22-نوفمبر-2017

تعكس فاجعة الصويرة طبيعة أزمة النظام السياسي في المغرب (مواقع التواصل الاجتماعي)

ما إن تداولت وسائل الإعلام خبر فاجعة مصرع 15 امرأة في مدينة الصويرة بالمغرب، حتى اكتسح وسم #الصويرة موقع فيسبوك حاملًا معه تعاطف وحزن وغضب الآلاف من المغاربة، ليس على القضاء والقدر الذي ابتغى أن تكون وفاة هؤلاء الضحايا بتلك الطريقة المفجعة والمذلة لكرامة الإنسان، وإنما على مستوى الفقر الذي وصل في المغرب، في وقت يتم الدفع بالسيولة المالية في شكل استثمارات بعملة المغاربة الصعبة نحو القارة الأفريقية، بدل استثمار تلك الأموال في جميع الأقاليم بالبلاد.

تسببت فاجعة الصويرة في غضبٍ تجاه الدفع بثروة البلاد للاستثمار في القارة الأفريقية في حين يعيش المواطن المغربي فقرًا متزاديًا

الأحد الذي شهد الحادثة كان يومًا أسود على منطقة بولعلام بالصويرة، ووسط هول الصدمة كان الآلاف يتساءلون عن الجهة التي يفترض أنها المسؤولة عما حدث، وفيما وجهت السلطات الاتهام الأولي لرئيس الجمعية الخيرية القادمة من الدار البيضاء، والذي جرى إيقافه، لـ"عدم احترامه الشروط القانونية"؛ استغرب آخرون غياب قوانين تُنظم الإحسان والأعمال الخيرية في المغرب، بينما حمل آخرون الحكومة والدولة مسؤولية الوضع الاجتماعي الذي أوصل المواطن المغربي إلى درجة جعلت المغاربة يعيشون انحطاطًا معيشيًا، في ظل ارتفاع صاروخي للأسعار مقابل محدودية الدخل الفردي وتزايد أفواج المعطلين عن العمل.

اقرأ/ي أيضًا: فاجعة الصويرة.. الفقراء دائمًا الضحية

وفي الوقت الذي أمر فيه الملك، التكفل بجنائز القتلى وعلاجات المصابين في فاجعة الصويرة، كانت مواقع التواصل الاجتماعي تشتعل غضبًا، ليس فقط على الذين ماتوا، وإنما أيضًا على الوضع الاجتماعي للبلاد ككل، والذي تفرخت فيه جيوش من المتسولين والمشردين ومعدومي الدخل والذين لا يجدون قوت يومهم.

ما حدث في الصويرة لا يتعدى أن يكون صورةً مصغرة لما يعانيه الشعب المغربي في الريف والشمال وفي الوسط والجنوب والشرق، وحتى في الغرب السياحي الساحلي المليء بالمنتجعات، وفي جميع مناطقه، وفي وقت كانت قد أخرجت عبارة "اطحن أمه" المهينة، قبل أزيد من سنة، عشرات الأشخاص في مدينة الحسيمة التي شهدت مقتل الشاب السماك بين فكي تلك الآلة اللعينة التي صنعت لتخليص الشوارع من القمامة، ما لبثت تتزايد عددًا وحجما فمساحة، لتتشكل في ظل "تطنيش" الدولة، قيادات وزعامات عرفت كيف تستثمر واقع "الحكرة" لتحويل ذلك الإحساس بالظلم والتهميش إلى حراك شعبي، أمام اكتفاء الدولة بتقديم الوعود ونفخ بالونات الأحلام الوردية التي لا تسمن ولا تشبع، لتحولها الى زخم شعبي ما لبث يزداد تعقدًا أمام مقاربة "قمعية" ولا أقول أمنية، وهو الوصف الأقرب إلى الحقيقة، نجم عنها سجن العشرات من خيرة شبان الإقليم، بما فيهم غالبية الزعامات والتي شكلت المحرك للحراك، ما مكن من إخماد تلك "الثورة".

ولكن لا يدري عارف لحد الآن، ماذا يمكن أن يستجد غدًا أو بعد غد، وما إن كان سيعرف ظهور قيادات بديلة، من وسط الإحساس بالانتقام منهم ومن ريفهم المشتعل غضبًا، وإن حدث ذلك فالمؤكد أنها ستكون قيادات أكثر راديكالية وأقوى تجربة، إذ إنّ فاجعة وفاة 15 امرأة بطريقة مأساوية، ولا من أجل شيء، سوى لغاية الحصول على كيس حنطة وعلبتي شاي لا تتجاوزان 400 غرام مجتمعتين، قد زكت درجة الإحباط في نفوس الملايين ممن يزداد فقرهم عند كل ساعة من ساعات اليوم، فيما الامتيازات ونهب المال الذي هم أحق به، يواصل تصاعده بدرجات خطيرة، ضمانته في ذلك، أن إرادة الدولة غائبة في ما يخص تطبيق القوانين وتنزيل شعاراتها ضد الفساد المالي في الإدارات الحكومية.

