فتاة ومسدس: كل ما يلزم لخلق"موجة جديدة"
17 نوفمبر 2025
كما لو أنه فيلم وثائقي، أراد المخرج ريتشارد لينكلاتر من شخصياته أن يؤدوا أدوارهم بدقة أرشيفية، كبحث مرجعي لدارسي السينما عن أسماء شهيرة. الشهرة هنا تولّدت من أن من يُصوّرهم، أو يمثلهم، الفيلم هم من أسّسوا لمدرسة سينمائية كاملة ما زال أثرها يرشح في وجدان كل صانع أفلام أو طامح ليكون كذلك.
هذا ما يقدمه الفيلم الروائي "موجة جديدة": فيلم يبدأ عن جان لوك غودار (Jean-Luc Godard)، المخرج والناقد السينمائي الذي ارتبط اسمه بشكل عضوي بأبرز رموز الموجة الجديدة، حيث بدأ مسيرته ناقدًا في مجلة "دفاتر السينما" (Cahiers du Cinéma)، قبل أن ينتقل إلى الإخراج ويعيد تشكيل لغة السينما عبر قاموس خاص. في البداية قد يبدو الفيلم عنه، لكنه "عنهم كلهم". افتتح الفيلم بشخصية روبيرتو روسيلّيني، الأب الهادئ للواقعية الإيطالية، كما لو أنه يبارك ولادة الحركة الفرنسية المقبلة. ثم تتوالى الوجوه التي صنعت الأسطورة: فرانسوا تروفو، كلود شابرول، إيريك رومير، أنييس فاردا، جان سيبرغ، جان بول بلموندو، راوول كوتار، وجورج دو بوراوغار.
الشخصيات والوجوه المؤثرة
في فيلم "الموجة الجديدة"، رُسمت الشخصيات بمستوى واحد، ليس لها حكاية خارج علاقتها بالحركة الفنية "الموجة الجديدة". تظهر فجأة، قفزات دون مناسبة درامية، ودون حبكة روائية تقليدية. ومع كل ظهور جديد لاسم يحبس الأنفاس لتأثيره، لأفلامه، ولتاريخه الإبداعي، تثبت الكاميرا لثوانٍ، كما لو أنها تلتقط صورة في الذاكرة، تؤرّخ اسم الشخصية، تاركة لك ولمعارفك تقدير أهمية من تراه. الخيط اللازم لكل هذا هو تفاصيل صناعة فيلم "À bout de souffle" (مقطوع النفس) لغودار، وعلى خلفيته يقدّم الفيلم "المانيفستو" الكامل لحركة "الموجة الجديدة" التي تنقلت برشاقة بين إيطاليا وفرنسا.
انعكاس الحركة لا الأفراد
ومن داخل هذه الحبكة، من تقنية "فيلم يتحدث عن صانع أفلام، مشغول بصناعة فيلمه الأول"، تتبدّى الشخصيات كأنها انعكاسات لحركة لا لأفراد. لا شيء لنعرفه عن هذه الشخصيات سوى علاقتها المباشرة بتلك اللحظة السينمائية الأولى لولادة "موجتهم الجديدة". لا نرى خلفياتهم، ولا طباعهم الشخصية، ولا هشاشتهم، بل نراهم كوجوه خفيفة تعبر الكادر، علامات، أو مجرد شخصيات فارقة مكسوة بدخان سجائر يشتعل في كل زاوية من زوايا الأمكنة، غيوم دخان تمشي فوق الوجوه، أصابع تتحرك مع السيجارة باعتبارها جزءًا من جملة بصرية تشبه لغة المرحلة للسينمائي الفرنسي الذي يختنق بالدخان. هكذا تدخل الشخصيات وتخرج بلا سياق درامي يحميها، كأن حضورها من أجل التوثيق، لا من أجل الحكاية.
