ultracheck
  1. ثقافة
  2. أدب

غسان كنفاني.. إجابات حاسمة حول شعر المقاومة

22 مايو 2025
غسان كنفاني

ظلت تجربة غسَّان كنفاني (1935 – 1972) من التجارب الفارقة في حركية الإبداع العربي. فقد تنوعت أوجه الإبداع والكتابة لديه بين الرواية والقصة القصيرة والنقد الأدبي والكتابة الصحفية إلى جانب نضاله السياسي.

في عكا، ولد "كنفاني" لأسرة من الطبقة الوسطى، لأب كان يعمل محاميًّا في يافا. وقد ألحقه ابنه بمدرسة الفرير والتي أتقن خلالها اللغة الفرنسية. وعقب النكبة، انتقلت الأسرة إلى لبنان ثم سوريا وهناك "كنفاني" يزاول أعمالًا بسيطة توفر له لقمة العيش. وذلك قبل أن يعمل مدرسًا بمدرسة الإليانس الفرنسية للاجئين في دمشق، قبل أن ينتقل إلى الكويت ليعمل مدرسًا. وفي مطلع الستينيات، انتقل إلى بيروت ويتفرغ للأدب والسياسة. تزوج من آني الدنماركية وأنجب ولدًا وبنتًا. وتم اغتياله من قبل المخابرات الإسرائيلية سنة 1972.

كان "كنفاني" من بين الأوائل الذين لفتوا الانتباه إلى حركة الشعر الفلسطيني في الداخل عقب نكبة 1948 وأصبح كتابه "الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال: 1948 – 1968" من المراجع الأساسية مع مرور الوقت

ترك "كنفاني" مجموعة من الأعمال الأدبية الرائعة: "رجال في الشمس"؛ "موت سرير رقم 12"؛ "أرض البرتقال الحزين"؛ "عن الرجال والبنادق"؛ "أم السعد"؛ "عائد إلى حيفا" وغيرها من الأعمال المتميزة.

كان "كنفاني" من بين الأوائل الذين لفتوا الانتباه إلى حركة الشعر الفلسطيني في الداخل عقب نكبة 1948 وأصبح كتابه "الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال: 1948 – 1968" من المراجع الأساسية مع مرور الوقت.

في مقابلة نادرة مع مجلة "مواقف" (العدد 9، يونيو 1970) التي أسسها الشاعر السوري أدونيس في بيروت، يجيب "كنفاني" على مجموعة من الأسئلة حول رؤيته لشعر المقاومة. إليكم إجاباته:

 

  1. إنه بلا ريب شعر متقدم من الناحية الفنية. إن هذا الوصف طبعًا لا ينطبق على كل ذلك الشعر، فشأنه في ذلك شأن أي حركة شعرية في أي مكان، ولكن أسماء بارزة مثل حنا أبو حنا وسميح القاسم ومحمود درويش وتوفيق زيَّاد تظل أسماء مهمة فنيًّا في حركة الشعر العربي، ليس في فلسطين المحتلة وحدها بل في الوطن العربي كله.

ما أريد أن أقوله في هذه المناسبة هو أنه يوجد حركة شعرية من نوع آخر في فلسطين المحتلة، هي حركة (الشعر الحكومي)، إذا جاز التعبير. فثمة شعراء عرب عديدون يجندون صوتهم الشعري إلى صف الاحتلال، ذلك شيء يشير إلى سقوط أخلاقي فحسب بل إلى سقوط فني أيضًّا. إذا وضعنا شعر المقاومة العربي مقابل ذلك النوع من النظم لاحظنا ذلك بوضوح، إن شعر المقاومة ليس متفوقًا من الناحية الأخلاقية والانسانية وحدها، ولكنه متفوق بلا مقارنة من الناحية الفنية أيضًا.

ذلك يشير إلى شيء مهم وهو أن التفوق الفني مسألة مرتبطة أساسًا بالأصالة. إنه من الصعب أن يكون الأدب المتفوق فنيًّا أدبًا غير ثائر سياسيًّا واجتماعيًّا وغير ملتزم إنسانيًّا. المسألتان مرتبطتان بصورة عضوية، والمثال الذي اعطيته ليس مصادفة.

  1. كان الأمر كذلك قبل سنوات، ولكنه ليس كذلك الآن. إن الخطوات الفنية التي قطعها شعر المقاومة داخل الارض المحتلة نحو صيغ متقدمة من ناحية الشكل هي خطوات لافتة للنظر. إنها، على أي حال، متسقة. الخطوات المماثلة في البلاد العربية. قد يكون تأخرها قليلًا ناتجًا عن العُزلة التي عانى منها عرب الأرض المحتلة في العشرين سنة الماضية، ولكن تلك الخطوات جاءت، في الحقيقة، مذهلة السرعة من ناحية المقارنة، وقياسًا على "القطيعة" القائمة بينهم وبيننا.

