غياث المدهون... حاملُ المسافات البعيدة

غياث المدهون... حاملُ المسافات البعيدة

الشاعر الفلسطيني غياث المدهون

قد تكونُ الكتابةُ عن الموتِ، والآلام الكبرى للشعوب، من أسهلِ الكتاباتِ إن جازَ قولُ ذلك، فانصهارُ الفردي في الجماعي، وإعلاءُ الأنا الضحية وسطَ الجموع، قد يمنحَا الكاتب حضورًا طارئًا، يُبرِّر بشكلٍ كوميديٍّ، ما هوَ غير شِعري، مع علو أصواتٍ لم تكن لتُقارب الشِّعر في لحظةٍ مختلفة، لا لموهبتها، ولكنْ، لأنَّها انخرطت في التباكي والانسلاخِ عن واقعها بدلَ نقدهِ من منافيها أو أماكن لجوئِها، والتي في الغالب تتحوَّل إلى فضاء استكانةٍ، ومدحٍ للآخر، وجلدٍ للذات.

الكتابةُ بعرقِ الجبين

الشاعر غياث المدهون، وفي محاولةِ مقاربةِ تجربته الشِّعرية مُتعدِّدةِ الملامح عن قرب، يكتبُ نصًّا مُختلفًا، ليس من أجلِ تحقيقِ التفرُّد الشَّكلي والموضوعي فحسب، وإنَّما يقترحُ اشتغالًا واعيًا لما يُمثّلُ هواجسه الإبداعية والإنسانية الخاصّة، فهو لا يستند في تجربتهِ على مأساتهِ، وإنْ تعلَّقت ببترهِ من مكانه الأول: دمشق، هو اللَّاجئ الفلسطيني المولود في مخيم اليرموك في سوريا. لا ينحازُ إلى حزنهِ وألمهِ الخاص، إذا ما تعلَّق الأمرُ بالكتابةِ الشعريةِ؛ إلا من أجلِ كتابةٍ شعريةٍ تصنعُ لذاتِها مسارًا، ورؤيةً، وتحفرُ عميقًا في أرضٍ صلبة. هو شاعر يتعبُ على نَصِّهِ. وقصيدتُه مسيرةُ كادحٍ لا يؤمِّنُ قوتَ يومهِ إلا من عرقِ جبينهِ.

في "أدرينالين"، يخلخلُ غياث المدهون السائد ويُفكِّكُ المقولاتِ الكبرى للسَّرديات المعاصرة، بواقعيةٍ تتخطَّى المَجاز 

في "أدرينالين" المجموعة الشعرية الصَّادرة عن "منشورات المتوسّط" في طبعتيْنِ 2017 و2018، نحن أمامَ اشتغالٍ حثيثٍ، وسؤالٍ مقيمٍ، وحيرةٍ دائمة، ما يخلخلُ السائد ويُفكِّكُ المقولاتِ الكبرى للسَّرديات المعاصرة، بواقعيةٍ تتخطَّى المَجاز. ليُعيدَ الشاعر تشكيل بديهياتهِ، بأدواتٍ يعملُ على تطويرها من خلال احتكاكهِ ومتابعته للمعارض والمتاحف الفنية. ذلك أنَّ نصَّ غياث هو "انعكاس للذاكرة والتجارب والأفكار التي عاشَها على مرآة مهشَّمة"، لا سيما وأنَّ حبْلَ الوطن بكل ما آل إليه، لم ينقطِع يومًا، ولم يقعْ حاملُ المسافاتِ البعيدة في حبّ ذاكرةِ أمكنةٍ أخرى.

اقرأ/ي أيضًا: طبعة ثانية من "أدرينالين" لغياث المدهون

"حين غادرتُ دمشقَ، كنتُ أنا ثابتًا في مكاني، وكانت دمشقُ تبتعدُ"، هكذا تختلُّ الموازين، تختفي قوانين الفيزياء، ويرتفع منسوبُ الخوف، كلَّمَا طالَ الدَّمار المكان الأول، وانفلتَتْ من بينِ الأصابع قطعُ الذاكرة التي لم يعد لها انعكاسٌ في الواقع. قد يكون لكلِّ شاعرٍ مدينته، والتي لم تعد كذلك بالنسبةِ لحالة المسافر دائمًا غياث المدهون عندما يتعلَّق الأمر بـ دمشق. دمشقُه التي لم يعد يلتقيها إلا في الذاكرة، ويحاول استحضارها بقوَّة الخيال والشعر، أمامَ هولِ ما طالَ أمكنتَها من خرابٍ، ومن ترحيلٍ وتقتيلٍ، وتحويلِ الصورة المثبَّتة في دفاتر الطفولة، وألبوم صور العائلة، إلى شريطٍ متحرِّك تتلاشى منه الأشياءُ كما الوجوه.

