فاس تحت الركام: كيف اغتال الفساد أحلام البسطاء في "الحق في السكن"؟
15 ديسمبر 2025
في ليلة كان يُفترض أن تكون موعدًا للاحتفاء بالحياة، تحوّلت "الحياة" نفسها إلى تهمة، والسكن الآمن إلى قبر جماعي مفتوح ابتلع أحلام أسرٍ بأكملها. لم تكن فاجعة انهيار بنايتي حيّ "المسيرة" بمقاطعة بنسودة في فاس، ليلة الثلاثاء 9 كانون الأول/ديسمبر 2025، مجرّد حادث عرضي فرضه القضاء والقدر؛ بل كانت مشهدًا مدوّيًا يسائل منظومة القيم العمرانية، وتدبير السياسات المحلية، أمام اختبار "الحق في الأمان".
ليلة "الثلاثاء الأسود"
في تمام الساعة الحادية عشرة وعشرين دقيقة ليلًا، وحين كان حيّ "المسيرة" يغفو على إيقاعاته المعتادة، مزّق سكون الليل صوت ارتطام مروّع يشبه الزلزال. في ثوانٍ معدودة، تحوّلت بنايتان سكنيتان متجاورتان، تتكوّن كلٌّ منهما من أربعة طوابق، إلى كومة هائلة من الغبار والحديد الملتوي والأجساد الممزّقة.
كان المشهد سرياليًا وموغلًا في القسوة؛ فالبناية الأولى كانت فارغة من السكان، لكن سقوطها سحب معه البناية الملاصقة التي كانت تضجّ بالحياة والحركة. والمفارقة المؤلمة التي تُدمي القلوب أنّ البناية المأهولة كانت تحتضن في تلك اللحظة حفلًا عائليًا (عقيقة) لاستقبال مولودة جديدة لم تكمل شهرها الأول بعد.
وتشير المعطيات الرسمية إلى حصيلة ثقيلة ومفجعة: 22 قتيلًا، بينهم 8 أطفال، إضافة إلى الرضيعة المحتفى بها التي وأدها الإسمنت قبل أن تحفظ ملامح والديها. وإلى جانبهم، 16 مصابًا يحملون جروحًا في الأجساد وندوبًا أبدية في الذاكرة، نُقلوا على وجه السرعة إلى المركز الاستشفائي الجامعي بفاس لتلقي العلاجات الضرورية.
لم يتأخر المجلس الوطني لحقوق الإنسان في وضع الإصبع على الجرح، معتبرًا في بلاغ شديد اللهجة أن ما حدث ليس "حادثًا معزولًا، بل مساسًا مباشرًا بمقتضيات الحق في السكن اللائق"
وعاينت السلطات المحلية، وعلى رأسها والي جهة فاس–مكناس خالد أيت الطالب، المكان، معلنةً حالة استنفار قصوى. ورغم الجهود الجبّارة التي بذلتها عناصر الوقاية المدنية، بمساعدة الساكنة، لانتشال الضحايا وتأمين المحيط عبر إخلاء المنازل المجاورة كإجراء احترازي، فإن هول الصدمة كان أكبر من أي تدخّل، خاصة مع استمرار عمليات البحث لساعات طويلة تحت ركام يحجب تحته قصصًا إنسانية لم تكتمل.
"الحق في الحياة".. هل الدولة شريكة فيما حدث؟
لم يتأخر المجلس الوطني لحقوق الإنسان في وضع الإصبع على الجرح، معتبرًا في بلاغ شديد اللهجة صدر يوم الخميس 11 كانون الأول/ديسمبر 2025 أن ما حدث ليس "حادثًا معزولًا، بل مساسًا مباشرًا بمقتضيات الحق في السكن اللائق". ودعا إلى نشر نتائج التحقيق القضائي وترتيب الجزاءات "تكريسًا لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة".
ويحلّل الحقوقيون هذا الموقف انطلاقًا من المرجعية الدولية (المادة 11 من العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية) والدستورية (الفصلان 31 و34). فالسكن اللائق، وفق تعليق لجنة الأمم المتحدة، لا يقتصر على توفير "سقف"، بل يشمل "السلامة الإنشائية" والحماية من المخاطر. ومن هذا المنطلق، تبدأ التساؤلات عن مسؤولية الدولة، أخلاقيًا وقانونيًا، عن أي تقصير في المراقبة يؤدي إلى إزهاق الأرواح.
القانون موجود والتفعيل مفقود
لفهم لماذا تستمر البنايات في السقوط رغم وجود القوانين، توجّهت "الترا صوت" إلى الدكتور محمد السباعي، الخبير في حقوق الإنسان والباحث بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، الذي فكّك في تصريحه للموقع معضلة "النص والتطبيق"، مشيرًا إلى أن انهيار منازل حي المستقبل أعاد طرح سؤال الجدوى من المنظومة القانونية برمّتها.
