"فاس".. من مدينة العلم إلى عاصمة الجريمة في المغرب!

تتخبط عاصمة العلم سابقًا في واقع معاصر مليء بالجريمة (باسكال لو سغرتان/Getty)

لكل مدينة في المغرب صورة ذهنية تلتصق بها بمجرد سماع اسمها للوهلة الأولى، فإذا كانت مراكش مرتبطة بالسياحة، والناضور معروفة بتهريب السلع من إسبانيا، فإن مدينة فاس توحي مباشرة إلى مركز الجريمة في المغرب، نظرًا لتفشي هذه الظاهرة بهذا المكان بشكل مخيف.

تشتهر فاس بين مدن المغرب بانتشار الجريمة فيها بشكل مخيف بينما كانت في الماضي القريب تلقب بالعاصمة العلمية للمغرب

لكن ما يثير الاستغراب، هو أن هذه المدينة كانت ملقبة بـ"العاصمة العلمية" لما تحتضنه من مراكز تعليمية تقليدية ضاربة في عمق التاريخ، جعلتها في وقت من الأوقات محط توافد لطلبة العلم من أنحاء البلاد وخارجها، قبل أن تتحول إلى بؤرة للإجرام اليوم.

اقرأ/ي أيضًا:  المغرب..عنف متكرر والحقوقيون يحذرون

فاس مدينة العلم

يرجع تأسيس مدينة فاس إلى نهاية القرن الثامن الميلادي إبان مجيء المولى إدريس الأول إلى المغرب سنة 789م، وازدهرت المدينة في عهد الدولة الإدريسية، حيث عرفت انتعاشًا اقتصاديًا وسياسيًا وعمرانيًا، جعلها عاصمة للمغرب لفترة طويلة، قبل مجيء الاستعمار الفرنسي الذي نقل العاصمة إلى الرباط.

تجذرٌ في التاريخ أتاح لفاس أن تزخر بتراث نابض ومعالم عتيقة، تذكر المرء بأن المدينة كانت يومًا ذات شأن سياسي وثقافي، ولا عجب أن منظمة اليونسكو الأممية اختارت مدينة فاس كأحد مواقع التراث العالمي عام 1981م.

واحد من هذه المعالم التاريخية، جامع القرويين، الذي بني من طرف فاطمة الفهرية سنة 857م، يتميز بصومعته الفارهة في السماء، وقبابه الجبسية المبلطة، ناهيك عن نقوش الأدعية والآيات القرآنية المنتشرة في جدرانه، كان المسجد قبل قدوم التعليم العصري قبلة لطلبة العلم، الذين يتوافدون من المناطق البعيدة لأخذ دروس الفقه والعربية والحساب على يد شيوخ القرويين.

صورة لمدخل جامع القرويين، المصدر ويكيبيديا

أيضًا هناك في فاس المدرسة البوعنانية، التي أسسها السلطان أبو عنان المريني ما بين 1350-1355، تشتهر بزخارفها الجميلة وساعتها المائية القديمة، كانت المدرسة محط إقامة للطلبة، يتعلمون فيها علوم الشرع واللغة العربية والحساب.

بالإضافة إلى مدارس أخرى وجوامع، مثل مدرسة العطارين والمسجد الكبير وفندق النجارين، اشتهرت بأدوارها التعليمية العتيقة، وهو ما جعل مدينة فاس تاريخيا مرتبطة بالعلوم التقليدية، قبل أن ينقلب الوضع إلى ما هو عليه اليوم.

فاس مدينة الإجرام

مدينة فاس اليوم لم تعد منارة للثقافة كما كانت في السابق، بل تحولت إلى بؤرة سوداء للجريمة، وأصبح اسمها مرادفاً لـ"الكريساج والمشرملين"، حيث تشهد حوادث السرقة والاغتصاب وتخريب ممتلكات المواطنين وتهديد حياتهم، ناهيك عن انتشار العصابات الإجرامية التي تعترض السبيل مهددة إياهم بالسلاح الأبيض لسرقتهم.

اقرأ/ي أيضًا:  "زيرو كريساج".. حملة مغربية لمحاربة الجريمة

وباتت تعيش مدينة فاس في الآونة الأخيرة وضعًا تصفه منظمات حقوقية بـ "حالة انفلات أمني"، بعدما ارتفعت حوادث الإجرام بشكل خطير يهدد خروج المواطنين من بيوتهم، وقالت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان من خلال بيان لها في هذا الصدد، " أن ساكنة فاس أضحت تعاني بشكل كبير ومقلق من الانفلات الأمني، تحوّلت حالات استخدام القوّة والعنف بالسلاح الأبيض بهدف السرقة إلى سلوك روتيني"، منتقدة الفشل الذريع لقوات الأمن في محاربة الجريمة بالمدينة.

