العربي، مؤكدًا أن "إسرائيل عطلت نمو مصر" وأن النكسة في 1967 كانت بداية تدمير التنمية في مصر وتحديدًا في مجال الصناعة بعد أن كانت دولة نامية محققة نجاحات صناعية. تراجع الحال وأصبحنا مستهلكين حتى نكون تحت وطأتهم. ويصف أن القاصمة الكبرى كانت في كامب ديفيد، حيث انفصلت مصر عن محيطها القومي والعربي. فلا تقدم لنا أو للعرب دون وحدة كتلك التي دعا بها عبد الناصر، معبرًا عن رفضه للواقع الذي جعل المنطقة في حالة تراجع وصراع دائم.
الوفاء الأخير للزوجة والحارة
يُبرز عفيفي في ختام حديثه قيمة الوفاء لزوجته الراحلة السيدة نبيلة، التي كانت جارته في الحي ثم زوجته وحُب عمره، وتوفيت قبل ثلاث سنوات. يتحدث بعمق عن امتنانه الكبير لدورها، إذ "تحملت فنان المصنع" في سنوات الكفاح الأولى، ويصف طبيعة حياته الفنية قائلًا: "كنت أعمل ليلًا وأرسم نهارًا، كانت لا تنزعج بالعكس كانت تقول لأطفالي مش عايزة دوشة بابا هيرسم"، مؤكدًا أن هذا النوع من الزوجات الداعمة التي تتحمل ظروف الفنان أصبح نادرًا.
أما عن حي السيدة زينب، ورغم الشهرة والنجاح الذي حققه، فلم يفكر يومًا في هجره والانتقال إلى حي "أرقى". يوّضح عفيفي أنه يملك مرسمًا آخر في الإسكندرية لقضاء بعض الوقت، لكن الوفاء للحارة الشعبية هو الأصل؛ إذ يقول بحسم: "أنا لا أقدر على هجر السيدة زينب. أنا أحب هذه الضوضاء". فالضوضاء في عينيه ليست إزعاجًا، بل هي نبض الحياة، ومصدر إلهامه الدائم الذي لا يستطيع الانفصال عنه.







