غطفان غنوم: كانت سوريا بلدًا بلا أكسجين

غطفان غنوم: كانت سوريا بلدًا بلا أكسجين

غطفان غنوم

برز اسم السينمائي السوري غطفان غنوم، المولود في مدينة حمص سنة 1976، بشكل لافت خلال الفترة السابقة، بعد حصوله على جائزة التميز عن فئة الأفلام الوثائقية الطويلة عن فيلمه "قمر في سكايب" في "مهرجان هوليوود للأفلام المستقلة"، ما جعله معروفًا في أروقة السينما السورية الحديثة.

غطفان غنوم: لا يمكن لفلاح أن تزهر شجراته وأن تثمر في بيئة لا يمتلك أدوات الحراثة فيها

كذلك، يدخل صاحب "بوردينغ" هذا العام، وفي جعبته تجربة سينمائية، من خلال إدارته للمهرجان الإسكندنافي السينمائي الأول، بتمويل ذاتي، ما يضعه أمام تحدٍ من نوع مختلف. "الترا صوت"، كان له وقفة حوارية مع غطفان غنوم، تحدث فيها عن بداياته السينمائية في "المعهد العالي للفنون المسرحية" وصولًا إلى أعماله في السينما الوثائقية التي قدمها للمتفرج العربي.

اقرأ/ي أيضًا: وودي ألين: الحياة برمّتها أمرٌ تراجيدي

  • من المعروف أن غطفان غنوم درس في المعهد العالي للفنون المسرحية... حبذا لو تحدثنا عن تجربتك في المعهد... وهل كان لها تأثير إيجابي على مسيرتك الإخراجية؟

درست لمدة سنتين في المعهد العالي للفنون المسرحية، وكانت تجربة غنية بالنسبة لي على الصعيد الحياتي، خاصة وأنها لم تكن بالتجربة السهلة أبدًا، بعد مرور سنوات طويلة أظن أنني قد دخلت المعهد بعقلية الفلاح، بينما كانت أرضيات المعهد مبلطة بالرخام، لا يمكن لفلاح أن تزهر شجراته وأن تثمر في بيئة لا يمتلك أدوات الحراثة فيها، أما عن أدوات الفنان الممثل فأنا أعترف بأنني لم أستطع خلال تلك السنتين أن أطور آلية تفعيلها، وهذا هو الأهم، قد يبدو من حيث الظاهر بأن المعهد قد وفّر لي جسد راقص حينها وخفة محارب لكن الآلية كانت معطلة، لا أنسى صدمتي الأولى لدى مشاهدة أول عرض مسرحي لطلاب السنة الأولى في أكاديمية الفنون المسرحية بمولدافيا، لقد تأكدت حينها بأنني كنت أفتقد للكثير من المهارات اللازمة للممثل المسرحي، وهذا ما حدا بي للتسجيل في معهد تقني لصناعة الأسنان، متأثرًا ومحبطًا، كنت في صراع حقيقي مع نفسي متسائلًا عن ماهية "الموهبة" وهذا الصراع لما يحسم بعد، لكن وبعد فشلي في سبك أي ناب أو ضرس، اخترت العودة لدراسة الفن، وقبلت في قسم الإخراج السينمائي.

  • لديك تجربة مسرحية مميزة مع فرقة إشبيلية في مدينة حمص مع المخرج سمير عثمان، قدمت خلالها العديد من الأدوار على خشبة المسرح، والفرقة كان لها صدى كبير في حمص ومعظم المدن السورية... ألا تفكر بإعادة تجربتك مع المسرح، أم أنها أصبحت تجربة من الماضي؟

 فرقة إشبيلية المسرحية في مدينة حمص، فرقة تكونت في حي "بابا عمرو"، كل أعضائها من الشباب الموهوبين حقيقة، أذكر منهم من دخل للمعهد العالي للفنون المسرحية، كعدنان الزراعي، وحسان الصالح، وغيرهما العديد، ولولا الفرقة لما كان لي طريق نحو الفن أصلًا. 

غطفان غنوم: الفقر الإنتاجي الذي ينعكس على الأفلام تقنيًا، يجعلها مفتقدة للجودة أحيانًا

قدمت الفرقة عروضًا جماهيرية كثيرة وناجحة ورغم كل الصعوبات والفقر الإنتاجي وأحيانًا المحاربة، لكن الفرقة شقت طريقها بثبات خلال أعوام طويلة وبات لها جمهورها، أتمنى أن يكون لي من الحظ الوفير متسع وأن أعتلي خشبة المسرح مرة أخرى في حمص، مع مخرج متميز، كالأستاذ حسن أبو قرعة، الذي أكن له بالكثير من المحبة والاحترام.