وهو وضع تؤكده إحصائيات الجريمة، حيث ذكرت ولاية أمن فاس أنها ألقت القبض، خلال النصف الأول من الشهر الجاري فقط، على 1139 شخصًا متورطًا في قضايا إجرامية مختلفة، من السرقات العنيفة وترويج المخدرات إلى الضرب والجرح العمديين بالسواطير الحادة، وبلغ عدد حالات الاعتقال بفاس سنة 2016 حوالي 25 ألف و482 حالة، بما يعادل نسبة %2.29 من سكان المدينة.

يشن الناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي بين الفينة والأخرى حملات إلكترونية تندد بالوضع الإجرامي الذي صارت فاس تحت رحمته

ويشن الناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي بين الفينة والأخرى حملات إلكترونية، تندد بالوضع الإجرامي الذي صارت فاس تحت رحمته، مطالبين الداخلية بالقيام بمهامها وتأمين حياة المواطنين بالمدينة، الذين ما عادوا قادرين على التجوال بحرية وأمان، خاصة النساء منهم.

 

 

 

 

 

كيف تحولت فاس من عاصمة العلم إلى عاصمة الإجرام؟

بعدما كانت منارة للثقافة العتيقة، تجذب طلبة العلم والفقهاء من كل الأنحاء، أصبحت فاس مكانًا يثير الخوف في نفوس زائريها وسكانها، من شدة تفشي الجريمة بها، فما السبب في هذا التحول العكسي؟ الجواب يكمن على الأغلب في العامل الديموغرافي والتاريخي.

كانت فاس تاريخيًا عاصمة للأدارسة، ومن ثمّ حظيت بالثقل السياسي والاقتصادي من طرف السلطة التقليدية، جعلها تنتعش على مستوى التجارة والثقافة وكثر عمرانها، مما خلق في الأخير طبقة بورجوازية تستقر بالمدينة، لها نفوذها الاقتصادي والسياسي في الحكم، خاصة وأن المدينة كانت تحتضن كبار الشيوخ والفقهاء، الذين يضمنون البيعة لملوك المغرب المتواترين.

بعد قدوم الاستعمار، تحولت العاصمة إلى مدينة الرباط، وأدخل المستعمر الفرنسي المدارس العصرية، حيث ظهرت الفجوة الضخمة على المستوى الثقافي التي تفصل المدارس العتيقة مع التعليم الحديث، وهو ما دفع نخبة الأعيان والسياسة بالمغرب إلى توجيه أبنائهم نحو مدارس المستعمر، ليتوقف منذ ذلك الحين الدور التنويري لفاس.

كانت فاس مركزًا للأعيان والفقهاء والمقربين من الحكم، كما يشير جون واتربوري في كتابه أمير المؤمنين والنخبة السياسية المغربية، ثم تسللت هذه النخبة الفاسية إلى دواليب الدولة الحديثة، ولذلك نجد معظم عائلات المال ومعظم رؤساء حكومات وأحزاب المغرب ينحدرون من مدينة فاس، لكن أهلها من البورجوازيين وأعيان السياسة سرعان ما هجروا المدينة بسنوات بعد الاستقلال نحو المدن المركزية الحديثة بالرباط والدار البيضاء وطنجة.

مقابل ذلك، كانت الأغلبية الساحقة من المجتمع المغربي تعيش في القرى والأرياف حياة غارقة في البدائية والعنف، تتحكم فيها القبيلة والأعراف التقليدية ويقتاتون على فلاحتهم البسيطة، في انفصال تام عما يجري في المدن من تطور اقتصادي وسياسي وثقافي، وخلال فترة الاستعمار حافظت فرنسا على هذا النمط المجالي بين القرى والمدن.

ولم يتغير الأمر كثيرًا بعد الاستقلال، حيث ظلت أغلبية سكان المغرب بالقرى يعيشون بدون ماء ولا كهرباء ولا مدارس ولا مستشفيات حتى بدايات التسعينات، في حين كانت النخب السياسية الحاكمة في المغرب تتصارع حول السلطة، وتتسابق من أجل المناصب والثروات وتحرص على تعليم أبنائها في المدارس الحديثة.

ومع دخول الثمانينات والتسعينات، بدأت الهجرة القروية في المغرب تنطلق من الأرياف نحو المدن الكبرى، بينها فاس، ومن ثمّة امتلأت المدينة بساكنة القرى البسطاء المحملين بثقافتهم القبلية، نتيجة عدم تحديث السلطة لتلك المناطق وحرمانهم من التعليم والموارد الاقتصادية، ليستقروا في أحزمة سكنية بهوامش المدينة، شكلت فيما بعد مرتعًا للفقر والجريمة الجهل، بسبب فشل الدولة في تكوينهم، وترعرع داخل هذا الوسط جيل كامل من الأطفال والمراهقين.

ما أنتج في الأخير بالمدينة، مجتمعًا مصغرًا مشبعًا بثقافة العنف والسرقة وضحالة الوعي، لتصبح في نهاية المطاف "فاس العلمية" سابقًا غارقة بين فكي الجريمة.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

المغرب "العميق".. والرحلة الأصعب نحو المعرفة

نساء "المغرب العميق"