غوستاف يانوش في

غوستاف يانوش في "كافكا قال لي".. تظهير صورة الكاتب الغامض

كافكا في عمل فني لـ جون دايس

ثّمة فرق كبير بين أن يكون المرء مشهورًا، وبين أن يكون معروفًا فقط. فإذا كانت الشهرة تضعهُ في المتن دائمًا، فإنّ المعرفة تجنّبه أن يكون مجهولًا تمامًا. بالنسبة للكاتب التشيكي فرانز كافكا، لم تكن الشّهرة مهمّة مقارنةً بالمعرفة، أي أن ينتبه إليه الناس بحيث لا يكون، ككاتب بالدرجة الأولى، على الهامش تمامًا.

يذكر صديقه ماكس برود الذي أعاد نشر مؤلّفاته ومخطوطاته بعد وفاته، أنّ كافكا قال له بعد نشره كتابه الأوّل "تأمّلات": "أمس تكلمت مع السيد أندريه (أكبر بائع كتاب في براغ) وأخبرني بأنّه باع إحدى عشر نسخة فقط من كتابي. أنا اشتريت بنفسي عشر نسخ. كم أتلّهف لمعرفة من ذاك الذي اشترى النسخة الحادية عشرة".

في كتاب "قال لي كافكا"، يضع غوستاف يانوش نصًّا بدا كتكملةٍ لما كتبهُ الآخرون عن كافكا

فكرة أنّه لم يكن معروفًا بالقدر الذي يشتهيه، كانت السبب ربّما وصيته بأن تُتلف كلّ مؤلّفاته بعد وفاته، بما أنّها غير مهمّة، ولم تنل اهتمام القرّاء آنذاك، أي قبل وفاته. لربّما هناك سببًا آخر لوصيته التي لم تُنفَّذ، كرغبته الشديدة مثلًا في ألّا يكون مرئيًا من خلال كتاباته، تلك التي لا بدّ أنّها تتقاطع مع شخصيته، أو تكشف للقارئ بعضًا من جوانبها، لا سيما تلك المتعلّقة بقلقه من الوجود، والخوف المزمن، والاضطّرابات النفسية، ووضعه الصحيّ البائس.

اقرأ/ي أيضًا: فرانز كافكا: هل يساعدنا الأرق على الكتابة؟

كان ما ذكرناهُ كافٍ لجعل حياة كافكا مغرية للمهتمّين بحياته الشخصية وشخصيته تحديدًا، إذ عاد إليها البعض مرّاتٍ عديدة ينقّبون فيها بحثًا عما يصلح للكتابة، أو إعادة الكتابة. ورغم الغموض الذي اتّسمت به حياته، وانطوائيته وانغلاقه على نفسه، كُتب عن حياته الكثير، أو أُعيد فعل ذلك بناءً على ما تركه كافكا خلفه من رسائل ويوميات.

ولكن، هل هناك ما يُمكن أن يُضاف إلى سيرة مؤلّف "المسخ"؟ بالنسبة لغوستاف يانوش، الجوانب هو نعم، هناك ما يُمكن أن يُضاف إلى سيرة صديقه. في كتاب "قال لي كافكا" (دار الرافدين/ منشورات تكوين، ترجمة نجاح الجبيلي)؛ يضع يانوش نصًّا بدا كتكملةٍ لما كتبهُ الآخرون عن كافكا، تغيب في حياته الشخصية وتفاصيلها الصغيرة لصالح أفكاره حيال مسائل وقضايا متعدّدة نتعرّف من خلالها إلى كافكا ناقدًا أدبيًا، وإن كان رافضًا لهذه الصفة بشدّة. كما نتعرّف إليه ناقدًا ومُحلِّلًا للأحداث الكبيرة والصغيرة التي عنونت عصره.

يستخلص يانوش من كافكا أفكارًا عديدة حول الأدب، أو – بشكلٍ أكثر دقّة – حول طريقة التعامل مع النصوص الأدبية، إذ يرى صاحب "في مستعمرة العقاب" أنّه لا بدّ من أن تمرّ العديد من السنين الطويلة قبل أن تكون الأذن مستعدّة لسماع قصّة مُحدّدة. فكرة جدلية ترتبط عنده بمسألة فهم الكائنات البشرية بصورة صحيحة ودقيقة؛ مسألة يرى في حدوثها خطًأ كبيرًا تفادته البشرية بالموت الذي يحول دوننا ودون تطبيقها وتحويلها أمرًا واقعًا.