حينَ وُلدنا

كانتِ الحياةُ ملونةً

وكانتِ الصورُ بالأسودِ والأبيض

اليوم أصبحتِ الصورُ ملونةً.

وأصبحتْ الحياةُ بالأسودِ والأبيض.

هكذا، بين خللِ الفيزياء والتجريب، بين الحرب ومحاكاة الحرب، بين مأساةِ الجغرافيا وملهاةِ التاريخ، يكتبُ غياث المدهون نصَّهُ. يزورُ الأمكنة ويستنطقُ ذاكرتها، ينبشُ الجدرانَ الصامتة للحقائق المُغيَّبة، يفضحُ الدُّولَ الديمقراطية التي تقف في صفِّ الدكتاتور، ويرى أنَّ البحر الأبيض المتوسّط ليس سوى حيوانٍ مفترسٍ يأكل أجسادَ السوريين.

المرآةُ المُهشَّمة

في قصيدةِ غياث المدهون بناءٌ يأتي بعد عمليات الحذف، التقديم والتأخير، التهميش، والعودة الدائمة للمسوَّدةِ الأولى. كما يظهر أنَّ للقسوةِ أكثر من وجه واحد، وجه داخلي في محتوى النَّص الشعري، وآخر خارجي نلمسُ قسوته في طريقة تشكّل النّص، ووجهٌ آخرُ إنساني يعكسُه الموقفُ الحاسم تجاهَ الكتابةِ والحياة على حدٍّ سواء. تلك الوجوهُ وأخرى تطفو على سطحِ مرآةٍ تكسَّرت بفعلِ أشياء كثيرة، ليس أسوأها الحرب. ليُداهمنا السؤال: كيف لتلك الشظايا أن تجتمعَ في كتاب، نقلّب صفحاته دون أن تُجرحَ أصابعُنا؟ كيف يلتئمُ المشهدُ المشروخ منذ أكثر من مقبرة جماعية ومجزرة؟ وكيف ينظرُ الشاعر إلى مرآته اليوم وهو يكتب نصًّا جديدًا بعنوان "عالم افتراضي" يبدأ بـ: "لقد انتهت الحربُ، لكنَّ القنابل لا تزالُ تتساقط في رأسي".

يدعو غياث المدهون في كتاباته الجميع إلى حفلةٍ صاخبة، بلا موسيقى، ولا رقصٍ ولا شرب

يدعو غياث المدهون في كتاباته الجميع إلى حفلةٍ صاخبة، بلا موسيقى، ولا رقصٍ ولا شرب. الصخب يأتي من بابٍ آخر كما العنف. خلفيةُ المشهد أصوات القنابلِ وهي تسقطُ فوق المباني والرؤوس، العطشُ سيّد المكان، والأجسادُ المتناثرةُ في الجهات الأربع للألم نسيتْ أن تموت بطريقةٍ لائقة، لا تجرحُ شعور الجالسين خلف الشاشات المضيئة في أماكن آمنة. هي الحربُ ومأساتها حينَ يُسنَدُ ظهرُ الدكتاتور، ويصبحُ بقاؤه على رأس السلطة أهمَّ من أرواح ألاف الشهداء والعزّل والمهجَّرين.

اقرأ/ي أيضًا: غياث المدهون.. الشعر في مواجهة الفيزياء

"وفي تلك الأيّام، كنّا نعلمُ أنَّه سيقتلنا جميعًا، لكننا لم نكن نعلمُ أنَّ العالمَ سيقفُ صامتًا". أمام هذا الصمت الذي يبدو أن سيطولُ أكثر، تتجدَّدُ محاولاتُ مراجعةِ مصطلحاتٍ لم يعد تكرارُها بكلِّ اللُّغات يشكٍّل حرجًا أو (عارًا إنسانيًّا) للعالم: "حاولتُ أنْ أترجم لك الحرب، من لغةٍ ساميَّةٍ إلى لغةٍ هندو أوروبية، فأصابتكِ الشظايا، حاولت أن أسعفكِ، فحاصرتنا نشرة الأخبار". يقف كلُّ شيءٍ ضدَّ الشاعر، كصوتٍ يغرِّدُ قريبًا جدًّا من سرب القتلى، والمعتقلين، والذينَ ضاعت حقوقهم بين الصفقات والحسابات المشبوهة عربيًّا، وصعود التيارات اليمينية المتطرفة في الغرب. ودون ادعاء، بل وباعترافٍ يتكرَّر في أكثر من مقطعٍ وجملة شعرية يشي بأنَّهُ على مسافةٍ من الواقع الذي يتجاوز في ألمهِ الخيال: "في نفس الزمكان الذي أتمتَّعُ فيه بالرفاهية في أقصى شمال أوروبا، في بلدٍ يحوي سبعًا وتسعين ألفًا وخمسمئةِ بحيرةٍ من الماء العذب، نخبرني أمّي أنّها عطشانة، فأتذكَّر رواية الغريب... / وأحاولُ ألا أتذكَّر ألبير كامو".

