فايز العباس ومجموعته

فايز العباس ومجموعته "5 ميغا بيكسل".. الأسى حين يكتب

الشاعر فايز العباس (فيسبوك)

يكتب الشّاعر السوريّ فايز العباس في مطلع مجموعته الشّعرية الجديدة "5 ميغا بيكسل.. ذاكرة ممتلئة لعينين" (دار فضاءات، 2019): "واحد، اثنان، ثلاثة طاخ/ أقصد فلاش/ قنّاص يمازح أبناءه وهو يأخذ لهم صورة تذكارية".

 تقوم قصائد فايز العباس على جُمل بسيطة وجارحة تأخذ شكل رسائل أو بيانات

بهذه اللغة التي ترواح بين شعرية الحياة اليومية من جهة، والتأمّل الذي يتطلّب التروي من جهةٍ أخرى، بالإضافة إلى توثيق الحدث أو الإشارة إليه – الحرب – وتوسّل السخرية والتهكم لتغليف المأساة، وإن بقشرة هشّة؛ يُحاول الشّاعر المقيم في ألمانيا أن يرسم ويشيّد المشهد الذي يُفترض أن تنطلق منه قصائد مجموعته هذه، متوسّلًا موادَ خامًا جاء بها من جهاتٍ عدّة موزّعة على جغرافيا بلاد ممزقّة.

اقرأ/ي أيضًا: "بفمٍ مليءٍ بالبرق" لأمارجي: الشذرة في توهجها

يكتب فايز العباس في مجموعته هذه قصائد قوامها ما نهلهُ من بئرٍ بُنيت على ما في جوفها معظم القصائد السورية الجديدة؛ أي الحرب المفتوحة على خطابٍ إنسانيّ مبنيّ على هزيمة جماعية، تحوّل الشّعر عند احتكاكه بها صوتًا للجماعة، وملاذًا للفرد من القسوة، وكذلك أداةً لتعرية حياة قبيحة يُعاينها صاحب "فليكن موتي سعيدًا" بالعين المُجرّدة، أو يوثّقها بعدسة كاميرا منخفضة الدقّة، 5 ميغا بيكسل فقط – بحيث لا يأتي المشهد بكامل قسوته. أمّا الخلاصة فجُمل بسيطة وجارجة في آن، مكتوبة بأسىً يُترجم الرؤية ويُحيلها قصائد على شكل رسائل أو بيانات: "أنا سيّد هذا العدم/ أترك الأرض مسرحًا للعبث/ لا أؤثّث سوى الخراب/ أجلس على تلّة البلاد المُهدّمة/ وأُخرِجُ النصوص من فمي مثل الأفاعي".

قصائد "5 ميغا بيكسل: ذاكرة ممتلئة لعينيين" هي إذًا، وبطريقةٍ ما، حصيلة ما يراه أو رآه فايز العباس من أعلى تلك التلّة التي يُمكن أن تكون أمكنةٍ عديدة مجاورة للمأساة/ الفجيعة. الرؤية، أو التقاط المشهد وتخزينه وأرشفته في الذاكرة على حساب إعادة كتابته وسرده، هو ما يعني الشّاعر السوريّ الذي أولاه أهمّية سيتنبّه لها القارئ سريعًا، لا سيما حينما يقرأ: "لستُ صيادًا ماهرًا/ لكنّي لم أعد من رحلة صيد بشبكةٍ فارغة".

الكتابة بهذا المعنى تكون خلاصًا من شعوره بالامتلاء. وتفريغًا كذلك لذاكرة عينيه الممتلئة، مشهدًا بعد مشهد. وإذ بعملية التفريغ هذه تجرف من الذاكرة مشاهد أخرى ستسقط سهوًا، وتأخذ كذلك لنفسها مكانًا يُحيلها وسيلةً لنفض غبار الحرب العبثية، ومحاولة لرسم مشهدٍ بديل قوامه المرأة هذه المرّة.

إن تتبّعنا صورة المرأة في المجموعة، لن يكون صعبًا التنبّه إلى أنّها جاءت، وبسبب الهشاشة والخراب المُحيطان بها، بين مدٍّ وجزر. فهي الطريق أحيانًا، وأحيانًا المتاهة، أو العثرة. "أيتها الوعرة مثل سلسلة جبلية/ أمشي إليكِ كما لو أنّ دمي قطيع ماعز". نقرأ في قصيدة أخرى: "أنا شاعر سيئ الطبع/ أكتبك مرّة بالمجاز/ وأكتبك مُرّةً للمجاز".

رغم أن المرأة مهربه الوحيد، إلا فايز العباس يرسم لها صورًا متناقضةً تناقضًا يشبه الحرب نفسها

إذًا، نحن أمام صورة متناقضة للمرأة التي لا تثبت على حال بعد أن شرّعت الحروب أبواب التناقضات. ولأنّ الشّاعر هنا مأخوذ بالحرب والمرأة معًا، ستتداخل صورتهما في ذهنه، فتصير الملامح في حالات معينة واحدة، ومآلاتهما واحدة كذلك. "أؤمن بالحظ/ رميت النرد مضمرًا اسمك/ فخسرت حياتي/ قرأتك تعويذة/ فتناهبتني الأشباح". أو: "مثلما يعود المحارب بندوبٍ كثيرة في الذاكرة/ أعود منك؛ آثار الأظفار المغروسة في الظهر/ بقع الدم الزرقاء على الكتف/ بقاياك على ياقة القميص/ والحنين".

اقرأ/ي أيضًا: زينة هاشم بيك.. الإرهاب الجميل للشعر

يتعامل فايز العباس مع المرأة على أنّها المهرب الوحيد، وإن رسم لها صورًا متناقضة بدت فيها شريكة للحرب حينًا، وضحيتها حينًا آخر. "الحياة – أقصد هذا السلم الموسيقي الكبير – يلفظنا علامة علامة/ تشبّثي بي، ثمّة نغمة لم نؤدها بعد". في قصائد أخرى، يذهب الشّاعر بالمرأة بعيدًا عن الحرب، بحيث يتخلّص وإيّاها من جحيم الأسئلة الضيّقة، ويجعل حضورها الملتبس في محيط مشتعل إمتاع ومؤانسة: "قميصك الأسود ليل/ أفتحهُ نجمة نجمة كي أطلّ على النهار".

 

اقرأ/ي أيضًا:

المغيرة الهويدي في "وكان البيت أخي السابع"

محمد أبو لبن.. صفعة الغريق على وجه الماء