فاطمة مرتضى تشكّل بالخيط والنار ألوان أيامنا

فاطمة مرتضى تشكّل بالخيط والنار ألوان أيامنا

الفنانة فاطمة مرتضى

هذه المقالة هي أجوبة الفنانة فاطمة مرتضى على عدد من الأسئلة حول أعمالها التشكيلية.


تصدير النسيج وتأخير اللون

استخدم القماش والخيطان في أعمالي التشكيلية، وهذه مواد أصنعها في محترفي.

هذا الخيار لم يأت صدفة، أو بسبب رغبة بالتغيير والتفرد، بل هو خيار متصل اتصالًا وثيقًا بالثيمة التي أعمل عليها في لوحاتي. أجريت أبحاثًا على مدى عشر سنوات، على هذه التقنية. وأرجح أن دوافعي كانت إعادة الاعتبار للنسيج والحياكة والتطريز، ومحاولة إعادتها إلى صلب العمل الفني بعدما جُردت من قيمتها الفنية وتحولت إلى أعمال منزلية تقوم بها الجدات.

كلنا رماديون وكلنا خاضعون لضرورة أن نتشابه كتوائم، وأن نندمج تماما بين زوايا السيستم ومسنناته

وتأسيسًا على بحثي في الأساطير المؤسسة الوثنية، في بلاد ما بين النهرين وبلاد كنعان، وبعض الأساطير اليونانية، وفي مصر الفرعونية على وجه الخصوص، عزمت على إعادة تصدير أسطورة الآلهة الأم المقدسة التي كان عملها الأول هو حياكة العالم. وكانت هذه الأم مصدرًا أول للخلق والإبداع لأنها كانت ولّادة ومنسجمة مع الطبيعة انسجامًا تامًا.

اقرأ/ي أيضًا: فانيسّا الجميِّل.. إشكاليات المدينة وتساؤلاتها

أزعم أنني أستطيع التأكيد أن خياري هذا لم يكن عبثيًا، ومكنني من اكتشاف إمكانات هذه المادة (الخيط) وقدرتها على التشكل الفني.

ما زلت أرسم طبعًا بالتقنيات المعهودة. واستخدم وسائل غير مألوفة أيضًا لتشكيل لوحاتي. فلوحة القلب قمت بتشكيلها من القماش بعد أن حرقتها في عدة مواضع مما جعل مواد اللوحة عبارة عن تآلف بين القماش والسخام.

على شفير الحياة

أحيانًا أعمد إلى اختراع شخصية خيالية وأرسم لها لوحات عدة في أوضاع مختلفة. الشخصية التي تظهر في بعض لوحات هذا المعرض، وتغطي جلدها الثقوب وتبين أحشائها، رسمتها في تسعة وضعيات وكنت قد بدأت العمل عليها في العام 2019. ترافق هذه الشخصية دائمًا فراشة ملونة صغيرة، مشكلة من النسيج. وبالنسبة لي تبدو هذه الشخصية حية وميتة في الوقت نفسه. أفكر كثيرًا بأنها في طور التحلل. وأعتقد أن مرحلة التحلل التي تعقب موت الروح وتسبق فناء الجسد وذوبانه، طافحة بالجماليات. هذه الشخصية دائمًا تتواجد في لوحاتي وهي في حال من السكون، لأنها أصلًا تقع، أو تقبع، في برزخ بين الحياة والموت. لكنها في الوقت نفسه تحمل شحنة عاطفية قوية، سواء اعتبرنا هذه الشحنة سلبية أو إيجابية، وهذا ما يجعلها قادرة على الإيحاء للأحياء. مشاهد هذه الشخصية لا بد سيلحظ مقدار الجرعة العالية من السوداوية والفجيعة والرعب التي تختزنها. وربما لهذا السبب ثابرت على إضافة الفراشة الملونة إلى كل اللوحات التي تتواجد فيها هذه الشخصية للتأكيد على فكرة التحول، أو ربما الروح أو الرمق المتبقي، أو البشارة التي يحملها زمن ما بعد الموت.

أجسادنا هي تاريخنا

الوجه البشري في لوحاتي ساكن وألوانه شبه معدومة، في مقابل انتشار الألوان في اللوحات التي لا تعلو أجسام شخصياتها رؤوس بشرية. وهذه مسألة اعتقد أنها حالة وقائمة في الحياة المعاصرة وليست في اللوحات فقط. الوجه البشري اليوم ليس له لون. كلنا رماديون وكلنا خاضعون لضرورة أن نتشابه كتوائم، وأن نندمج تماما بين زوايا السيستم ومسنناته. إذا كنت ما زلت ملونًا، فأنت تغرد خارج السرب. الفردية عبارة عن كذبة كبيرة، والألوان التي ما زال هذا العالم يحفل بها هي الألوان الباقية في العناصر المنسجمة مع طبيعتها. وفي أعمالي يمثل رأس البقرة الذي غالبًا ما يعلو أكتاف الأجسام البشرية، والفراشة التي يتكرر حضورها كثيرًا، طريقتي للاحتفال بما تبقى من ألوان في هذا العالم.

