فاس.. المدينة في يوم

فاس.. المدينة في يوم

مدابغ مدينة فاس

تُرجم النص الآتي عن كتاب "فاس" للكاتب الألماني شتيفان فايدنر، وهو كتاب في أدب رحلة يروي تفاصيل يوم واحد في مدينة فاس، صحيح أن يومًا لا يكفي لمعرفة المدينة طبعًا، لكن صحبة دليل من نوع خاص تحوّل التجوال إلى ضرب من الكشف الصوفي.


في الرباط التقى راء بكريمة، سألته عن نسيب، كيف يقيّمه، ومنذ متى يعرفه، نسي أن يقول إن نسيبًا في رأيه مثال المثقف بكل ما في الكلمة من تحيّز وإعجاب، دون أي مسحة من سخرية تلصق اليوم بثقافة المثقف. كان قد اكتشف منذ اللحظة الأولى أن نسيبًا مثل أعلى للمثقف، والمثالي في ثقافة نسيب، بصرف النظر عن معارفه ودأبه وجهاده في سبيل ما يؤمن به، المثالي فيه هو جدّيته المفرطة، جديةٌ تتّسم بروح عالية من المرح، لا تفوته الحياة والخفّة، وما يميّزه حقًا، أنه وخلال عشرات اللقاءات التي جرت بينهما منذ التسعينيات، بدءًا بالقاهرة ومرورًا بباريس، كولونيا، صنعاء، الدار البيضاء، والآن الرباط، رقص واحتفل أكثر من أي إنسان آخر عرفه بالصدفة.

 السبب الحقيقي هو ضرورة التخلّي عن كل ما عدا القصيدة والالتفات إلى طوية الباطن

أما ما يجعل جدّيته القائمة حتمًا على إصراره الوجداني على قضيته ودفاعه المستميت عنها مثالية وفريدة في عين راء، فهو سلوكه المتمايز عن مثقفي وسط أوروبا كما عرفهم في العقود الأخيرة. في جديته، وليس في توجهه السياسي، تكمن صلة قرباه بالمثقف الأوروبي خلال الحربين وبعد العالمية الثانية. لم يعرف هؤلاء أي صبيانية أو شعبوية، سواء كانت حقيقية أم خدّاعة، ينبذون ثقل الدم والتعالي والتملّق الذي بات موضة.

اقرأ/ي أيضًا: فاس.. حاضرة التصوف الإسلامي

لتقسيم الأذهان إلى مستويات، علينا أن نضعها أمام خيار الذهاب إلى حفلة بوب أو أمسية شعرية، إلى مباراة لكرة القدم أو زيارة مدرسة قرآن، قراءة مجلة مصورة هزلية أو كتاب، الالتزام بجمعية أو قضية. سيّان ما اختاره المثقف الأوروبي المتنعم بالرفاهية، فإنه سيفكر جادًا في الخيار الثاني أيضًا، سيجده احتمالًا ممكنًا، بل ربما خيارًا مساويًا للأول. وسيقول عندما يقرأ هذا الكتاب، في أنصاف جمل على غرار: لم لا، ما المانع، ألا يحق لنا أن... أو سيقول إن الخيارات ليست مستبعدة تمامًا، يجب ألا نكون إقصائيين، بل ربما يمكن توحيد الرغبتين، وهذا تمامًا ما يميّز نسيب عن الشاعر والمثقف العادي في وسط أوروبا. هذا إذا صرفنا النظر عن أن الأوروبي يظنّ نفسه تقدميًا ومنفتحًا، بل سيكون فخورًا بأنه ليس ذلك المثقف المتخشب إنما ذو قلب وعواطف، لا يحتقر حتى كرة القدم، ولا التوك شو، ولا أفلام البورنو ولا موسيقى البوب.