يقول السباعي في حديثه لـ"الترا صوت": "إننا نعيش مفارقة صارخة؛ فالمغرب يمتلك ترسانة قانونية متطورة، وعلى رأسها القانون رقم 94.12 المتعلق بالمباني الآيلة للسقوط. هذا القانون وضع مساطر دقيقة وواضحة للتدخل الوقائي، تبدأ من الرصد وتنتهي بالهدم أو الترميم. إذن، المشكلة ليست في غياب النص التشريعي، بل في غياب التفعيل، وفي الاعتماد على التدخل المتأخر عوض الاستباقي".
وفي تفصيله لهذه المسطرة، يوضح الخبير الحقوقي أن "العملية تنطلق بخطوة بسيطة لكنها حاسمة، تتمثل في التبليغ عن مؤشرات الخطر الأولية، كالتشققات أو ميلان الجدران، مرورًا بالخبرة التقنية التي تستوجب تعيين مهندس مختص لإعداد تقرير مفصل يصنّف درجة الخطورة ويحدد طبيعة التدخل اللازم، سواء كان ترميمًا أو تدعيمًا أو هدمًا؛ وصولًا إلى مرحلة القرار الإداري، حيث تتولى لجنة مختصة رفع التوصيات، بينما يمتلك رئيس المجلس الجماعي صلاحيات قانونية واسعة تخوّله إصدار قرارات فورية، تصل حد الإخلاء الجبري، كإجراء استعجالي لحماية الأرواح".
ويستدرك السباعي في تصريحه لـ"الترا صوت" قائلًا: "إن العنصر الجوهري في هذه المنظومة يبقى هو زمن التدخل. التجربة الميدانية في فاس وغيرها أثبتت أن الخطر لا يكمن في القانون، بل في التأخر القاتل في تطبيقه. التدخل يأتي غالبًا بعد وقوع الكارثة، وهو ما لا يعيد الأرواح ولا يمنع تكرار المأساة".
ويضيف السباعي نقطة جوهرية تتعلق بالجانب الاجتماعي، الذي غالبًا ما يتم تغييبُه: "لا معنى لإصدار قرارات بالإخلاء دون ضمان سكن مؤقت للعائلات المتضررة، كما ينص القانون صراحة. المواطن يجد نفسه بين خيارين أحلاهما مرّ: إما الموت تحت سقف بيته، أو التشرد في العراء. ولتفادي تكرار ما حدث، تحتاج المدينة إلى رؤية وقائية، ونظام إشعار مبكر، والأهم من ذلك الجرأة في اتخاذ القرار قبل لحظة الانهيار. فالسكن الآمن حق دستوري، والمساطر ليست مجرد وثائق، بل أدوات لحماية الأرواح".
الفساد الانتخابي يبني قبور المواطنين
وإذا كانت المقاربة القانونية والتقنية قد ركّزت على مكامن الخلل في النصوص والمساطر، فإن التحليل السياسي ينقل النقاش إلى مستوى آخر يلامس "المربع السياسي" للأزمة، مفككًا جذورها المرتبطة بنيويًا بطبيعة التدبير المحلي، ومسلّطًا الضوء على فرضية الفساد السياسي بوصفه عاملًا رئيسيًا في تكرار هذه المآسي.
وإذا كان الدكتور محمد السباعي قد تناول المسألة من زاويتها القانونية والتقنية، فإن الدكتور عبد العلي حامي الدين، أستاذ العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط، ينقل النقاش عبر موقع "الترا صوت" إلى الحقل السياسي، مفككًا جذور الأزمة المرتبطة بطبيعة التدبير المحلي وتقاطعاته مع الفساد السياسي.
ويصف الدكتور عبد العلي حامي الدين الفاجعة بأنها "مأساة لا ينبغي أن تمر دون مساءلة"، مؤكدًا: "إننا أمام جريمة مشتركة؛ فالاستهتار بقوانين البناء، سواء من طرف من قاموا بالبناء أو من أُوكلت إليهم مهمة المراقبة، هو وجه واحد لعملة الفساد التي يدفع الأبرياء ثمنها من أرواحهم. لا بد من ترتيب الجزاءات وضمان ألا يتكرر هذا المشهد المفجع".
ويضيف حامي الدين، من منظور سوسيو-سياسي، مشيرًا إلى التحول الخطير في العمران المغربي: "لقد انتقلنا من إشكالية دور الصفيح إلى معضلة البناء العشوائي العمودي. هذا الانتقال لم يحدث في غفلة من السلطة، بل كان موضوع نقاش دائم داخل المؤسسات".
