غياب العدالة والشهرة: حكايات كتّاب الأقاليم في مواجهة مركزية القاهرة
9 نوفمبر 2025
ماذا يعني أن تكون كاتبًا خارج أسوار العاصمة؟ ربما تحمل بين ضلوعك موهبة فذة، لكنك تبعد عن الأضواء بعشرات الأميال، تحرمك المسافة من حجز مقعدٍ لك بين الموهوبين، لا يتردد اسمك كثيرًا في حلقات المثقفين، ولا تستطيع أن تكون حاضرًا لتنال نصيبك من الدعم والفرص. كثيرٌ من كتاب الأقاليم، يحملون موهبة كبيرة، لكن تقابل هذه الموهبة شهرةٌ ضئيلة، وفرص محدودة، لم تمكنهم من تحقيق أهدافهم كاملة والشهرة التي طالما حلموا بها.
منهم الكاتب والشاعر إبراهيم رضوان، ابن مدينة المنصورة بمحافظة الدقهلية، الذي حقق جزءًا كبيرًا من أحلامه حين استقر في القاهرة لفترة، يقول: "الإقامة في القاهرة مهمة جدًا، لا يوجد شعر إقليمي، أنا عمري ما اعترفت بهذه التسمية"، لافتًا إلى أن كل الأعمال التي حققها كانت في العاصمة، حيث مقابلة الفنانين والملحنين، فضلًا عن ذهابه للإذاعة والتلفزيون يوميًا "عملت 5 آلاف دعاء ديني مع أحمد إبراهيم".
كيف غيّرت الصدفة مسار حياة شاعر المنصورة؟
لم يحظَ بالفرص التي كان يطمح بها في بلده، إذ شهد مشواره الأدبي فترات انتقالية كثيرة، حيث عوقب في بداية حياته بالنقل من المنصورة إلى الصعيد بعد نشر ديوان له بعنوان "الدنيا المشنوقة" فاعتبروه نوعًا من التمرد ضدّ السلطة "نقلوني إلى سوهاج وبعدين تم اعتقالي لمدة سنتين و42 يومًا وبعدين خرجت من المعتقل لاقيت الناس خايفة مني فتقوقعت".
تبقى المسافة بين الموهبة والفرصة أكبر من أن تُقاس بالكيلومترات الفاصلة بين القاهرة والأقاليم
لم يتوقف عن الكتابة وصدرت له مسرحيتان بعنوان "السبرسجي"، و"آلة التسجيل"، لكنها كانت كتابة سياسية مما جعل والديه ينصحانه بالابتعاد عن السياسة خوفًا عليه من الاعتقال مرة أخرى فكتب ديوانًا اسمه "الجنازة"، وأهداه إلى أحد أصدقائه في القاهرة ونسي الأمر، وفوجئ بعد فترة بإشادات حول ديوانه، وبأن له برنامجًا يُذاع في الشرق الأوسط يقدم قصائده؛ اتضح أن الإذاعية حكمت الشربيني عثرت على الديوان وبدأت تذيع منه قصائد وأحدث ضجة كبيرة، وطلبت منه الانتقال إلى القاهرة.
عدالة غائبة وفرص محدودة
يحكي رضوان، أنه ترك المنصورة وتوجه إلى القاهرة ليعيش فصلًا جديدًا من حياته، وجد أنه معروف بين الإذاعيين بسبب البرنامج، وفي تلك الفترة كتب العديد من الأغاني منها "مدد مدد شدي حيلك يا بلد" لمحمد نوح، ونجحت، فكتب له أغنياتٍ أخرى، ثم كتب لهاني شاكر، ولمحمد الحلو وسمير الإسكندراني، وآخر أغنية لشادية، وكتب لمحمد رؤوف "شباك يا أم عيون غزلان". كتب لمحمد الحلو "يا قمر" وغيرها من الأعمال، بالإضافة إلى كتابة مسلسلٍ في البرنامج العام لأول مرة في تاريخ الإذاعة، من 30 حلقة بالشعر، اسمه "عبد الشكور رفاعي راكب قمر صناعي". بطولة عبد الرحمن أبو زهرة ورجاء حسين ونادية فهمي ومجموعة كبيرة أخرى، مضيفًا "أما تحقيق إنجاز في المنصورة فكان مستحيلًا".
على الجانب الآخر، يصف الكاتب أحمد أبو دياب، ابن محافظة قنا، وجوده في الصعيد بأنه أمر إيجابي، قائلًا: "يمكن حافظت على خصوصية المكان، خصوصية الثقافة الجنوبية في الصعيد، هذا كله كان بالنسبة لي من العوامل اللي كوّنت شخصيتي الأدبية لأن البيئة لها تأثير ودور كبير"، لكنه لا ينكر أن هذا البعد عن المركز له ثمن "البعد عن القاهرة كان بالنسبة لي أزمة".