الحكايةُ المنقُوصَة

تبدأ الحكايةُ باللُّجوء، ولا تنتهي. فالخساراتُ المتراكمةُ عند كلِّ بابٍ، تُعجِّلُ بانهيارِ تلك الأبواب، ليُمسي كلُّ ما هوَ آني في تسارعِ الأحداث والمجازر والآلام؛ متجاوزًا للحظتهِ الزَّمنية التي تطولُ لتحتلَّ مساحاتِ أزمنةٍ أخرى، سابقة من الذاكرة البعيدة، ولاحقة في التفكير بما هو قادم.

مبتسمًا كأنَّ الحربَ لم تأكلْ أخي،

أتسلّقُ جبل الكرمل مثل عريشة عنبٍ

كي أظهرَ بجانبكِ في الصورة العائلية،

فتقفينَ بجانبي مُرَّةً كالحقيقة،

ودافئةً مثل رصاصة،

وطويلةً مثل يوم الأحد.

في الحبّ يتطرَّف غياث المدهون كذلك، كما في الكتابة عن الحرب التي تفرضُ عليهِ جنونَها، فيُقابلها بجنونٍ مستعرٍ، يخاطبُ من خلالهِ الشاعر حبيبته في أكثر من مكان، وبطريقةٍ يمتزجُ فيه التداعي والجسد والعاطفة المشتعلة، مع كلّ الخراب الذي يحدث من حولهما. همَا معًا، كشاهديْن أخيريْنِ على عالمٍ ينهارُ، وأرضٍ تميدُ تحت قدميْهما.

"لقد تعلّمتُ من النساء أكثرَ ممّا تعلّمتُ من المدارس، وتعلّمتُ من الحربِ أكثرَ ممّا تعلّمتُ من السِّلْم".

نحنُ، مرَّةً أخرى، أمامَ نصٍّ مركَّبٍ، مكتملِ المعالم، بحكايةٍ يتقصَّد المدهون أن يتركها منقوصةً. كأنَّه يحاولُ بشكلٍ ما أن يجعلَ الموت منقوصًا هو الآخر، بدليلِ جرِّهِ، أي الموت، إلى مناطق ملغَّمة بالأسئلة، حيثُ تحضرُ الأسطورة، والكتب المقدَّسة، والآيات القرآنية، وأقوال الفلاسفة وعلماء الفيزياء.

الفيزياء.

لعنةُ اللهِ على الفيزياء.

لماذا يغرقُ المهاجرونَ، وبعدَ أنْ يلفظوا أنفاسَهُم الأخيرة يطفونَ فوقَ وجهِ الماءِ؟

لماذا لا يحدثُ العكسُ؟

لماذا لا يطفو الإنسانُ حين يكونُ حيَّا، ويغرقُ حين يموتُ؟

تستولي المحاكاةُ العلمية للأشياء على ذهنِ غياث، فيُحوِّل كلَّ ما يقع عليه من نظرياتٍ وأفكارٍ على مرِّ التاريخ إلى شعر. لعلَّها لعبة أخرى، لمواجهةِ الحقائق التراجيدية الحالية أو تلك التي حدثت في الماضي، ليمدَّ بينها الشاعر خيوطًا رفيعةً، ويسحبُها بذكاءِ أركيولوجيٍّ إلى قصيدته.

تستولي المحاكاةُ العلمية للأشياء على ذهنِ غياث، فيُحوِّل كلَّ ما يقع عليه من نظرياتٍ وأفكارٍ على مرِّ التاريخ إلى شعر

اقرأ/ي أيضًا: ما هي الحياة الجيدة؟

تلك القصيدة التي لم تعدُ كرنفالَ لغة ولا صورًا شعريَّةً (جميلةً) أو حتَّى مفارقاتٍ قد ننساها بعدَ دهشةِ القراءة الأولى، إنَّما هي تمحيصٌ حصيفٌ للواقع من داخل النَّص، وتجرُّأ على تمزيقِ صورته النَّمَطية في ذهن المُتلقِّي، وقد يكون السَّبيلُ إلى ذلك: القسوة بعينِها والرقَّة كلَّها في آن.

 

اقرأ/ي أيضًا:

لو كنا في عالم افتراضي

شيزوفرينيا