كما يلفت أستاذ العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس الانتباه إلى إشكالية تداخل التدبير العمراني مع الحسابات الانتخابية، مشيرًا إلى أن التغاضي عن مخالفات البناء من قبل بعض الجهات المحلية والمنتخبة قد لا يكون معزولًا عن سياقات سياسية محددة. ويقول في هذا الصدد: "كثيرًا ما وُجّهت أصابع الاتهام إلى السلطات المحلية والمنتخبين بغضّ الطرف عن التجاوزات التي تحصل في البناء. لماذا؟ لأغراض سياسية وانتخابية تحوم حولها شبهات فساد. السماح بإضافة طوابق غير قانونية، أو البناء دون تصاميم متينة، يتحول في مواسم الانتخابات إلى (عملة) لشراء الولاءات والأصوات، والنتيجة الحتمية هي سقوط المزيد من الضحايا في الأرواح والممتلكات".
ووفقًا لهذا الطرح، فإن التساهل مع خروقات البناء قد يُوظَّف أحيانًا لتعزيز القواعد الانتخابية وكسب الولاءات، وهو ما يساهم في استمرار ممارسات تهدد، في نهاية المطاف، سلامة المواطنين وممتلكاتهم.
ويختم حامي الدين تصريحه لـ"الترا صوت" بالتشديد على أن "تأمين محيط الحادث وإجلاء السكان إجراء استعجالي وضروري، لكن الأهم هو معالجة أصل الداء، المتمثل في الفساد الذي يتغذى على فوضى التعمير".
بينما تلملم فاس جراحها، لم يعد الحديث عن ممارسات الفساد العمراني مجرد تساؤلات معلقة فوق الركام، بل أصبح حاجة ملحة لإحداث "قطيعة" حقيقية مع هذا الواقع الذي يهدد الجميع
هيئة النزاهة تراقب وشبهات الفساد تلاحق
وتأكيدًا لما ذهب إليه الدكتور حامي الدين، لا يمكن فصل سقوط البنايات عن سقوط "النزاهة". وفي هذا السياق، رصدت "الترا صوت" تدخل الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها ببيان حذر ولكنه دال. فقد أكدت الهيئة، في بلاغها الصادر الخميس 11 كانون الأول/ديسمبر، أنها تتابع باهتمام بالغ المعطيات المتداولة حول "احتمال وجود إخلالات أو شبهات فساد مرتبطة بالواقعة". ورغم أنها علّقت تدخلها المباشر احترامًا للتحقيق القضائي الذي أمر به وكيل الملك، إلا أن مجرد إشارة مؤسسة دستورية إلى "شبهات فساد" يعزز الفرضية القائلة بأن الانهيار ليس "تقنيًا" فقط، بل "إداريًا" أيضًا.
وهنا، جدير بالإشارة بأن النيابة العامة بفاس فتحت بحثًا وتحقيقًا معمقًا لتحديد المسؤوليات، وهو البحث الذي يُنتظر أن يجيب عن الأسئلة الحارقة التي يطرحها الرأي العام، مثل: من رخص لهذه البنايات؟ وهل كانت هناك رخص أصلاً؟ وهل وُجدت تقارير سابقة تحذر من الانهيار تم تجاهلها أو إخفاؤها؟ وهل خضعت البنايات لتعديلات عشوائية (تعلية، إزالة أعمدة) بتواطؤ أو صمت من السلطات المحلية؟
هل تكون دماء حي "المسيرة" ثمنًا للإصلاح؟
إن فاجعة فاس، كما تظهر لنا، ليست مجرد رقم يُضاف إلى إحصائيات الحوادث، بل هي جرس إنذار صاخب يدق في أروقة الإدارات والجماعات الترابية. إن دماء الضحايا الـ22، وصراخ الرضيعة التي قضت تحت الأنقاض قبل أن يُعلن اسمها، تضع الدولة والمجتمع أمام مرآة الحقيقة: الأمن العمراني هو الوجه الآخر للأمن الإنساني.
بينما تلملم فاس جراحها، لم يعد الحديث عن ممارسات الفساد العمراني مجرد تساؤلات معلقة فوق الركام، بل أصبح حاجة ملحة لإحداث "قطيعة" حقيقية مع هذا الواقع الذي يهدد الجميع.
وفي هذا السياق، يختم الدكتور محمد السباعي بضرورة وضع النقاط على الحروف، مؤكدًا أن "الكوارث العمرانية ليست قدرًا محتومًا؛ فالقانون واضح، والمساطر مفصلة، والأدوات متوفرة، وما ينقص هو التفعيل الجدي واليقظة والتواصل مع السكان".
ويخلص السباعي إلى أن ما جرى في حي "المسيرة "يجب "ألا يمرّ كخبر عابر، بل كمنعطف تفرضه أرواح المواطنين، كي لا تتكرر المأساة في أي حي آخر من أحياء فاس أو مدن المغرب".