أما الأحشاء الظاهرة في عدد من الأعمال، فمرد وجودها إلى اهتمامي بالجسم البشري. وفي اعتقادي نحن نعقل هذا العالم بالجسد، كحيز فيزيائي وغير منفصل عن أعضائه. نتعرف هذا العالم بأجسادنا وليس بعقلنا وحواسنا فقط. وما إمعاني في تصوير الأحشاء وتكرار هذه العملية إلا محاولة لاكتشاف دواخل هذا الجسد، وهي محاولة ستظل قاصرة بطبيعة الحال.

هذا من جهة ما يمكن أن نطلق عليه صفة النظري. أما من الجهة العملية، الواقعية، إن شئت، فإن التركيز على إظهار الاحشاء في أعمالي، ودواخل الأجساد، هو تذكير بالأجساد المعذبة والمجروحة. وهي أجساد تطغى مشاهد عذاباتها على يومياتنا في هذه المنطقة، إلى الحد الذي بت أظن أن كل أجسادنا، حتى تلك التي لم تتعرض للتعذيب والانتهاك، باتت مخلعة ومكشوفة ومنتهكة. وأحيلك إلى المجزرة التي لا تعرف أن تتوقف والتي ما زالت فصولها تتوالى في سوريا والعراق واليمن وفلسطين ولبنان طبعًا. بالنسبة لي، كلبنانية تعيش في لبنان اليوم، فإني أشعر أن عظام اللبنانيين كلهم باتت مكشوفة وظاهرة للعيان.

وأحسب أن هذه المجزرة المستمرة لا تنتهي فصولها بمجرد وقف أنشطتها. قرأت منذ فترة دراسة علمية، تفيد أن تعرض الإنسان إلى أذى بالغ (TRAUMA) جسديًا أو نفسيًا، يترك آثارًا لا تُمحى على جيناته وبالتأكيد فإنه سيورثها لأبنائه من بعده. وهذا يحيلني إلى التفكير مليًا في مستقبلنا نحن الذين نعاين الأذى منذ عقود، والآثار التي ستتركها على أجسامنا ونفوسنا. مثلما يحيلني أيضا إلى فكرة لامعة، تفيد أن تاريخ البشرية كله مخزون في أجسادنا، وربما تاريخ الكون.

التقنيات التي اخترعها الإنسان اشتغلت على تطوير السطح، وصقله وتلميعه، وأنكرت طبيعة الجسم من الداخل

مع ذلك، لا أستطيع الادعاء أنني أدرك أكثر من غيري ما تحويه أحشاؤنا ودواخلنا من معان وتواريخ. لذلك، ربما، يغلب على هذه الأحشاء في لوحاتي السواد المطبق. قد يكون هذا السواد المطبق إشارة إلى اللاوعي الذي لا نريد أن ننظر إليه أو نعقله. تمامًا كما يقول كارل يونغ: "نحن نشارك النباتات أحلامها".

اقرأ/ي أيضًا: الأوشام ومعركة الفردية التي خسرناها

التقنيات التي اخترعها الإنسان اشتغلت على تطوير السطح، وصقله وتلميعه، وأنكرت طبيعة الجسم من الداخل، وهذا المسار يمتد منذ بدايات العصر البطريركي، وصولًا إلى العولمة والرأسمالية التي تقوم في أساسها على إفناء الجسد وإحياء قشرته.


فاطمة مرتضى فنانة لبنانية تخرجت من كلية الفنون في الجامعة اللبنانية وتابعت دراساتها العليا في جامعة ساوثهامتون البريطانية. شاركت في عدد من المعارض الجماعية في لبنان وفرنسا والأردن وأسبانيا وبريطانيا.

معرضها الفردي الأول في غاليري مارك هاشم ببيروت عام 2014. تعرض اليوم بعضًا من أعمالها الأخيرة في غاليري LT ببيروت مع عدد من الفنانين في معرض بجماعي بعنوان NEXT IN LINE، ويستمر المعرض حتى نهاية الشهر الجاري.

اقرأ/ي أيضًا:

انطباعات حول لوحات رولا الحسين وصورها.. أي شياطين تسكن هذا الليل؟

فنانون ورسميون وناشطون يرفعون نصبًا لنسيان الضحايا في لبنان