اقرأ/ي أيضًا: سينما السبكي التجارية.. احتكار موسم العيد

  • شاركت عام 2013 في الجزء الثالث من مسلسل "ولادة من الخاصرة" بشخصية مهران، والشخصية نالت قبولًا لدى المتفرج رغم قلة المشاهد التي كانت مسندة إليك... لماذا لم نعد نراك في شخصيات درامية جديدة؟

مشاركتي في ذلك المسلسل كان الفضل فيها للصديق سامر رضوان الكاتب والشاعر المتميز، ورغم قلة المشاهد فعلًا، والتي لا تتجاوز العدد اليسير إلا أن الشخصية تركت أثرها في الشارع، يعود الفضل في ذلك لمقدرة الكاتب على نحت ذلك النمط كتابة، والذي بات متواجدًا بكثرة في تلك الآونة من الثورة. 

أما عن مسألة عدم التواجد في المسلسلات مرة أخرى فذلك أمر يتعلق بالعرض والطلب، لم يعرض علي إطلاقًا أي مبادرة لمشاركة في أي عمل، ومن الناحية الشخصية لا يشغل الأمر حيزًا من تفكيري أو اهتمامي ولا أسعى له، لأنه لا يدخل في سياق الهم والمشروع الشخصي.

  • العديد من المهرجانات الدولية احتفلت بالكثير من الأفلام السورية المنتجة منذ آذار/مارس 2011... بالإضافة إلى الكم الهائل من الأفلام المنتجة... رغم أن معظمها لا يحمل أي قيمة فنية، نرى اليوم أن هذه الحالة بدأت تخف تدريجيًا، برأيك هل السبب هو تحول الحدث السوري إلى أمر عادي... أم أنهم اقتنعوا أن الأفلام الوثائقية لا تصنع بطريقة صحفية؟

اسمح لي بداية بأن أبدي تحفظًا حول مسألة انعدام القيمة الفنية، أما عن الشق الثاني من سؤالك، فأرى أن هنالك من المهرجانات ما تخضع لسياسات البلدان التي تقام فيها، وقد تتعارض سياسات هذه البلدان مع عرض الأفلام التي لا تخدمها، يؤثر ذلك في حظوظ تلك الأفلام. كما يؤثر في فرص عرضها تاريخ الإنتاج وسنته. 

عمومًا لقد خف الإنتاج مع اضطرار الكثير من صناع الأفلام للهجرة خارج سوريا نتيجة للأوضاع المتردية هناك. كما أن حالة التلقي لدى المشاهد قد اختلفت عن البدايات، فما كان مؤثرًا بالنسبة له أصبح اعتياديًا، وما كان رومانسيًا بات مقززًا، وهذا أيضا ترك الكثير من الأفلام تلهث وراء استعطاف المشاهد أو حتى المهرجانات وهذا ما لا ينجح بشكل مستمر.

  • تتلقى يوميًا عشرات الأفلام العربية بصفتك مديرًا للمهرجان الإسكندنافي السينمائي الأول... نود أن نعرف رأيك بما تشاهده من أفلام صنعها الشباب... وهل ترى أن هناك تجارب مميزة؟

من خلال مشاهداتي المكثفة، أستطيع القول بأن الأفلام العربية، وخاصة الوثائقية هي أفلام تحمل قيمة فنية وفكرية غالبًا، طبعًا لا يمكننا التعميم، يبدو أن المأساة العربية المستمرة منذ عقود في مختلف الصعد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية قد تركت للفنان الباحث مساحات كبيرة للتنقيب. 

غير أن الفقر الإنتاجي ينعكس على هذه الأفلام تقنيًا، وهذا ما يجعلها مفتقدة للجودة التقنية أحيانًا، وبالتالي قد يخفف من حظوظها في مواجهة الأفلام العالمية، أما بالنسبة للأفلام الروائية فأجدني مضطرًا للقول بأنها ما زالت متأخرة كثيرًا عن اللحاق بالسينما العالمية.

  • فيلم "بورتريه لمدينة ثائرة" صنع بظروف قاهرة على عكس فيلم "بوردينغ" الذي اشتغلت براحة أكثر... أيهما تحب أن تكون... وأيهما تراه أنسب لإنتاج فيلم جيد؟

الظروف الصعبة قد تساعد في إنتاج الفيلم الأهم، وقد تكون عاملًا مثبطًا للتجربة، الأمر لا يتعلق بالظروف الموضوعية فقط، العامل الذاتي لا يقل أهمية، في تجربة كـ"بورتريه مدينة ثائرة" كان دافعي الشخصي هو نقل صورة ما يجري عبر فيلم وثائقي، ثقة مني بأن السينما تستطيع رفد الوعي العام، وقابلة للتصديق في قالبها الفني أكثر من أي تقرير أو ريبورتاج، كانت الظروف الموضوعية سيئة والحرب مشتعلة. بينما كان العامل الذاتي متقدًا.