تبقى المسافة بين الموهبة والفرصة أكبر من أن تُقاس بالكيلومترات الفاصلة بين القاهرة والأقاليم. فبين من اضطر للرحيل ليُثبت حضوره، ومن آثر البقاء ليحافظ على خصوصية بيئته، يظل حلم العدالة الثقافية حاضرًا في أذهان المبدعين جميعًا.
استطاع دياب أن يتغلب على بعض التحديات، بالتواجد في فعاليات دولية وحصد الجوائز "استطعت أن أفرض نفسي على المجتمع القاهري والمصري بشكل عام لكن هناك بعض الأمور المعرقلة مثل غياب العدالة في توزيع الفرص"، مؤكدًا أن تواجده في الصعيد حرمه من الظهور تلفزيونيًا في العديد من اللقاءات واستبدالي بكاتبٍ آخر من سكان العاصمة لقرب المسافة "الأسهل الاستعانة بأحد متواجد في القاهرة بدلًا من تكلفة الانتقالات والسكن بجانب بعد المسافة التي قد تستغرق حوالي 10 ساعات".
كتاب الأقاليم يشكون من ظلم المركزية
يرى أن هناك ظلمًا واقعًا وأزمة كبيرة يتعرض لها سكان الأقاليم خاصة أهل الصعيد من الكتّاب والمبدعين، مشيرًا إلى أن الأضواء في القاهرة مغرية، لكن بعد التركيز فيها قد تؤذي العيون "أكتفي بالنظر عن بُعدٍ والاستمتاع بهذه الأضواء المتلألئة ولكن لابد من العودة إلى الإضاءة الهادئة أو التي أستطيع التحكم بها على قدر يناسب شخصيتي وثقافتي وعقليتي وتجربتي وهو وجودي في بيئتي الصعيدية"، لافتًا إلى أن الزحام الزائد في القاهرة قد يضيع هويته التي يعتز بها دائمًا.
بينما اضطر الكاتب إبراهيم رضوان إلى العودة لمسقط رأسه المنصورة، بعد رحلته في القاهرة التي امتدت لفترة، لكنه عاد لبيئته الأولى مجددًا ليبدأ فيها صفحة جديدة من حياته بزواجه، بعد أن تعرض لبعض المضايقات، لافتًا إلى أن هذه الفترة مر عليها سنوات طويلة وهو الآن يعيش وسط أحفاده وأبنائه، يسترجع الذكريات، ويحارب المرض، مؤكدًا أن زوجته هي سنده في رحلته القاسية والداعم الأول له "هي تعتبر حياتي والملاك اللي ربنا بعتهولي من السما عشان يعوضني عن كل دقيقة اتعذبتها في حياتي".
ويقدم رضوان تشخيصًا لمشكلة كتاب الأقاليم، بأنهم الذين قاموا بتهميش أنفسهم وشعورهم بأنهم أقل ويحتفون بأي كاتب يأتي من العاصمة حتى وإن كان أقل موهبة منهم بحسب قوله، ويرى أن غياب الطموح هو ما يقتل الموهبة فعلًا.
واختتم دياب حديثه، قائلًا: "المركزية أمر لا نستطيع أن ننكره، لأنها موجودة في المؤسسات والوزارات والسفارات ومقر دور النشر ومعارض الكتب، يعني ما يصل إلينا في الجنوب هو صدى لهذه الأمور ولكنه صدى خافت"، متمنيًا أن تلتفت وزارة الثقافة والهيئات المعنية الحكومية أو الخاصة إلى الجنوب، لأن الجنوب يعج بالمبدعين، والمبدع يحتاج ألا يشعر بأنه يحتاج للسفر إلى القاهرة ليحقق أمرًا ما ثقافيًا، من المفترض أنه يتم توفيرها في بيئته".
في النهاية، تبقى المسافة بين الموهبة والفرصة أكبر من أن تُقاس بالكيلومترات الفاصلة بين القاهرة والأقاليم. فبين من اضطر للرحيل ليُثبت حضوره، ومن آثر البقاء ليحافظ على خصوصية بيئته، يظل حلم العدالة الثقافية حاضرًا في أذهان المبدعين جميعًا، حتى يأتي يوم لا يُضطر فيه الكاتب إلى مغادرة مدينته ليسمع صوته ويحصل على الفرص والدعم والأضواء.






