"فتاة في المنفى".. ذاكرة مسكونة بأشباح الاستبداد

إسماعيل قادري، كاتب بذاكرة حية تأبي نسيان الشمولية الاستبدادية الأوروبية (Getty)

في روايته الأخيرة "فتاة في المنفى"، يسبر الكاتب الألباني إسماعيل قادري، أغوار رمزية الموت والحياة والخط الفاصل بينهما، ويرسم مفهومًا للعلاقة بينهما وبين الفرد والدولة. فيما يلي قراءة في رواية "فتاة المنفى"، نقلًا عن مجلة "The New Republic".


يعد إسماعيل قادري أكثر كتاب ألبانيا نجاحًا، الأحياء منهم والأموات. إن غالبية الأدب الأبرز في ألبانيا ما بعد الحرب، يدور حول الواقعية الاشتراكية، ويظهر هذا جليًا في روايات ستيريو سباسي (Serjo Spasse) الخانقة. وفي حين أن الواقع يقول، إنه لا يمكن لأي فنان أن يقوم بإصلاح أدب بلدهِ منفردًا، إلا أن إسماعيل قادري تمكّن من فعل ذلك.

في روايته الأخيرة "فتاة في المنفى" يدمج إسماعيل قادري بين الدولة الشمولية وبين الموت نفسه، ما يعقد فهمنا لمعنى الحداد والتذكر

في روايته الأولى "جنرال الجيش الميت"، والتي نشرت عام 1963، اتخذ قادري من المجتمع الألباني كاملًا موضوعًا فنيًا للرواية.  ويرتكز قادري على الأسطورة والقضايا الجدلية الكلاسيكية، والدين (ينص الدستور الألباني منذ 1912 على علمانية الدولة) مع التركيز العاطفي المليء بالأسى على التجربة الإنسانية تحت الشمولية والاستبداد.

اقرأ/ي أيضًا: اشتراكية جورج أورويل.. مخبر برتبة روائي لا يتكرر

هذا التوظيف المزدوج للإنسان والدولة، يقع فريسة للمفارقة، والمفارقة هي جوهر أدب قادري نفسه، فقد ولد قادري في مدينة جيروكاستر، والتي كانت مصدر إلهام لروايته "قصة مدينة الحجر" التي نشرت عام 1971، والتي كانت على مرمى حجرٍ من الدكتاتور الشيوعي أنور خوجة. وفي روايته "فتاة في المنفى: قُداس ليندا"، والتي تُرجمت مؤخرًا إلى اللغة الإنجليزية، نرى قادري يدمج بين الدولة الشمولية الاستبدادية، والموت نفسه، وهو ما يعقد فهمنا لمعنى الحداد والتذكّر.

غلاف النسخة الإنجليزية من رواية "جنرال الجيش الميت" لإسماعيل قادري
غلاف النسخة الإنجليزية من رواية "جنرال الجيش الميت" لإسماعيل قادري

تستهل الرواية بمشهد المحققين وهم يستدعون الكاتب المسرحي روديان ستيفا، لمقابلته في العاصمة الألبانية تيرانا، إذ تكره السلطات أعماله المسرحية، مما يثير قلقه، علمًا بأن إحدى مسرحياته لا زالت تحت مراجعة لجنة الرقابة. ويكون روديان قد خاض نقاشًا مع حبيبتهِ البعيدة عنه، واسمها ميجينا، وقد وصل به الأمر في أثناء النقاش، أنه قد أمسكها من شعرها وضرب رأسها بخزانة الكتب. بعض الكتب وقعت على الأرض، فرأى روديان أغلفتها تحدق بهِ بعيون الاتهام. هل ميجينا مُخبرِة؟ هل هي هنا لهذا السبب؟

هيكل الرواية يشبه دائرة سوداء عملاقة: مثل القمر لحظة الخسوف. ستيفا هو بطل القصة، ولكنه لا يعلم ما يصيبه ولماذا. وشيئًا فشيئًا، يبدأ الضوء بالتسلل من الأطراف. يسأله المحققون عما يعرفه عن "الفتاة"، ولكنهم كانوا يتحدثون عن فتيات أخريات، فكما تبين، فتاة شابة في مكان ما في الدولة، انتحرت وكتبت في مذكراتها بإطناب عن ستيفا. وكان في حوزة الفتاة أيضًا كتابًا من كتب ستيفا، ولكنه موقع لها من فتاة اسمها "ليندا" لا يعرف ستيفا أي أحد باسم ليندا، ولكن تبين لاحقًا أن حبيبته ميجينا تعرفها. ما الذي تعرفه ميجينا؟ ولماذا ستبكي فقط ولن تتكلم؟

تعكس المشاهد الملتوية سياسيًا في مسرحيات ستيفا، الطريقة التي يكتب بها قادري نفسه رواياته. والمسرحية التي تخضع للمراجعة من لجنة الرقابة بالرواية، تعد خطيرة، لأنها تحتوي على شبح، والدولة لا تسمح بوجود الأشباح، لأنها مخلوقات فوق طبيعية، وعليهِ فهي غير واقعية. وطبعًا ليندا في هذه الرواية تكون شبحًا، وغير مسموح لها أن تدخل القصة، لأن قادري لم يخلق عالمًا سحريًا، وعلى الرغم من ذلك، يستمر الشبح في الظهور في مسرحية ستيفا وفي رواية "فتاة في المنفى".