أما في تجربة كـ"بوردينغ"، فقد اختلفت الصعوبات موضوعيًا، فبات العائق المادي طاغيًا، لأن الإنتاج يحتاج للتنقل والتصوير يحتاج لتكاليف كثيرة، كذلك الأمر بالنسبة للذاتي، فمع الإحباطات الشديدة ومرور سنوات على الثورة السورية بات الأسى يعتريني كلما فكرت بالسؤال الأهم "وما فائدة ما قد نقدم من سينما؟"، غير أنني أدرك أن هذه الأفلام وبما تحمله من صدق، ستشكل وثيقة مهم للأجيال القادمة، وهذه مهمة نبيلة لا يجوز التخلي عنها.

غطفان غنوم: سوريا الرائعة مجرد فكرة في ذهننا، هي صورة ما نحمله في ذاتنا من جمال

  • إقامتك في إحدى الدول الأوروبية جعلك تكون بعيدًا عن القضايا التي تشتغل عليها... كيف أثر المنفى وبعد المسافة على أفكار الأفلام التي اشتغلتها؟

صورت فيلم "بورتريه مدينة ثائرة" في سوريا بالقصير الحمصية لدى حصارها، وهو يتناول حال تلك المدينة، أما "بوردينغ" و"قمر في سكايب" فقد صورا في أوروبا ويتناولان مواضيع ومشاكل المهاجرين العالقين في الدول التي تعاني من تلك السيول البشرية محاولة المرور عبرها نحو أوروبا العمق الآمنة، ولذلك لا أرى بأنني بعيد في أفلامي عن القضايا التي أعمل عليها، هذا لا يعني أبدًا القول بأن تلك الأفلام تمتلك صفة الكمال، لكنني شخصيًا لا أستطيع التعامل مع قضية لا أظن بأنني أفهمها، ولدي وجهة نظري الخاصة بها.

اقرأ/ي أيضًا: مسلسل "الندم".. ولكن ما سبب "الأزمة"؟

  • برز غطفان غنوم كمخرج سينمائي عندما خرج من سوريا... هل ترى أن سوريا كانت مقبرة للمبدعين؟

سوريا مقبرة لكل ما هو جميل، ولا أذكر بأنني قد صادفت طيلة حياتي صديقًا سعيدًا في سوريا أو مرتاحًا في أدنى الاحتمالات، سوريا الرائعة مجرد فكرة في ذهننا، هي صورة ما نحمله في ذاتنا من جمال، نعم كانت سوريا خلال كل حياتي مقبرة كبيرة لكل إبداع، ولكي أكون دقيقًا ولا أفهم بشكل خاطئ، فلنميز بين سوريا الوطن وسوريا الفكرة.

أنا أعلم أن الشعب السوري شعب خلّاق، وأن هنالك الكثير من المبدعين في شتى المجالات، والأساتذة والموهوبين، لكن المواهب تحتاج للرعاية كي تستمر وكي تنمو، وسوريا كانت بلادًا بلا أكسجين، بلادنا مطوقة بالجدران الدينية والاجتماعية وبالسقف الدكتاتوري، ورغم كل ذلك فنحن كسوريين كنا نتبادل السلامات من بين القبور، على كل حال سأستعير مقولة أحد الأدباء: لا يمكن أن تتعلق بوطن ليس لك أموات تحت أرضه. سوريا مقبرتنا.

  • أخيرًا... نقرأ لك بين فترة وأخرى مقالات صحفية تجمع بين الآدب والسخرية... وهو ما نجده قليلاً عند معظم المخرجين، ما الذي يدفع المخرج لأن يكون حاضرًا في الصحافة؟

توفر لي الكتابة مظلة جيدة لكي أقرأ، ولكي أبحث، وهذا أمر يعوزني جدًا، كما أن الكتابة تتيح لي غالبًا بناء أفكاري بشكل منطقي مريح بالنسبة لي، فأنا أفهم أفكاري أكثر حين أضعها على الورق، كما أن اليسير المادي الذي يصلني من هذه المقالات يشكل لي حلاوة العيد التي أفرح بها حتى الآن بروح طفل.

اقرأ/ي أيضًا:

فيلم "خوليتا".. رحلة الصمت والقدرية

لبنان.. لا سينما بوجود الرقيب