فارس في المشهد الأخير من فيلمه الوثائقي

فارس في المشهد الأخير من فيلمه الوثائقي

الطفل السوري فارس، بائع الورد في شارع الحمراء البيروتي

1

مرة كنا نمشي أنا وفارس في الحمراء، كانت الساعة الثانية عشرة ليلًا، وكنا قد انتهينا من بيع الورود، حينها قلت له ممازحًا، لن أصرف عليك سوى 4 آلاف ليرة لبنانية ولديك خياران، إما أن نذهب إلى المطعم ونأكل بهذا المبلغ، وإما أن نستقل تاكسي إلى البيت. عندها أجابني بثقة وكأنه وجد حلًا مناسبًا: نتصل بالمطعم ونخبره بأننا نريد سندويتشين إلى منطقة كركاس (حيث نسكن) وعندما يتحرك سائق الدراجة النارية ليوصل الطلبية، نركب معه ونصل إلى البيت.

2

وفي مرة أخرى كنا نمشي بالقرب من أحد مقاهي الحمراء، كدنا نقطع الطريق وإذا بأحدهم قطع طريقنا بدراجته النارية ووقف أمامنا مباشرة ثم قال لفارس بلهفة: قل لي أين تريد لأوصلك، عندها أجابه فارس دون تفكير: خذني إلى الجنة.

أكملنا طريقنا وظل ذلك الشاب واقفًا للحظات دون أن يقول شيئًا.

3

كان فارس يحب الرقص كثيرًا، وقد تعلم بعض الحركات وهو يجول بين الحانات ليلًا من أولائك السكارى الذين يحبونه جميعهم، وفي يوم ونحن في طريقنا إلى البيت، سألني: هل رقص "الدانس" حرام؟ قلت له: نعم. سكتَ قليلًا ثم رد عليّ ممتعضًا من إجابتي: سأتابع الرقص وحين أصير مثل مايكل جاكسون وأمتلك مالًا كثيرًا سأبني مسجدًا.

4

مع أنه كان يصغرني بثماني سنوات، كان يغار مني، رغم أنه كان أجمل مني، وأنقى بكثير، إلا أنها الفطرة، الصغار يغارون بطبيعة الحال، وفي يوم تحدثت إلى فتاة اسمها: كاتيا الطويل، تهتم بالثقافة، لكي أشارك في أمسية شعرية مع عدة شباب وبنات ممن هم مثلي في بداية الحلم، مرت الأيام بسرعة وجاء موعد الأمسية في مبنى الـ"altcity" في شارع الحمراء، صعدنا أنا وفارس وكان معنا صديقنا المشترك الشاعر أدهم الدمشقي، بدأت الأمسية وكان دوري في القراءة بعد الشخص الثاني، كنت شاردًا أستمع إلى ذلك الشاب وهو يقرأ الشعر، ولكنني تفاجأت بفارس وهو يهمس لي في أذني بثقة عالية: سأقرأ الشعر. 

نظرت إليه مصدومًا ثم قلت له: إن لم تجلس بصمت سأحطم رأسك عندما نخرج. انزعج مني كثيرًا وابتعد عني، وسرعان ما عدت إلى الشرود مرة أخرى ونسيت الأمر، لنتفاجأ أنا وأدهم بفارس وهو يعتلي الخشبة برفقة كاتيا الطويل منظمة الأمسية، وإذا بها تقول عبر المايكروفون: سنستمع الآن إلى فارس. في تلك اللحظة أدهم كان يضحك بقوة، أما أنا فلم أكن أدري هل أضحك أم أبكي. عندها نظر إليَّ وبدأ يرفع حاجبيه "أي أنني فعلتها" (كانت لحظة لا تنسى)، وكنا كلما تذكرناها أنا وأدهم نضحك بشكل هيستيري، ذلك طبعًا قبل رحيله، لأننا في المرة الأخيرة تذكرناه من خلال أحد الأطفال في برنامج "the voic kids"، إذ وصلتني رسالة من أدهم مرفقة بفيديو لذلك الطفل الذي يرفع حاجبيه بطريقة تشبه طريقة فارس، بكيت حينها، وهو يحدثني عبر موقع فيسبوك وواثق بأنه كان يبكي.

5

منذ حوالي سنتين تقريبًا جاء مخرج أمريكي إلى لبنان اسمه "Noel Paul"، كان قد أتى لكي يصور دعاية لشركة الـ"coca cola"، وبالصدفة تعرف إلى فارس في الحمراء، وقرر أن يصور فيلمًا وثائقيًا عن حياته اليومية في الشارع، كنت أنا معهم في الفيلم بناءً على طلب المخرج، وكانت ترافقه فتاة مترجمة، اسمها ليان الغصن، بقينا حوالي ثلاثة أشهر نلتقي مرة في الأسبوع للتصوير، وفي يوم من الأيام قرر فارس كعادته قرارًا مفاجئًا، أن يسافر إلى الحسكة مسقط رأسنا، المحافظة الواقعة شمال شرق سوريا، قرر أن يترك بيع الورود وأن يرجع إلى المدرسة، ولم نكن قد انتهينا من تصوير الفيلم، سأل عنه المخرج كثيرًا، وحزن كثيرًا لأنه ذهب قبل أن ننتهي من تصوير الفيلم، ولما قصفت الطائرة قريتنا ومات فارس، وصل الخبر إلى المخرج عن طريق الصحافة، أو عن طريق ليان، لا أدري بالضبط، وبعد فترة شهرين تقريبًا التقيت بالمخرج وليان في الحمراء، عندها قال لي المخرج جملة، قد تكون أجمل وأصدق ما قاله في حياته، قال (وهو يبكي طبعًا): لم أكن أريد أن ينتهي الفيلم بهذه الطريقة!

اقرأ/ي أيضًا:

يوم في حياة ثور

غياب