غلاف النسخة الإنجليزية من رواية "فتاة في المنفى" لإسماعيل قادري
غلاف النسخة الإنجليزية من رواية "فتاة في المنفى" لإسماعيل قادري

رمزية الشبح لا تتمثل في أنها حجاب الجهل الذي يفصل بين عالم الأحياء وعالم الأموات فقط، ولكن في أنها الحجاب الفاصل بين الفرد والدولة الشمولية الاستبدادية أيضًا. وكما يظهر لنا في نهاية المطاف، فإن ليندا تكون جزءًا من عائلة مُحتجزة، تعيش تحت نوع من أنواع الإقامة الجبرية، وغير مسموح لها أن تغادر قريتها الصغيرة.

إنّ رمزية ظهور شبحها تقوِّض كلًا من النسيان بعد الموت، والنفي الريفي المفروض عليها من الدولة. وبالتأكيد فإن أمر الاحتجاز (احتجاز العائلة في القرية) في الرواية، ينطبق على الأموات تمامًا كما ينطبق على الأحياء: "لم يكن باستطاعة أي أحد أن يحرك العائلة من مقبرتها المخصصة لها، إلا بعد إلغاء أمر الاحتجاز".

وبينما كان ستيفا يتأمل مسرحيته، قرر أن يبدل ما بإمكان الشبح أن يفعله على المسرح. "لم يجرؤ أي كاتب مسرحي على القيام بمثل هذا التبديل في دور وشكل الشبح منذ آلاف السنين". التبديل لم يكن سطحيًا؛ "كأن تجعل نصف الشبح باهتًا ونصفه الآخر حقيقي أو كأن تجعله يرتدي سترة عشاء أو قناع غاز"، ولكن بدلًا من ذلك، سيكون الشبح منقسمًا على ذاتهِ: "لن يتحول الشبح إلى كائن أو جهاز بعقلين أو ببرمجتين مختلفتين، بل سيكون لديه طريقتين للارتباط والتواصل مع الآخرين".

يعد إسماعيل قادري أكثر كتاب ألبانيا نجاحًا
يعد إسماعيل قادري أكثر كتاب ألبانيا نجاحًا

في إحدى مشاهد مسرحية ستيفا، تستجوب مأمورية الشرطة رجلًا أطلق النار على أحد المؤيدين للحزب الحاكم. في هذا المشهد، "وعندما نهضت جثة المؤيد وتحولت إلى شبح، تكون المحادثة بين الشبح والمأمورية خافتة وغير مسموعة بالنسبة للقاتل، والحوار الذي تبادل أطرافه القاتل مع المقتول، لن تسمعه المأمورية". قد يجلس شبح قادري بين الحياة والموت، أو بين الإنسان والنظام، ولكنه ليس مترجمًا موثوقًا، بدلًا من ذلك، يتحدث الشبح أبعد من فهم مستمعيه، ويقول أشياء مختلفة باختلاف الناس الذين يتحدث معهم. يُطارد هذا الشبح الأحياء، ويخبرهم بالحقيقة، ولكنه لا يتحدث بوضوح.

يمكننا القول إن رواية "فتاة في المنفى" تؤكد على أن قادري هو أفضل كاتب بذاكرة حية وقوية تأبى نسيان الشمولية الاستبدادية الأوروبية

يمكننا وبدون جدال، أن نقول إن رواية "فتاة في المنفى" قد وصلتنا من كاتب تاريخي، لا زال في ذروة عطائه وإنجازهِ، وتؤكد أن قادري أفضل كاتب بذاكرة حية وقوية تأبى نسيان الشمولية الاستبدادية الأوروبية. يُعالج قادري غرابة ألبانيا المعروفة بدقة صارمة، والتي كانت لتكون علمية لولا الأشباح ومن تطاردهم هذه الأشباح في أعماله. ألبانيا الآن طبعًا دولة مختلفة تمامًا عن ماضيها، إلا أنها ستبقى كما هي بالنسبة لقادري، طالما يستمر في الكتابة، فالأشباح لا تموت.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

عقول مريضة.. 7 روايات حول الثقوب السوداء للبشرية

طيف حسين البرغوثي.. ضوء الشيخ الأزرق في قلب المريد