باب القصر الملكي في فاس

تظهر شابة جميلة لتخلص راء من شطَح أفكاره. روعة الجمال ومطلع الشباب، تكاد تكون صبية، إلا أنها أكبر قليلًا. يتساءل: ما الذي تفعله هذه الفتاة النضرة بين الكتب. شعرٌ أكحل لمّاعٌ، مجدّلٌ في ضفيرة قصيرة قوية. لا شك أنها مغربية، فبشرتها داكنة على فرنسية، وجهٌ ريفيّ وتحررٌ بادٍ كالذي عاينه في شابات الأمتار القليلة بين الفندق والمكتبة، الأكثر جرأة من بنات الرباط، يقدن الدراجات النارية بشعر يلوح وتنانير قصيرة، يتمشّين حاملات حقائب يد أو يُهاتفن أحدًا ما متظاهرات بالتركيز، وحين يحدّق فيهن يرددن النظر من فورهن، نظرات سافرة لا ورع فيها ولا جزع، حيث لا يجرؤ على النظر طويلا وإلا ارتبك وتورّط.

أما هذه فقد نتفت حاجبيها في خطّين رفيعين، زيّنت جفنيها باللون الزهري والأزرق وأبرزت عظام وجنتيها بظلّ أحمر رقيق. خمّنها بين التاسعة عشرة والثانية والعشرين. بنطال جينز ضيّق قصير يُبرز الساق حتى جذرها. قد دسّت النظارة الشمسية في شعرها محاكية موضة الموسم الفائت في العالم الأول، كنموذج عالمي لتأخر الموضة عن البلدان الناشئة. حقيبة اليد (زهرية!)، لا تزال دارجة هنا، لكنها هبطت إلى أوساط البروليتاريا في أوروبا، تضعها تحت الإبط الأيسر لترفع ثدييها الصغيرين.

يقرر راء أن يستسلم لقيادها. تتمختر بين طاولات الكتب، كأنها بين أحواض زهور، دون أن يبدو عليها أنها تبحث عن كتاب معين. ربما تقتل الوقت حتى يحين موعدها وربما تبحث عن هدية لصديقة. تقف عند طاولة الشعر الحديث. إن أراد التحدث معها فالفرصة سانحة، يعرف الكثير عن الشعراء. لكن ما الذي يبغيه منها؟ تتناول إحدى مجموعات نزار قباني الصغيرة. يتذكر راء الأبيات التي ترجمها ذات مرة:

في مدخل الحمراء كان لقاؤنا

ما أطيب اللقيا بلا ميعادِ

 

عينان سوداوان في حجريهما

تتوالد الأبعاد من الأبعادِ

 

هل أنت إسبانية؟ ساءلتها

قالت: وفي غرناطة ميلادي

 

غرناطة!! وصحت قرون سبعة

في تينك العينين... بعد رقادِ

 

وأمية راياتها مرفوعة

وجيادها موصولة بجيادِ

 

ومشيت مثل الطفل خلف دليلتي

وورائي التاريخ ... كوم رمادِ

 

كم يسهل عليه الانجرار في الحديث عن هذا الشاعر، عن الحب في القصيدة والحب عمومًا. مجرد احتمال قدرته على مبادأتها الكلام الآن والدخول في حديث حميم بفضل نزار قباني يضعه تحت الإكراه. نعم، له أن يحادثها، لكن هل عليه؟ ما الذي يبغيه منها إن ردّت عليه؟ وبينما هو ينازع وضعت الكتاب جانبًا وتابعت جولتها. بجوار قباني كتب شعراء الحداثة العربية، بينهم المغاربة، والجميلة لا تأبه بهم، بينما يفرح راء باكتشاف بعض الأصدقاء والمعارف من الرباط، بينهم نسيب وشاعران شابان آخران.