عندما بدأ بصناعة الفيلم، صرّح لينكلاتر أنه يريد استعادة الشعور الأولي لولادة الفيلم من الفوضى والموارد المحدودة وغياب السيناريو، ومن الجرأة على صنع فيلم مهما كان الثمن
باريس: إعادة تجربة "الموجة الجديدة"
في هذا المسار شديد الديناميكية والغنى، وعن هذه المرجعية الحيّة، يقدّم المخرج الأميركي ريتشارد لينكلاتر فيلمه مستعيدًا نبض البدايات لـ"الموجة الجديدة". فها هو يعود إلى باريس بعيون أميركي يلاحق الضوء نفسه الذي طاردته كاميرا راوول كوتار قبل ستين عامًا، الضوء الذي لم يكن يحتاج إلى أكثر من نافذة وشارع كي يصنع ثورته. يختار الأبيض والأسود أيضًا، "الفريم" المربّع، الكاميرا المحمولة على كرسي بعجلات، داخل صندوق تجره عربة، سينما محمولة فكريًا وعاطفيًا أيضًا على أدوات الارتجال، والحوارات المقتطعة من أبيات شعر، من مقولات فلسفية، أو روايات أدبية. شذرات، أفكار غير كاملة أو مخمّرة، كلمات متناثرة كأنفاس متقطعة من رئة إنسان حائر. يُعيدنا الفيلم بقصدية إلى تلك اللحظة التي كان فيها غودار يكتب مشهده على ورقة ممزقة قبل دقائق من تصويره، عندما يترك التصوير في منتصفه، عندما يتصارع مع منتجه كذكر لا كسينمائي، مخرج يتردد أكثر مما يقرر، ويتظاهر بثقة لا يملكها في الواقع. بينما سيبرغ ممثلته الأميركية قلقة، وبلموندو "بطله" هاربٌ بخفته كملاكم حقيقي، وفي قلب كل هذا، يركض المصوّر خلفهم وخلف الضوء كما لو أنه يطارد فكرة. باريس نفسها تبدو مترددة، كأنها لا تعرف إن كانت مستعدة لاستقبال قفزة هؤلاء المجانين في فضائها.
الشعور الأولي والمغامرة البشرية
عندما بدأ بصناعة الفيلم، صرّح لينكلاتر أنه لا يريد إعادة تمثيل الماضي، بل إعادة الشعور الذي صنعه. ذاك الشعور الأولي اليقيني لدى هؤلاء، بأن الفيلم يمكن أن يولد من الفوضى، من نقص المال، من غياب السيناريو المكتوب كاملًا، من تلك الجرأة التي تجعل شابًا في العشرينات يقف في شارع مفتوح ويقرر أن يصنع فيلمًا مهما كان الثمن. لذلك يبدو فيلمه كأنه يعود إلى اللحظة التي لم يكن فيها الفيلم مشروعًا محسوبًا، بل مغامرة بشرية بسيطة: جسدان، مدينة، وصراخ مخرج. وحركة كاملة عن اللاتعقيد، عن البساطة، عن الواقعية. وهو ما يعيد إلينا ما حاولت الصناعة دفنه: أن السينما، في لحظتها الأولى، لا تحتاج إلى أكثر من نظرة، إلى صدفة صغيرة، إلى باب يُفتح، إلى غرفة تضيق بشخصين يبحثان عن هواء مشترك.
العودة إلى أصل السينما
في زمن أثقلته المؤثرات البصرية و"القصص الساذجة، عسيرة الهضم، حيادية الانشغال في مقاربة واقع معقد"، يأتي هذا الفيلم كهمس هادئ، أو كثورة بيضاء، ليقول إن كل شيء يمكن أن يبدأ من مكان أبسط حياتيًا، طالما أنه يحمل همًا جماليًا وثقافيًا معًا. يؤكد الفيلم، عبر استحضار "المعلمين"، أن السينما لا تزال قادرة على العودة إلى أصلها، إلى تلك الغرفة الضيقة بقاطنيها ودخان سجائرها. وأن ما فعله غودار لم يكن سوى لحظة شك كبرى، أو بدءٍ كبرى. لحظة حاول فيها أن يهرب من سينما لا تكفي طموحه ويصنعها بطريقته. لحظة تقترب كثيرًا من لحظاتنا الأولى جميعًا، حين نفعل الأشياء التي نؤمن بها رغم الرعب.
وهكذا يصبح فيلم لينكلاتر أكثر من "تحية" لحركة سينمائية، بل دعوة لصنّاع الأفلام كي يتذكروا أن البدايات لا تحتاج إلى كثير من اليقين، وأن كل موجة جديدة تبدأ من خطوة مرتجفة، ومن انعدام وعي، أو في أحسن الأحوال، لامبالاة كافية ليكتبوا التاريخ بعدها، والأهم ليصوّروا بكاميرا تلاحق الضوء الطبيعي، صدفة يمكن تحويلها إلى فيلم، لن يكون في النهاية سوى حكاية عن فتاة ومسدس.