نقرأ في كتاب الشّاعر التشيكيّ ما مفاده أنّ كافكا لم يكن معزولًا عن مُحيطه، وإنّما كان فقيرًا لجهة الوقت الذي لا يملك منه إلّا القليل، والسبب صخب المنزل وساعات العمل الطويلة نسبيًا، تلك التي كانت تحول بينه وبين إبداء رأيه حيال مختلف القضايا التي كانت تشغل مُحيطه، ولا تُعطيه إلّا القليل من الوقت كذلك للكتابة. لذا، رأى كافكا في الوظيفة التي تهضم الوقت، عملًا قسريًا فضّل عليه كلًّ من التجارة والأعمال الحرفية التي لا تفرض على المرء أن يكون أسيرًا داخل مكتب طيلة الوقت.

لا يُنكر مؤلّف "المحاكمة" أنّ العمل في المكتب يُشعر الإنسان بشيء من التفوّق والأفضلية، بيد أنّه في الوقت نقسه مجرّد مظهر يكون فيه الإنسان أكثر عزلة وأشدّ بؤسًا. فالعمل الفكريّ الشّاق في نظره يُمزّق صلات الإنسان مع المجتمع الإنسانيّ، على عكس الأعمال الحرفية الحرّة التي تدفع به نحو الناس. "دائمًا تحصل لدي وخزات ضمير لأنّني سمحت لحياتي أن تتبدَّد في مكتب" يقول في وصف سنوات العمل تلك.

يُدافع فرانز كافكا كما يُخبرنا غوستاف يانوش عن فكرة أنّ الشّاعر دائمًا أضعف وأصغر من المعدّل الاجتماعي. لذا، يشعر أكثر من غيره بوطأة الوجود الدنيوي الذي يركّز عليه بشكلٍ يفوق قدرة بقية الناس على فعل ذلك. والشِّعر، كما يراه الكاتب التشيكيّ، تكثيف ما لا يُكثّف، وجوهر الأشياء التي تبدو أنّها فارغة، دون جوهر أو معنى أو مغزى. والخلاصة أنّ الشّعر يقظة، عكس الأدب الذي يراه أداةً للتخفّف من حياة اللاوعي، ووسيلةً للإمتاع والتخدير.

العمل الفكريّ الشّاق يُمزّق صلات الإنسان مع المجتمع، على عكس الأعمال الحرفية التي تدفع به نحو الناس

قسّم صاحب "أمريكا" الشِّعر، في زمنه، إلى نوعين؛ الأوّل شعر جيد قوامه البناء دائمًا، وتشييد الجسور لقرّائه بحيث يكون الوصول إلى المعنى الواقع خلف القصيدة مُمكنًا. أمّا النوع الثاني، فيقف على النقيض من الأوّل، لا لجهة الجودة فقط، وإنّما لجهة بنائه جدرانًا عالية بدلًا من الجسور، بحيث يصير من المستحيل على القارئ الوصول إلى المعنى، وفقًا لما يراه كافكا.

اقرأ/ي أيضًا: الفكرة التي صنعت كافكا

إذًا، يشغل الشِّعر كافكا نقديًا فقط، بمعنى أنّه لم يكن مهتمًّا بكتابته، والأمر يعود بطبيعة الحال إلى كيفية رؤيته للشّعراء، أولئك الذين يقدّمون رؤية مختلفة للناس تكشف بالضرورة حقيقة الواقع المُعاش، الأمر الذي يرى أنّه غير قادر على فعله، أي إحداث التغيير الذي كان سببًا رئيسيًا لاعتبار الشّعراء عند أفلاطون عناصر خطيرة سياسيًا، تنشد التغيير في مواجهة الدولة التي ترغب بشيء واحد فقط: بقائها قائمة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

كافكا في "الكامبات"

سؤال الأدب والخلود