لمَ لمْ تبدأ الحداثة في الشعر العربي مع القرآن، وهو العمل الإبداعي، بل مع الشعراء الأوروبيين؟

كي لا يلفت الأنظار يتناول الجزء الأول من المؤلفات الكاملة لنسيب ويقرأ منه: "القصيدة وطن. القصيدة وحدها. الكتابة وطني". أثناء هذا يراقب الشابة ليعرف اهتماماتها. "من القصيدة إلى الصمت. المعرفة ليلة لا صباح لها"، يقول ابن عربي. "حضور الليل هو حضور المعرفة، معرفة الحياة في القصيدة". لا يتمكن حيث يقف من معرفة ما تحمله في يدها. بينهما شعراء الجاهلية في مجلدّات مختلفة، كثيرها برونق جديد مجلّدة بألوان زاهية، عليها رسوم مقلدة لمنمنمات قديمة. يتابع قراءة نسيب: "كيف بدأت الكتابة؟ الأبيض الممتد على أسطح فاس، نوافير الدور والمساجد. صمت الزنقات، الخوف، النور والظلمة اللذان تعمّقا أكثر مع الزمن. كل هذا لا يكفي للكتابة. السبب الحقيقي هو ضرورة التخلّي عن كل ما عدا القصيدة والالتفات إلى طوية الباطن. فيها نشأت حياتي في القصيدة". أغلفةٌ جذابةٌ فعلًا، خلابة. وهذا سبب كاف للاقتراب منها، بحجّة تفحّص التصاميم الجديدة لمطبوعات لبنان، بينما ينظر إليها من طرف عينه لمعرفة ما تقرأ. كل هذا لعبة، دراسة سوسيولوجية ولهوٌ مثير. يتابع نسيب: "لقد قرأت آنذاك كتبًا مدّت جسورًا بيني وبين اللغة الشعرية، بودلير، رامبو، مالارميه من الأوروبيين، ومن العرب أبا تمام. وعليه، وبعد أن قضيت صيف 1968 في باريس تعرّفت على دو سوسير وموريس بلانشو. لم أجرؤ دائمًا على قول ما أفكر به. طرأت عليّ أسئلة لم تعد تبارحني. لمَ لم تبدأ الحداثة في الشعر العربي مع القرآن، وهو العمل الإبداعي، بل مع الشعراء الأوروبيين؟ عملت على دراسة تركيب آيات القرآن. أردت اكتشاف سر اللغة". إنه أكثر من مجرد لهو، إنه في الواقع إرشاد حقيقي في المكتبة المجهولة. بسرعة رمى الأعمال الكاملة لنسيب بين باقي شعراء المغرب وسار تجاهها.

اقرأ/ي أيضًا: فاس.. سيكولوجيا المعمار وطبائع التطرف

لم يستغرب توقفها عند نزار قباني وقصائد الحب، فهذا عهده بفتيات العالم العربي، مهما علت درجة ثقافتهن. لكن تصفّح "إحياء علوم الدين" للإمام الغزالي بأظافر مطلية باللون الليلكي ظاهرة تثير الإعجاب. قال لنفسه إنه لن يراها في بلاده أبدًا. وإن كانت الشابة هنا لقضاء الوقت، فهي تقرأ بعينين مطليتين بألوان فاقعة، تلمس بأصابع بالغة النعومة، كتاب العالم المتوفي سنة 1111 في إيران.

ألم يحرق أسلافها المرابطون، بربر الجنوب ومؤسسي مراكش، قبل تسعمئة سنة كتب الغزالي في قرطبة التي احتلوها قبل عدة سنوات وأنقذوها من أيدي المسيحيين؟ ها هو الآن، بين يديها عمل مطبوع لن يستطيع أي ظلاميّ أن يفنيه بعد الآن. نعم، لقد أُحرقت كتب الغزالي مع أنه لم يكن يومًا زنديقًا، بل وحتى استساغ في فتواه الثورة الأصولية للمرابطين من الجهة الأخرى، الشرقية من العالم العربي، ولم يغنه الأمر شيئًا. أراد المساهمة في إحياء روح الإسلام، لكن العلماء المؤمنين بالنص، الذين اعتمد عليهم المرابطون، لم يجدوا في لوثر الإسلام، الداعي إلى إعمال العقل، سوى خطر عليهم (أجاب نسيب على ملاحظة هامركول وادّعائه الواثق بعدم وجود شخص مثل لوثر في الإسلام بالقول: "من قال إن الإسلام يفتقر شخصًا مثل لوثر! كان الغزالي مثله تمامًا، بفارق أن الإسلام لم يكن مستعدًا للانشقاق كما المسيحية"). نفر الذين وضعوا أنفسهم في خدمة المرابطين وفسّروا الشريعة تفسيرًا حرفيًا من العلوم الباطنية. أضاف نسيب: من سوء حظ الإسلام دائمًا أن يكون دين تشريع، لا خصم دنيوي له، بحيث غدًا أي تجديد في الحياة الدينية خطرًا على الدولة والقانون يجب قمعه بكل قسوة.