إن لمحمود درويش إنجازات مهمة في هذا النطاق، ومؤخرًا صدر ديوان شعر لشاب اسمه "ميشيل خوري" من حيفا على ما أعتقد، اسمه "الدرج النازل غلى أغوارنا"، وهو مجموعة من قصائد النثر المكتوبة جيدًا من الناحية الفنية، وتوازي الجهد المماثل الذي يظهر في الدول العربية.

  1. لا أستطيع أن أجد خطًا فاصلًا، بالشكل الذي يوحيه السؤال، بين شعر المقاومة في فلسطين المحتلة قبل وبعد حزيران – ليس على الأقل بالصورة التي افتعلت بالنسبة للأدب العربي خارج فلسطين. وفي الواقع فقد كان الإنجاز الشعري لشعراء فلسطين المحتلة منذ البدء مسلحًا بالوعي. الكارثة لم تفاجئهم بالصورة التي فاجأتنا، ولا الثورة. كانت حياتهم نضالًا متصلًا عكسوها في شعرهم، واستمرارهم الآن ليس إلا حلقة جديدة منطقية الظهور في سلسلة إنجازاتهم الفنية.

أما فيما يتعلق بالشِق الآخر من السؤال فإنني لم أفهم على وجه التحديد قولك و"الرؤيا الشمولية التي تميز بها أدب المقاومة العالمي"، وفي الواقع فإن أدب المقاومة الفلسطيني كان يتميز منذ الأساس بثلاثة أمور جوهرية هي التي رسخته وأعطته قيمته، وهي:

  •  رفض الاحتلال والصمود أمام التذويب.
  • اليسارية التي جعلته يغوص إلى أعماق الأشكال وليس الاكتفاء بالانزلاق على قشرة المظاهر والحماسة.
  • انفتاحه على الحركات الثورية في العالم، واعتبارها جزءًا من الجهد المقاوم الذي يبذله الإنسان بغض النظر عن مواقعه الجغرافية.

إذا كان هذا هو المقصود بالرؤيا الشمولية في سؤالك، فإن شعر المقاومة هو كذلك. ولست أدري كم في هذا الحكم من انفعال شخصي، ولكن بالنسبة إليّ فإنني أرى في أدب المقاومة العربي في فلسطين المحتلة علامة بارزة وطليعية ومتقدمة في تراث آداب المقاومة العالمية.

  1. أخشى أن يكون رأيي معاكسًا، فأنا لا أرى في شعر محمود درويش تكرارًا وسردًا، بل على العكس أرى فيه طاقة غير عادية على التجدد والعمق. إن "التشبيه" في شعره هو إنجاز رمزي، ولذلك فإن من الصعب وصفه بالتأثر الكلاسيكي، وربما كان ذلك التشبيه بالذات هو أحد الانجازات المهمة التي قام محمود درويش في عمله الشعري. فالتشبيه بالنسبة له هو "ترميز"، أو بالأحرى هو إطلال على أفق أرحب، ونقل ما هو واقعي إلى ما هو رؤيا وموقف وقرار.
  2. أي عمل فني جيد يحمل في ذاته تأثيراته، وعلى هذا الأساس فإن شعر المقاومة يؤثر بلا ريب على تحركات الطلاب، الذين هم حملة ألوية الرفض. إن التعبير "شعر المقاومة" سنستخدمه هنا بمعناه الاشمل، بمعنى الرفض والثورة وإطراح رواسب العفن الماضي والطموح إلى عالم أفضل. 
    إن ذلك كله هو في هذا العصر، بدرجة أو بأخرى، محرك الغضب الطلابي الذي بات يأخذ شكل تقدم طليعي في حركة المجتمع، ومن هنا فان شعر المقاومة بذلك المعنى هو إسهام في عملية التحريك تلك.
    وبالنسبة لنا فلا ريب أن ما يحرك شعراء المقاومة هو ذاته ما يحركنا – بدرجة أو بأخرى – وبالتالي فإذا أعاد لنا هؤلاء الشعراء حوافزنا الكامنة في إطار من الجمال والوضوح فإنهم يضاعفون طاقاتنا ويسهمون في بلورة تحركنا".
  3. لا أستطيع، ولكنني أعرف تمامًا أن المسألة بالنسبة إليّ لم تتغير إلا بمقدار ما تغني التجربة، وتطور الواقع الموضوعي، الرؤيا الفنية عند أي كاتب. وفي الواقع لست أدري إن كان نِتاجي قبل كارثة حزيران منفصلًا عن الواقع الذي أدى لها. في "رجال في الشمس" (حوالي ١٩٦٣) دعوت بصوت شديد العلو إلى المقاومة والعنف. هل كان ذلك تنبوًّا أم مجرد استنباط لحركة الواقع؟ في "ما تبقى لكم" دعوت إلى المساواة بين عدوين: إسرائيل والرجعية المتواطئة. ما تزال هذه الدعوة قائمة، والرؤيتان كتبتا، كما ترى، قبل حزيران.