جذور الأزمة في المعرب مرتبطة بالنظام السياسي الذي يأبى التطور مع العصر ومع تقدم معايير الديمقراطية والمشاركة في الحكم

ما حدث في الصويرة لا يمكن تبرئة الحكومة من مسؤوليته، غير أن من يعرف المغرب يعرف أن الحكومات تتغير حسب نتائج الانتخابات، وأن أي حكومة، كيفما كانت قوة الحزب الرئيسي فيها، لا تستطيع تغيير الوضع من جذوره، لأن قضية "الوطن لجميع المواطنين" أكبر وأعقد بكثير من قدرة رئيس حكومة مهما كانت كاريزميته السياسية قوية، لأن أزمة المغرب ليس أزمة أحزاب كما يتم تصويره بشكل ركيك مكرر اجتراري، بعيدًا عن أي تفكير عميق، فهذه الأحزاب هي بحد ذاتها ضحية سياسات تمييع وتحقير للعمل السياسي.

اقرأ/ي أيضًا: جدل مغربي حول التعامل الأمني مع احتجاجات "الحسيمة"

وإنما جذور هذه الأزمة في المغرب، مرتبطة بأزمة نظام سياسي قائم يأبى أن يتطور مع تطور العصر ومع تقدم العقلية ومعايير الديمقراطية والمشاركة في الحكم، أو ما يعرف بـ"الحكم الرشيد"، هذا النظام الذي احتكر جميع السلطات والمؤسسات النافذة والممتدة، وعلى رأسها وزارة الداخلية أهم مكونات الجهاز الحكومي، والمعنية بتعيين المحافظين والولاة، الذين يملكون لوحدهم زمام القرار على مستوى الجهات والأقاليم. 

وهو ذاته النظام الذي يفرض التوجيهات والسياسات العليا في المجال الاقتصادي والاجتماعي، وبدل أن تكون الحكومة جهازًا تنفيذيًا ينفذ برامج الحزب الرئيسي، تجد نفسها مجبرة على الامتثال لتدخلات مستشاري القصر وكبار المسؤولين المعينين بموجب ظهائر ملكية (مرسومات ملكية)، وهو ما تحدث عنه رئيس الحكومة السابق، عبدالإله بنكيران، بوصفه بـ"التحكم".

إن الأزمة الاجتماعية في المغرب تتعمق يومًا بعد يوم، أمام تدبير ارتجالي للشأن العام، وكل هذا في ظل وضع محلي محتقن وسط محيط إقليمي مهدد في استقراره.

وكي لا نطيل، فإنه وكخطوة أولى، وللخروج من هذا الوضع الاجتماعي الخطير، هنالك مخارج لكنها تتطلب بدايةً إرادة حقيقية للتغيير، ولعل أهم خطوة لاسترجاع الثقة، تبدأ بإعلان الحرب على الفساد المالي والإداري. ويمكن لأجل تلك الغاية النبيلة، خلق هيئة عليا لمكافحة كافة أشكال الفساد في الإدارة وفي المال العام، وجميع أشكال التقاعس والتراخي في أداء الواجب المهني، الذي بأدائه ينعم المغاربة بحقوقهم في إطار المواطنة، ثم إعادة المصداقية للعمل الحزبي.

للحد من الاحتقان بالشارع المغربي، يجب إعلان الحرب على الفساد وتحجيم وزارة الداخلية بإبعادها عن الانتخابات وصناعة الأحزاب 

ويتطلب هذا تحجيم دور وزارة الداخلية إلى حجمها الطبيعي، وإبعادها عن التدخل في الانتخابات وصناعة الأحزاب، وإعطاء صلاحيات حقيقية للحكومة لتنفيذ برامجها من خلال نصوص دستورية واضحة تقطع مع عهد التدخلات، مع ضمان استقلالية تامة للقضاء ليس عن الجهاز التنفيذي فحسب، وإنما يتوجب عبر إنهاء عهد التعيينات في المناصب العليا داخل هذا الجهاز لصالح نظام انتخابي داخلي متطور، وإطلاق حرية حقيقية للصحافة والعمل الحقوقي لأنه هو فاضح الفساد، وكما تؤكد منظمة الأمم المتحدة، فإن القضاء على نصف الفساد يتم من خلال فضحه، ولا نغفل أيضًا، الإفراج غير المشروط على جميع المعتقلين السياسيين والاجتماعيين ومعتقلي الرأي.

 

اقرأ/ي أيضًا:

دور "النخبة الجاهزة" في المغرب

عاهل المغرب وحراك الريف.. الحل في السلطة المطلقة!