باب بوجلود

وتلك المرأة! يا للحظ، لقد قادته إلى زاوية كتب الصوفية. كان ليكتشفها أيضًا، لكن دون هذا الكمّ من الإثارة والجمال. إلا أن ثمن اكتشاف المرأة غال جدًا، كأنّما تومئ له أنه أزعجها بسلوكه. ترفع ناظريها وتحدّق في عينيه بجرأة. ماذا تريد؟ هل من شيء ما؟ إذن قله أو دعني بسلام. هذا ما قرأه في نظرتها. أم أن نظرتها مجرد فضول؟ من أنت؟ هل تلاحقني؟ هل تريد أن تكلمني؟ إذن افعلها يا رجل، فربّما يهمني الأمر أيضًا.

من قال إن الإسلام يفتقر شخصًا مثل لوثر! كان الغزالي مثله تمامًا، بفارق أن الإسلام لم يكن مستعدًا للانشقاق كما المسيحية

ثم التفتت من فورها، أعادت الغزالي وأخذت كتابًا آخر لم يستطع التعرف عليه عن بعد. عادة مصممي الكتب العرب في كتابة العناوين وأسماء المؤلفين بخطوط متداخلة لا يمكن فكها بسهولة، تحيل قراءتها من بعيد عملًا معقدًا. ومن جديد لا يدري ما يجب فعله، أيظل واقفًا أم لا، أيتجاسر على التكلم معها بكل بساطة أم لا. ينظر إليها فيراها تقرأ صفحة في الكتاب، تطوي زاوية الصفحة، وفجأة تدير رأسها نحوه، تحدّق في عينيه، تضع الكتاب من يديها وتمضي بخطوات سريعة إلى ممرّ مجلات المرأة الفرنسية. طبعًا لا يستطيع اللحاق بها. يسير إلى حيث وقفت للتو ويشمّ نسمة متبقية من عطرها (أحد الزيوت المغربية، لا يخلو من الإثارة، مزيج من البرتقال والورد) ويراقبها بجرأة شديدة عبر طاولات المجلات حتى تأخذ بيدها مجلة محلية. لا تأبه به.

اقرأ/ي أيضًا: فاس.. تعاليم في شجن التجوال

هذا أيضًا حسن. يرفع الكتاب الذي كان في يدها، لا يصبر على فكّ حروف العنوان المتداخلة، يبحث عن الصفحة التي طوت، الصفحة 43. يجد ستة أبيات فقط أما الباقي فهوامش وتفاسير وتعليقات، وهذا معتاد في كتب الشعر القديم. صفحة المعلقات مثلا قد تحوي بيتًا واحدًا. هذا كتاب مختلف. يحاول قراءة الحروف مترجما الكلمات لنفسه:

لقد صار قلبي قابلا كل صورة

فمرعى لغزلان ودير لرهبانِ

 

وبيت لأوثان وكعبة طائف

وألواح توراة ومصحف قرآنِ

 

أدين بدين الحب أنّى توجهت ركائبه

فالحب ديني وإيماني.

 

عند فك الأبيات تنقطع أنفاسه. يلتفت حوله، لا يجد الحسناء. لا أثر لها في المكتبة. لقد تبخّرت آلام رأسه. يغلق الكتاب، لم يعد بحاجة لقراءة العنوان، فهذه الأبيات شائعة في أرجاء العالم العربي، إنها من "ترجمان الأشواق" للرجل الذي أراد إحياء الدين، محي الدين ابن عربي.

أما خارطة المدينة التي أراد شراءها، فقد نسيها كليًّا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

5 أعمال من المكتبة الروائية الأندلسية

المغرب.. وداعًا للمألوف الثقافي