يعتقد الجنرال ماتتياهو، وهو جنرال إسرائيلي، في دراسة كتبها مؤخرًا في صحيفة معاريف الإسرائيلية أن رواياتي هي شهادة على عدم اندحار الشخصية الفلسطينية، أما الناقد الإسرائيلي "شيمون بلاس" فقد كتب في "إزرائيل ماغازين" (عدد رقم ٩ – ١٩٦٨): "إن روايات غسان كنفاني تنبض بروح قتالية واللاجئ فيها هو الذي يوجه الاتهام".

لقد اخترت هاتين الشهادتين من طرف العدو لأن اعترافه بذلك يعني الكثير. من هذه الناحية لا أعتقد أن الخامس من حزيران كان حدًّا فاصلًا بالنسبة إليّ. على العكس إن "رجال في الشمس" اكتسبت قيمة مضاعفة برأيي أما "ما تبقى لكم" فهي في طريق كسب قيمتها المضاعفة. ما قالته هذه الرواية عام ١٩٦٥ ما زال قائمًا، الآن أكثر حدة منه في أي وقت مضى.

الشيء الوحيد الذي يشكل بالنسبة إليّ فارقًا، قبل حزيران وبعده أنني الآن أكثر انشغالًا، وبالتالي أقل إنتاجًا في الميدان القصصي والروائي، وهذه حقيقة تؤلمني، مهما كانت المبررات التي أستخدمها عادة بيني وبين نفسي.

كلمات مفتاحية
أربعة عشر وجهًا حزينًا

أربعة عشرَ وجهًا في "مكرو" مزّة جبل كراجات

تأخذنا براءة في رحلة من عدة صفحات لتعرفنا على عالم "المكرو"، الذي يمثل لها المعرفة بتفاصيل الشقاء السوري اليومي الذي تريد توثيقه هنا

حيدر الغزالي

حوار| حيدر الغزالي: غزة منحتني أصعبَ إقامةٍ أدبية في الحرب

تُرجمت نصوصه التي يكتبها على صفحته الشخصية في منصة "فيسبوك" إلى ثماني لغات

tsamym-altra-wyb-qyas-jdyd.png

قصائد حسن عامر.. عن النسيان الدرامي ومواجهة مسرحة الحياة

قراءة في تجربة الشاعر حسن عامر

الصين
أعمال

رغم الحرب وتداعياتها.. الاقتصاد الصيني يسجل نموًا فاق التوقعات

أظهرت البيانات الرسمية الصينية أن الناتج المحلي الإجمالي للصين ارتفع بنسبة 5% على أساس سنوي خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام، متجاوزًا توقعات المحللين التي دارت حول 4.8%

الشارع المصري
مجتمع

الانتحار في مصر: أزمة تتجاوز الإحصاء إلى أسئلة الأسرة والمجتمع

شهدت الساحة المصرية خلال الأيام القليلة الماضية عددًا من وقائع الانتحار في محافظات مختلفة، الأمر الذي خلّف صدمة واسعة في الشارع المصري

الحرب على إيران
سياق متصل

لماذا تصرّ الولايات المتحدة على استراتيجية "الخنق الاقتصادي" في حربها مع إيران؟

تتجه الولايات المتحدة إلى تكريس نهج جديد في مواجهتها مع إيران، يقوم على "الخنق الاقتصادي" بدلًا من التصعيد العسكري المباشر

محمد صلاح
رياضة

عن ليلة الأنفيلد القاسية.. هل كُتب على محمد صلاح أن يغادر من الباب الخلفي؟

عاشت جماهير ليفربول مع محمد صلاح تسع سنوات من السحر والمتعة، أثبت فيها للعالم أن الفتى القادم من أقاصي الريف المصري قادر على كتابة تاريخ جديد، وأن من يترك خلفه هذا الإرث العظيم والكبير، لن يسير وحده أبدًا